Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فقه السعة.. وضوابط الاستنباط

الكاتب

هيئة التحرير

فقه السعة.. وضوابط الاستنباط

هل يُعد اختلاف الأئمة في موازين قبول الحديث دليلًا على التضاد الذي يشتت الأمة؟ 

لا؛ بل هو ثراءٌ منهجي وسعةٌ شرعية، يفكك المقال ظاهرة الانغلاق، ويوضح كيف يقطع هذا التعدد الطريق على كل غالٍ يظن أن فهمه القاصر للنص هو الحقيقة المطلقة.

التنوع المنهجي في معايير القبول والرد

إن الناظر في صنيع أئمة الحديث يدرك أن (الحكم على الحديث) ليس أمرًا قطعيًّا، بل هو عملية اجتهادية تخضع لشرط كل إمام، فدائرة التصحيح تتسع وتضيق؛ فما يراه البخاري في قمة الاتصال، قد يراه غيره في مرتبة دونها، وما يقبله ابن حبان من رواية (المجهول) قد يتوقف فيه غيره، إن هذا التعدد يثبت أن الشريعة (فضاءٌ واسع) وليست قوالب جامدة، وهذا هو الترياق الأول ضد التطرف الذي يختزل الدين في رأي واحد ويقصي ما عداه، متناسيًا قول الله - تعالى: ﴿‌فَسۡءَلُوۤا۟ ‌أَهۡلَ ‌ٱلذِّكۡرِ ‌إِن ‌كُنتُمۡ ‌لَا ‌تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].

مدرسة الرأي والحديث.. تكامل العقل والنقل

لقد انقسم العقل الفقهي إلى مدرستين: (أهل الحديث) بالحجاز و(أهل الرأي) بالعراق، ولم يكن الخلاف بينهما في حجية السنة، بل في (آليات التوثيق)؛ فالحنفية اشترطوا فقه الراوي فيما يخالف القياس لضمان سلامة المقاصد الكلية، هذا العمق يوضح أن السنة ليست نصوصًا معزولة، بل هي نسقٌ متكامل يعضد بعضه بعضًا.

 المتطرفون اليوم يأخذون بظواهر النصوص دون عرضها على مقاصد الدين، فيقعون في (الجمود الحرفي) الذي يقتل روح الشريعة ويشوه جمالها.

العبقرية الشافعية وجسور التواصل

تمثل المرحلة الثالثة في تاريخ الفقه قمة النضج بظهور الإمام الشافعي، الذي مزج بين المدرستين بعبقرية نادرة، لقد علمنا الشافعي أن الانغلاق داخل مدرسة واحدة هو قصور في النظر، فجمع بين أثر مالك ونظر الشيباني، إن محاربة التطرف تبدأ من الاعتراف بأن الحقيقة موزعة بين المذاهب المعتبرة، وأن (الرأي المنضبط) و(الأثر المسند) هما جناحا الشريعة اللذان لا تطير إلا بهما، تحقيقًا لقوله - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» [أخرجه مالك في الموطأ والبيهقي].

حديث (المصراة) وتحقيق مناط الاستدلال

يعتبر حديث المصراة (التي يُغش مشتريها بحبس لبنها) نموذجًا لعظمة الاجتهاد؛ فالجمهور أخذ بظاهر النص، بينما الحنفية عرضوه على الأصول الكلية في ضمان المتلفات، هذا الخلاف هو (رحمةٌ بالأمة) وبرهانٌ على أن الاستنباط عملية عقلية كبرى لا يدركها القاصرون، إن احترام هذا التنوع يكسر حدة التشدد، ويؤكد أن الفتوى مرنة تتسع لمصالح الخلق، وأن النص النبوي أسمى من أن يُحتكر فهمه لصالح فئة تغلو في الدين وتفسد في الأرض.

الخلاصة

إن اختلاف الأئمة في التصحيح والتعليل هو (سياجٌ حامٍ) للدين من غلو المتطرفين وضيق أفق المفتونين بالرأي الواحد، السنة النبوية بحرٌ فياض، والاجتهاد فيها روحٌ متجددة تضمن بقاء الإسلام دينًا للعالمين، يجمع بين انضباط النص وسعة الفكر، بعيدًا عن مناهج الإقصاء والتبديع.

موضوعات ذات صلة

إن التطرف ليس تدينًا زائدًا، بل هو (خروجٌ عن التدين).

إنَّ الشريعةَ الغراء جاءت لتبنيَ الحضارة وتُزكي الوجدان.

إن السنة النبوية المشرفة هي الروح التي سرت في جسد الأمة صياغةً وتزكية.

موضوعات مختارة