وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن الخطر الأكبر للتطرف يكمن في (السطحية العقلية) التي تجتزئ النصوص من سياقها لتصنع منها (قنابل فكرية)، المتطرف يرى في السنة النبوية قائمة من (الممنوعات) و(المحرمات) فقط، متجاهلًا أن جوهر البعثة المحمدية هو (الرحمة المهداة)، إنهم يطرحون أحاديث الفضائل التي تُرطب القلوب -كما نبه السيوطي- لأن قلوبهم استمرأت القسوة، فلا يريدون صلةً بربٍّ رحيم، بل بـ(متخيَّلٍ) ينتقم ويبطش، إن عودة الأمة لمناهج الأقدمين في (الاستيعاب) هي الخطوة الأولى لفك ارتهان النص من يد الخاطفين، تطبيقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةࣰ لِّلۡعَٰلَمِینَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
يعيش المتطرف في سجن (الكلمة الواحدة)؛ فلا يدرك أن الفقه هو (فهم المآلات)، حين اختلف أهل الحديث وأهل الرأي في وقائع كـ(حديث المصراة)، كان اختلافهم (احتفاءً بالعقل) وبحثًا عن العدل، ولم يكن يومًا وسيلة لإقصاء الآخر، أما المتطرف فيجعل من مسائل (التصحيح والتضعيف) خنادق للقتال؛ فمن صحح ما ضَعَّفَه فهو ضال، ومن استنبط ما لا يراه فهو مُبتدع، هذه (العدمية الفكرية) تجعل الدين عبئًا على الحياة، بينما الشريعة في حقيقتها هي (بناءٌ وحضارة)، وجاءت لتعمر الأرض لا لتُحولها إلى قِفارٍ من الكراهية.
يتغذى التطرف على شعور (الاستعلاء بالإيمان)؛ حيث يتوهم الغالي أنه الوصي على الله في أرضه، وأنه وحده من يملك مفاتيح الجنة، هذا الفكر الإقصائي هو الذي هدم الأوطان ومزق النسيج المجتمعي، إن منهج الوسطية الأزهري يعلمنا أن (الحق موزّعٌ في الأمة)، وأن اختلاف الأئمة مثل الإمام الشافعي وأحمد وأبي حنيفة هو (تعدد مرايا) تعكس ضوء النبوة من زوايا مختلفة، إننا بحاجة إلى (أدب الاختلاف) الذي يرى في الآخر شريكًا في الفهم لا خصمًا في العقيدة، عملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: «إِن الرِّفْق لَا يكون فِي شَيْء إِلَّا زانه وَلَا ينْزع من شَيْء إِلَّا شانه» [رَوَاهُ مُسلم (٣)].
إن المعركة الحقيقية اليوم هي معركة (بناء الإنسان)؛ فالدين الذي لا يبني وطنًا ولا يغرس شجرًا ولا يحترم نفسًا هو دينٌ لم يفهمه أصحابه، إن منهجية الأئمة في قبول (الضعيف) في أبواب الخير كانت تهدف لصناعة (إنسانٍ رحيم)، متصلٍ بربه، نفعُه للناس يتجاوز حدود مذهبه، إن التطرف هو (ضد الحياة)، بينما الإسلام هو (عين الحياة)؛ وبالعلم المستنير الذي يفرق بين (الثابت) و(المتغير)، وبين (النص) و(الواقع)، نستطيع أن نئد الفتن في مهدها، ونعيد للإسلام وجهه المشرق الذي يسع العالمين برأفةٍ وحب.
إن التطرف هو (غربةٌ عن روح الوحي)، والوسطية هي العودة للموطن الأصلي للإسلام، إننا لا نحارب الغلو بمجرد النصوص، بل بـ(فهمٍ كلي) يجعل من العلم أمانًا، ومن الفقه ميزانًا، ومن الدين جمالًا، فالله يُعبد بالحب لا بالخوف، وبالبناء لا بالهدم، وبالوصل لا بالفصل، ليبقى الإنسان دائمًا هو محل التكريم الإلهي.
إنَّ الشريعةَ الغراء جاءت لتبنيَ الحضارة وتُزكي الوجدان، وإنَّ من أعظمِ البلاءِ مَسلكَ (النابتة) الذينَ ضيَّقوا واسعَ الرحمة.
إن السنة النبوية المشرفة هي الروح التي سرت في جسد الأمة صياغةً وتزكية.
إنَّ التَّقوقع داخل حدود الفن الواحد جنايةٌ معرفية تُورث العقل جمودًا.