وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن بدعة التكفير التي نبتت في تاريخ المسلمين كانت شرارتها الأولى ترجع إلى أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - حين اعترض "ذو الخويصرة التميمي" على قسمة الغنائم قائلًا بجهل: "يَا مُحَمَّدُ! اعْدِلْ"، فكان الرد النبوي حازمًا: «وَيْلَكَ! وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟ لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ» [صحيح مسلم:١٠٦٣]، ثم تنبأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بظهور هؤلاء القوم قائلًا: «إِنَّ مِنْ ضئضئ هذا قوما يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ. وَيَدَعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قتل عاد» [صحيح مسلم:١٠٦٤].
لقد كان هذا التوصيف النبوي (المروق) هو المفتاح لفهم ظاهرة التكفير؛ فهي تدين بلا فقه، وحماس بلا بصيرة، وقتال للأمة من الداخل تحت دعاوى الغيرة على الدين، وقد تحقق هذا الإخبار النبوي في عهد الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - حيث اضطر لقتالهم في النهروان بعد أن استحلوا الدماء والأموال.
لم يقف فكر الخوارج عند حد معين، بل تطورت الفكرة وانقسموا إلى فرق كثيرة يجمعها القول بكفر الإمامين على وعثمان - رضي الله عنهما - وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم، واتسع نطاق التكفير عندهم على يد الأزارقة (أتباع نافع بن الأزرق)، فشمل كل مخالف لهم، بل كفّروا القعدة (وهم الخوارج الذين لم يخرجوا معهم للقتال) وجعلوهم مشركين، بينما اختلفت (النجدات) معهم، وكفّر بعضهم بعضًا في مسائل القدر والاستطاعة [الأشعري: مقالات الإسلاميين (١/١٦٧)].
إن هذا التشظي يكشف عيبًا جوهريًّا في أهل البدع؛ وهو (التكفير المتبادل) عند أقل نازلة، لغياب الأصول المنهجية الراسخة، فالجمود الفكري يؤدي بالضرورة إلى تفتيت الجماعة وتأويل النصوص لخدمة النزاعات الضيقة، وهو ما جعل الخوارج في حالة صراع دائم لا ينتهي.
يُستثنى من غلو الخوارج (الإباضية) الذين كانوا أكثر اعتدالًا؛ حيث اعتبروا مخالفيهم (كفار نعمة) لا كفار شرك، وأجازوا مناكحتهم وموارثتهم، محاولين بذلك العودة إلى دائرة أهل القبلة، أما أهل الحديث فهم المنهج الوسط الذي لا يشهد على أحد بكفر ولا بشرك ما لم يظهر منه صريح ذلك، ويذرون السرائر إلى الله - تعالى - إن منهج أهل الحديث يدرك طبيعة النفس البشرية الجبلية التي تُصيب وتُخطئ، مستندين لقوله - صلى الله عليه وسلم - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم» [أخرجه مسلم :٢٧٤٩]، فالمنهج الإسلامي قائم على فتح باب الرجاء، بينما الفكر التكفيري يغلقه بالأقفال العقدية.
لم تقتصر نزعة التكفير على الخوارج، بل امتدت إلى بعض فرق الشيعة والسنة، حيث منهم من يكفر بعضهم بعضًا وتقوم بينهم عداوات قائمة دائمة كما يذكر مؤرخو الفرق، ثم تطورت الفكرة بشكل فلسفي عند المعتزلة؛ الذين جعلوا مسألة مرتكب الكبيرة أصلًا من أصولهم الخمسة، وهو (المنزلة بين المنزلتين).
ذهبت المعتزلة إلى أن مرتكب الكبيرة خارج من الإيمان ولكنه لم يدخل في الكفر، وبذلك وافقوا الخوارج في حكم الآخرة (الخلود في النار) وخالفوهم في (الاسم) في الدنيا، هذا التأصيل العقدي المعتزلي جعل الإيمان مشروطًا بترك الكبائر تمامًا، وهو قول يجافي سماحة الإسلام وواقعية البشر، ويحول الدين إلى معادلات فلسفية جافة.
من أخطر تطورات الفكر الاعتزالي منح العقل حرية كاملة في تجريح الصحابة الكرام، فقد ظهرت عبارات على ألسنة رؤسائهم كـ (عمرو بن عبيد) و (واصل بن عطاء) تذكر بعض الصحابة بغير الخير؛ حيث زعم واصل أن إحدى فرقتي الجمل (فسقة لا بأعيانهم) وأنه لا يحكم بشهادة علي أو طلحة أو الزبير على "باقة بقل" [البغدادي: الفرق بين الفرق ص ١١٩]، كما طعن (النظام) في الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وزعم أنه شك يوم الحديبية، ونسب الضلال لابن مسعود - رضي الله عنه -، بل وأجاز اجتماع الأمة على ضلالة، إن هذا التجريح يلزم منه التكفير الصريح على أصولهم، وهو مسلك هدمي يطعن في حملة الشريعة الأوائل ويفتح الباب لكل ناعق للنيل من ثوابت الدين.
بلغ تطور الفكر التكفيري الإقصائي ذروته في العصر العباسي، حين حاول رؤساء المعتزلة فرض آرائهم بالإجبار مستغلين نفوذهم لدى الخليفة المأمون،
فكانت (محنة خلق القرآن)؛ حيث امتُحن العلماء وفُتنوا، ومُنع من لم يجبهم من تولي الوظائف، بل وصل الأمر لدرجة الإفتاء بكفر وقتل أئمة الأمة كالإمام أحمد بن حنبل [مناقب الإمام أحمد: ص ٣٠٨]، إن هذه المحنة تكشف الوجه القبيح للفكر الإقصائي عندما يتزاوج مع السلطة؛ حيث يتحول (الاجتهاد الفلسفي) إلى (سيف مصلت) على الرقاب، لقد صمد أهل الحديث أمام هذا الطغيان الفكري، مؤكدين أن الحق لا يُعرف بالقوة، وأن التكفير حكم شرعي لا يجوز إطلاقه بغير برهان من الله ورسوله.
إن رحلة التكفير من (خوارج النهروان) إلى (معتزلة المحنة) هي رحلة انحدار من فضاء الرحمة الإسلامية إلى ضيق الانغلاق الحزبي، لقد أثبت التاريخ أن كل فرقة اعتمدت التكفير وسيلة لمواجهة المخالفين قد انتهت إلى تفتيت نفسها وتشويه جمال الدين، إن منهج أهل السنة والجماعة، القائم على عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب، هو الحصن الحصين لوحدة الأمة، وحماية الجيل المعاصر تتطلب وعيًا عميقًا بهذه الجذور التاريخية، لفهم أن شعارات (الحاكمية) أو (العقلانية المتطرفة) قد تكون ستارًا لأهواء قديمة تطل برأسها من جديد، فالدين نصيحة، والوسطية فقه، والتكفير منزلق لا يسلم منه إلا من اعتصم بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمة وفقهاء الصدر الأول.
ظاهرة التكفير في العصر الحديث وصِدَامها بالثوابت الشرعية، لها أثرها التاريخي الممتد من عهد الصحابة - رضي الله عنهم -
الظروف التاريخية التي ولدت فيها أول بدعة تكفيرية في الإسلام جاءت عقب حادثة التحكيم بصفين
المنهج العلمي والحواري المتكامل الذي اتبعه سيدنا عبد الله بن عباس -رضي الله عنه- في مواجهة أولى حركات التكفير المنظم في التاريخ الإسلامي، نموذجاً فذاً في تفكيك شبهات الخوارج