السيدة خديجة بنت خويلد "سيدة نساء قريش" ووزير صدق للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث جمعت بين شرف النسب ونجاح التجارة ورجاحة العقل؛ لتكون أول من آمن بالدعوة الإسلامية، وأعظم سند مادي ومعنوي لسيدنا رسول صلى الله عليه وسلم في أحلك ظروف الحصار والبلاء.
السيدة خديجة بنت خويلد "سيدة نساء قريش" ووزير صدق للنبي صلى الله عليه وسلم، حيث جمعت بين شرف النسب ونجاح التجارة ورجاحة العقل؛ لتكون أول من آمن بالدعوة الإسلامية، وأعظم سند مادي ومعنوي لسيدنا رسول صلى الله عليه وسلم في أحلك ظروف الحصار والبلاء.
النسب الشريف: هي خديجة بنت خُويلد بن أسد بن عَبْد العُزَّى بن قُصَيّ بن كِلَاب بن مُرّةَ بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غَالِب بن فِهْر بن مالك بن النَّضر بن كِنَانة.
أمها:
قد اختلف المؤرخون حولها ومن جملة ما ذكر عنها:
قيل: فاطمة بنت زَائِدة بن الأصم بن هرم بن رواحة بن حُجْر بن عبد بن مَعِيص بن عامر.
وقيل: هالة بنت عَبْد مَنَاف بن الحارث بن منقذ بن عَمرو بن مَعِيص بن عامر بن لُؤيّ.
وقيل: قلابة بنت سُعَيد بن سَهْم بن عَمرو بن هُصيص بن كَعْب بن لُؤَيّ.
وقيل: عَاتِكَة بنت عَبْد العُزّى بن قصيّ بن كلاب بن مُرّةَ بن كَعْب بن لُؤَيّ.
وقيل: رَيْطَة بنت كعب بن سَعد بن تَيْم بن مُرّةَ بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب.
وقيل: نائلة بنت حُذافة بن جُمَح بن عمرو بن هُصيص بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب. [ابن سعد، الطبقات الكبرى، مكتبة الخانجي، القاهرة، ٢٠٠١م، ج١٠، ص ١٥].
لقبها في الجاهلية:
قال الزبير: كانت تدعى في الجاهلية الطاهرة ولقبت بـ (سيدة نساء قريش). [الاستيعاب في معرفة الأصحاب، ابن عبد البر، ج٤، ص١٨١٧، وانظر أيضًا السيرة النبوية لابن هشام، ج١، ص١٧١].
المرأة التاجرة:
كانت السيدةُ خديجةُ - كما يروي ابن الأثير وابن هشام [السيرة النبوية، ج١، ص١٨٧] - امرأةً تاجرةً ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، فلما بلغها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدق الحديث وعظم الأمانة وكرم الأخلاق أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرًا وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، ومعه غلامها ميسرة، وقد قبل سيدنا محمد - عليه الصلاة والسلام - هذا العرض فرحل إلى الشام عاملًا في مالها ومعه ميسرة، فحالفه التوفيق في هذه الرحلة أكثر من غيرها، وعاد إلى خديجة بأرباح مضاعفة، فأدى لها ما عليه في أمانة تامة ونبل عظيم، ووجد ميسرة من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وعظيم أخلاقه ما ملأ قلبه دهشة له، وإعجابًا به، فروى ذلك لخديجة. [البوطي، فقه السيرة، ص٥٢].
زواجها السابق:
وكانت السيدة خديجة بنت خُوَيْلِد - رضي الله عنها - قبل أن يتزوّجها أحد قد ذُكرت لورقة بن نوفل بن أسد بن عَبْد العُزّى بن قُصَيّ فلم يقض بينهما نكاح، فتزوّجها أَبُو هَالة، واسمه هِنْد بن النبّاش بن زُرَارة بن وَقْدان من بني تميم، وكان أَبُو هَالَة ذا شرف في قومه ونزل مكّة، فولدت خديجة لأبي هالة ولدين من الذكور هما هند وهالة، ثمّ خلف عليها بعد أبي هالة عَتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم؛ فولدت له جارية يقال لها هند، فتزوّجها صيفيّ بن أميّة بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وهو ابن عمّها، فولدت له محمّدًا، ويقال لبني محمّد هذا: بنو الطاهرة لمكان خديجة، وكان له بقيّة بالمدينة وعقب فانقرضوا، وكانت خديجة تدعى أمّ هند. [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج١٠، ص١٦].
رحلة الشام:
خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في تجارتها بصحبة غلامها "ميسرة"، فكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في عُلِّيَّة لها، رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بعيره وملكان يظلان عليه. [شرح الزرقاني على المواهب اللدنية، ج١، ص٣٧٢].
خِطبة النبي ﷺ:
وكانت السيدة خديجة - رضي الله عنها - امرأة حازمة شريفة لبيبة، مع ما أراد الله بها من كرامته.
فلما أخبرها ميسرة ما أخبرها بعثت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت له - فيما يزعمون: يا ابن عم إني قد رغبت فيك؛ لقرابتك، وسِطَتِك في قومك، وأمانتك، وحسن خلقك، وصدق حديثك، ثم عرضت عليه نفسها. [ابن إسحاق، السير والمغازي، دار الفكر،١٩٨٧م، ص ٨٢].
بناء البيت النبوي:
عرضت أم المؤمنين خديجة -رضي الله عنها- نفسها عليه - صلى الله عليه وسلم - زوجة بواسطة صديقتها (نفيسة بنت مُنْيَة)، فوافق النبي - عليه الصلاة والسلام - وكلم في ذلك أعمامه فخطبوها له من عمها عمرو بن أسد، وتزوجها - عليه الصلاة والسلام - وقد تمّ له من العمر خمسة وعشرون عامًا ولها من العمر أربعون. [فقه السيرة، البوطي، ص٥٢].
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عِشْرِينَ بَكْرَةً، وَكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتَّى مَاتَتْ -رضي الله عنها-. [السيرة النبوية، لابن هشام، ج١، ص١٩٠].
أولاد النبي ﷺ:
وَلَدت له قبل أن ينزل عليه الوحي ولده كلهم: زينب، وأم كلثوم، ورقية، وفاطمة، والقاسم، والطاهر والطيب، فأما القاسم، والطاهر والطيب فهلكوا قبل الإسلام، وبالقاسم كان يكنى صلى الله عليه وسلم، وأما بناته فأدركن الإسلام، وهاجرن معه، واتبعنه، وآمنَّ به عليه السلام. [ابن إسحاق، السير والمغازي، ص٨٢].
قال ابن هشام: أكبَرُهم القاسم، ثم الطَّيِّب، ثم الطاهر، وأكبر بناته رُقيَّة، ثم زينب، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة.
قال البيهقي عن الحاكم: قرأتُ بخطِّ أبي بكر بن أبي خَيْثَمة، حدَّثنا مُصْعَبُ بن عبد الله الزُّبيري قال: أكبر ولدِهِ عليه الصلاة والسلام القاسم، ثم زينب، ثم عبد الله، ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، ثم رقية، وكان أول من مات من ولده القاسم، ثم عبد الله، وبلغت خديجة خمسًا وستين سنة، ويقال: خمسين (وهو أصح). [البداية والنهاية، ابن كثير، ج٣، ص٨٧].
لحظة الوحي الأولى:
عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله عز وجل كرامته ورحمة العباد به ألا يرى شيئًا إلا جاءت كفَلَق الصبح، فمكث على ذلك ما شاء الله عز وجل أن يمكث، وحبب الله عز وجل إليه الخلوة، فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى حراء في كل عام شهرًا من السنة ينسك فيه. [ابن إسحاق، السير والمغازي، ص١٢١].
فكان يتحنَّث فيه حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني، فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني، فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ * خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ * ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ * ٱلَّذِی عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ * عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ﴾ [العلق: ١-٥]، فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده، ودخل على خديجة، وذكر الحديث في ذهابها إلى ورقة بن نوفل.[ابن الأثير، أسد الغابة،ج١، ص١٨].
تثبيت الفؤاد:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ ابْن أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، (وَكَانَ ابْنَ عَمِّهَا، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا قَدْ تَتَبَّعَ الْكُتُبَ، وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النَّاسِ) مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّاهِبِ، وَمَا كَانَ يَرَى مِنْهُ إذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلَّانِهِ، فَقَالَ وَرَقَةُ: لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقًّا يَا خَدِيجَةُ، إنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ نَبِيٌّ يُنْتَظَرُ، هَذَا زَمَانُهُ، أَوْ كَمَا قَالَ.[السيرة النبوية، ابن هشام، ج١، ص١٩١].
الإسلام المبكر:
هي أول من آمن بالله ورسوله من البشر مطلقًا، وصفتها كتب السير بأنها كانت "الوزير الصادق" للنبي صلى الله عليه وسلم، عن قتادة قال: أول من آمن بالله ورسوله خديجة بنت خويلد زوجته.
قال زهير: وأنبأنا هشام بن عروة، عن أبيه قال: أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال والنساء خديجة بنت خويلد.
عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ أَرْبَعٌ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَابْنَةُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ».
عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ».
عن ابن عباس، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأرض أربعة خطوط، ثم قال: أتدرون ما هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَرْبَعٌ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ». [ابن عبد البر، الاستيعاب، ج٤، ص١٨٢٢].
الدفاع عن الدعوة:
إن خبر نبوّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقُرب مبعثه لم يكن مفاجئًا للسيدة خديجة رضوان الله عليها، فقد أعدّت له العُدة، وهيأها الله لتكون السند الأول للنبي المختار عليه الصلاة والسلام؛ فلم تنزعج مما أخبرها به، ولم تغضب مما حكاه لها، بل طمأنته على الفور، وثبّتته في لحظته، وأكّدت له أنه أهل لأن يرعاه الله، ومن تمام حكمتها وكمال عقلها أن استنتجت أن المُتَّصِف بتلك الأخلاق العالية، والشيم النبيلة، والصفات الطيّبة، لا يمكن أن يخزيَه الله أبدًا، ولا أن يتخلى عنه قط!
إنّ من فضائل أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها التي تُحفظ لها ولم يسبقها أحد في ذلك، أنها أول من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدَّقه، قبل أن يدعوها إلى الإسلام، بل بفطرتها السليمة، وبهداية الله السابقة، وبذلت في سبيل نصرة رسول الله كل غال ونفيس على مَرّ عمرها، قال ابن هشام: “وآمنت به خديجة بنت خويلد، وصدّقت بما جاءه من الله ووازرته على أمره، وكانت أول من آمن بالله وبرسوله، وصدق بما جاء منه، فخفّف الله بذلك على نبيه صلى الله عليه وسلم، لا يسمع شيئًا مما يكرهه من ردٍّ عليه وتكذيبٍ له، فيحزنُه ذلك، إلا فرَّج الله عنه بها إذا رجع إليها، تُثبته وتُخفِّف عليه، وتصدِّقه وتهوِّن عليه أمر الناس. [ابن إسحاق، السير والمغازي، ص١٣٢، وانظر ابن هشام، السيرة النبوية، ج١، ص٢٢٤].
حصار شِعب أبي طالب:
ثم جاءت لحظة الشّدة، لحظة الحِصار الظالم، والمقاطعة الجائرة، حين قرر أكابرُ مجرمي قريش، والفئةُ الباغية في مكة مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب؛ لإجبارهم على تسليم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إسكاته إلى الأبد، تقول الدكتور عائشة عبد الرحمن(بنت الشاطئ): “ووقفت زوجه المحبة المؤمنة إلى جانبه، تنصره وتشدُّ أزره، وتعينه على أقسى ضروب الأذى والاضطهاد سنين عددًا، فلما قضي على بني هاشم وعبد المطلب أن يخرجوا من مكة لائذين بشعب أبي طالب بعد أن أعلنت عليهم قريش حربا مدنية لا تَرحم، وسجّلت مقاطعتها لهم في صحيفة علقت في جوف الكعبة، لم تتردد خديجة في الخروج مع زوجها، وهكذا تخلت عن دارها الحبيبة، مَغنى صباها، ومجمع هواها، ومثابة ذكرياتها، وقامت تتبع رجلها ونبيّها وقد علت بها السن، وناءت بأثقال الشيخوخة، والثكل والاضطهاد، وأقامت هنالك في شعب أبي طالب ثلاث سنين، صابرة مع الرسول ومن معه من صحبه وقومه، على عنت الحصار المنهِك، وجبروت الوثنية الراسخة العاتية العمياء. [عائشة عبد الرحمن، نساء النبي، دار الكتاب العربي، ص٤٨]
التبشير بالجنة:
عن عبد الله بن أبي أوفى، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَتَانِي آتٍ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يُبَشِّرُ خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ».
وعن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما غِرْتُ على امرأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة مما كنت أسمع من ذكره لها، وما تزوجني إلا بعد موتها بثلاث سنين، ولقد أمر ربه أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب لا نصب ولا صخب".
حدثنا أبو نَجِيح أبو عبد الله بن أبي نجيح قال: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزُورٌ أَوْ لَحْمٌ، فَأَخَذَ عَظْمًا مِنْهَا فَنَاوَلَهُ الرَّسُولَ بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ: اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى فُلَانَةَ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: لِمَ غَمَرْتَ يَدَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ خَدِيجَةَ أَوْصَتْنِي بِهَا»، فَغَارَتْ عَائِشَةُ، وَقَالَتْ: لَكَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَرْضِ امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ! فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا، فَلَبِثَ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ رَجَعَ فَإِذَا أُمُّ رُومَانَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ وَلِعَائِشَةَ إِنَّهَا حَدَثٌ، وَأَنْتَ أَحَقُّ مَنْ تَجَاوَزَ عَنْهَا، فَأَخَذَ بِشِدْقِ عَائِشَةَ وَقَالَ: «أَلَسْتِ الْقَائِلَةَ كَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْأَرْضِ امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ؟! وَاللهِ لَقَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ قَوْمُكِ، وَرُزِقْتُ مِنِّي الْوَلَدَ وَحُرِمْتُمُوهُ».
عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خَيْرُ بَنَاتِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ». [السير والمغازي، ابن إسحاق، ج٥، ص٢٤٤]
المرض والوفاة:
قال ابن سعد: أخبرنا محمد بن عمر، عن محمد بن صالح وعبد الرحمن بن عبد العزيز قالا: توفيت خديجة لعشر خلون من شهر رمضان، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين، وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة.
أخبرنا محمد بن عمر، حدثني معمر بن راشد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: توفيت خديجة قبل أن تُفرض الصلاة، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين.
عن أبي حبيبة مولى الزبير قال: سمعت حكيم بن حزام يقول: توفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان سنة عشر من النبوة، وهي يومئذ بنت خمس وستين سنة، فخرجنا بها من منزلها حتى دفناها بالحَجُون، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرتها، ولم تكن يومئذ سنة الجنازة الصلاة عليها، قيل: ومتى ذلك يا أبا خالد؟ قال: قبل الهجرة بسنوات ثلاث أو نحوها، وبعد خروج بني هاشم من الشِّعب بيسير، قال: وكانت أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأولاده كلهم منها غير إبراهيم ابن مارية، وكانت تكنى أم هند بولدها من زوجها أبي هالة التميمي. [ابن سعد الطبقات الكبرى، ج٨، ص١٨- ١٩].
فقد توفيت رضي الله عنها في مكة قبل الهجرة بثلاث سنين (عام ٦١٩ م تقريبًا)، بعد انتهاء الحصار بفترة وجيزة.
عام الحزن:
تسمية العام الذي توفيت فيه هي وعم النبي "أبو طالب" بهذا الاسم؛ لشدة تأثر النبي بفراقهما، توفيت خديجة رضي الله عنها وأبو طالب في عام واحد لسنة ست من الوحي، فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك العام عام الحزن. [ربيع الأبرار ونصوص الأخيار، للزمخشري، ج١، ص٦٢]
قال البيهقي: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِ تُرَابًا؛ فَرَجَعَ إِلَى بَيْتِهِ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِهِ تَمْسَحُ عَنْ وَجْهِهِ التُّرَابَ وَتَبْكِي، قَالَ: فَجَعَلَ يَقُولُ: «أَيْ بُنَيَّةُ لَا تَبْكِيَنَّ فَإِنَّ اللهَ عز وجل مَانِعٌ أَبَاكِ»، وَيَقُولُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ: «مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مات أبو طالب».
حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: "ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ مَاتَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم الْمَصَائِبُ بِهَلَاكِ خَدِيجَةِ وَأَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ وَزِيرَةَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، كَانَ يَسْكُنُ إِلَيْهَا"، قُلْتُ: "وَبَلَغَنِي أَنَّ مَوْتَ خَدِيجَةَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَاللهُ أَعْلَمُ"، وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ "أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنَ الشِّعْبِ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَفِي هَذِهِ السَّنَةِ تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ وَأَبُو طَالِبٍ، بَيْنَهُمَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ لَيْلَةً، الْمُتَقَدِّمَةُ خَدِيجَةُ". [دلائل النبوة للبيهقي، ج٢، ص٣٥٣-٣٥٤].
قال البخاري: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزَوَانَ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: "أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ - أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ - فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ، فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامُ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ"، وقد رواه مسلم من حديث محمد بن فضيل به.
قال السُّهَيلي: وإنما بشرها ببيت في الجنة من قصب - يعني: قصب اللؤلؤ؛ لأنها حازت قصب السبق إلى الإيمان، ولا صخب فيه ولا نصب؛ لأنها لم ترفع صوتها على النبي صلى الله عليه وسلم، ولم تتعبه يوما من الدهر، فلم تصخب عليه يوما، ولا آذته أبدًا. [ابن كثير، البداية والنهاية، ج٤، ص٣١٧].
وقد قيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج على خديجة حتى ماتت. [ابن حبان، السيرة النبوية، ج١، ص٧١].
كانت حياة سيدتنا خديجة بنت خُويلد أم المؤمنين - رضي الله عنها - حافلة بالتضحية والثبات، تاركةً خلفها إرثًا من الوفاء النبوي الذي خلّد ذكراها في (عام الحزن) لتبقى نموذجًا فريدًا للمرأة المؤمنة التي بشرها الله ببيت في الجنة؛ جزاءً لإيمانها المبكر، ودفاعها المستميت عن الإسلام.
زوجات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهن يحملن هذا اللقب تكريمًا لهن ومكانتهن في الإسلام.
بَضْعَة سيدنا رسول الله ﷺ وسيدة نساء العالمين، والجهة المصطفوية الطاهرة، وُلدت قبل البَعثة وتزوجت من الإمام علي بن أبي طالب.
الصديقة بنت الصديق، زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أم المؤمنين، وكانت تكنى بأم عبد الله.