وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يقول أصحاب هذه الشبهة: إن في القرآن مواضع كثيرة تشبه ما ورد في التوراة والإنجيل، ولاسيما في القصص وبعض التشريعات، ومن أبرز صور هذا التشابه: قصة يوسف مع امرأة العزيز، وقصة هابيل وقابيل ابني آدم، وأحكام المحرمات من النساء، وبشارة زكريا بيحيى عليه السلام، ويزعم هؤلاء أن هذا التشابه دليل قاطع على أن القرآن مقتبس من تلك الكتب، وليس وحيًا مستقلاً من عند الله.
إن مجرد وجود تشابه بين كتابين لا يعني بالضرورة الاقتباس، بل لا بد من تحقيق شروط الاقتباس المنطقية، وأهم هذه الشروط: أن يكون النص اللاحق تابعًا للنص السابق غير زائد عليه، ومقيدًا بما فيه، فإذا ثبت أن النص اللاحق يزيد على السابق، أو يصحح أخطاءه، أو يعرض الوقائع عرضًا مختلفًا، فإن دعوى الاقتباس تسقط، خاصة وقد علمت أمية صاحب القرآن صلى الله عليه وسلم، وإن مجرد وجود أصل القصة أو الحكم وارد لأن القرآن وحي من الله تعالى، وكذا التوراة والإنجيل في أصلهما بيد أنهما قد لحقهما التبديل والتغيير.
لعملية الاقتباس ثلاثة أركان: الشخص المقتبَس منه، والشخص المقتبِس، والمادة المقتبسة، وشرط صحة دعوى الاقتباس أن يكون المقتبس دائِرًا في فلك المقتبس منه، آخِذًا الفكرة كلها بلفظها ومعناها أو بمعناها فقط، مع عدم الزيادة عليها أو مخالفتها.
أما إذا كان النص اللاحق يزيد على السابق، أو يصحح أخطاءه، أو يعرض الوقائع عرضًا مختلفًا، أو ينفرد بذكر مادة خاصة به، فإن دعوى الاقتباس لا تصح.
أولًا: قصة يوسف مع امرأة العزيز
جاء في التوراة: "وحدث بعد هذه الأمور أن امرأة سيده رفعت عينها إلى يوسف وقالت: اضطجع معي، فأبى... فأمسكته بثوبه قائلة اضطجع معي فترك ثوبه في يدها وخرج... فلما سمع سيده كلام امرأته حمي غضبه، فأخذ يوسف ووضعه في بيت السجن". [سفر التكوين ٣٩: ٧-١٩] [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
وجاء في القرآن الكريم، قال تعالى:﴿وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِی هُوَ فِی بَیۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَیۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّیۤ أَحۡسَنَ مَثۡوَایَۖ إِنَّهُۥ لَا یُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ * وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَاۤ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوۤءَ وَٱلۡفَحۡشَاۤءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ * وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِیصَهُۥ مِن دُبُرࣲ وَأَلۡفَیَا سَیِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَاۤءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوۤءًا إِلَّاۤ أَن یُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ * قَالَ هِیَ رَٰوَدَتۡنِی عَن نَّفۡسِیۚ وَشَهِدَ شَاهِدࣱ مِّنۡ أَهۡلِهَاۤ إِن كَانَ قَمِیصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلࣲ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِینَ * وَإِن كَانَ قَمِیصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرࣲ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِینَ * فَلَمَّا رَءَا قَمِیصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرࣲ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَیۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَیۡدَكُنَّ عَظِیمࣱ﴾ [يوسف: ٢٣-٢٨].
والفروق بين المصدرين جوهرية: فالتوراة تخلو من تغليق الأبواب، وتقول إن يوسف ترك ثوبه كاملًا وهرب، ولم يكن موجودًا عند مجيء العزيز، كما تخلو من حديث الشاهد والنسوة.
أما القرآن الكريم فيذكر تغليق الأبواب، وأن يوسف لم يترك ثوبه بل قُدَّ من الخلف، وكان موجودًا ودافع عن نفسه، ويسجل شهادة الشاهد وحديث النسوة. [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
وهذا يعني أن القرآن قد صحح خطأ التوراة؛ لأن رواية التوراة تُدين يوسف ضمنًا، إذ لا يخلع الرجل ثوبه سليمًا إلا إذا كان هو الراغب، أما رواية القرآن فتبرئه تمامًا. [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
ثانيًا: قصة ابني آدم
جاء في التوراة: "وقرَّب قابيل من أثمار الأرض قربانًا... وقرَّب هابيل من أبكار غنمه... فاغتاظ قابيل... وقال الرب: أين هابيل أخوك؟ قال: لا أعلم، أحارس أنا لأخي؟ ... فقال الرب: صوت دم أخيك صارخ إليَّ من الأرض" [سفر التكوين ٤: ٣-١٦] [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
وجاء في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَٱتۡلُ عَلَیۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَیۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانࣰا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ یُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡءَاخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا یَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِینَ * لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَیَّ یَدَكَ لِتَقۡتُلَنِی مَاۤ أَنَا۠ بِبَاسِطࣲ یَدِیَ إِلَیۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّیۤ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِینَ * إِنِّیۤ أُرِیدُ أَن تَبُوۤأَ بِإِثۡمِی وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰۤؤُا۟ ٱلظَّٰلِمِینَ * فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِیهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِینَ * فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابࣰا یَبۡحَثُ فِی ٱلۡأَرۡضِ لِیُرِیَهُۥ كَیۡفَ یُوَٰرِی سَوۡءَةَ أَخِیهِۚ قَالَ یَٰوَیۡلَتَىٰۤ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِیَ سَوۡءَةَ أَخِیۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِینَ﴾ [المائدة: ٢٧-٣١].
فالتوراة تخلو من الحوار بين الأخوين، وتخلو من قصة الغراب، وتنسب الندم إلى خوف قابيل من العقاب لا إلى شناعة الذنب، أما القرآن الكريم فيذكر حوارًا طويلاً وقصة الغراب ويبني على القصة تشريعًا عظيمًا. [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
ثالثًا: المحرمات من النساء
جاء في التوراة: "عورة أبيك وعورة أمك لا تكشف... عورة امرأة أخيك لا تكشف... ولا تأخذ امرأة على أختها للضر". [سفر اللاويين ١٨: ٧-١٨] [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
وجاء في القرآن الكريم:﴿حُرِّمَتۡ عَلَیۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِیۤ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَاۤئِكُمۡ وَرَبَٰۤئِبُكُمُ ٱلَّٰتِی فِی حُجُورِكُم مِّن نِّسَاۤئِكُمُ ٱلَّٰتِی دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُوا۟ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ وَحَلَٰۤئِلُ أَبۡنَاۤئِكُمُ ٱلَّذِینَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُوا۟ بَیۡنَ ٱلۡأُخۡتَیۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾[النساء: ٢٣]
فالتوراة لا تذكر التحريم بالرضاعة، وتحرم نكاح امرأة الأخ مطلقًا، ولا تذكر حرمة المتزوجات، أما القرآن الكريم فيثبت التحريم بالرضاعة، ويحرم نكاح المتزوجات، ويفصل في أحكام الزواج بدقة [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
رابعًا: بشارة زكريا بيحيى عليهما السلام
جاء في إنجيل لوقا: "فظهر له ملاك الرب... فقال: لا تخف يا زكريا... امرأتك ستلد لك ولدًا... وها أنت تكون صامتًا ولا تقدر أن تتكلم لأنك لم تصدق كلامي" [لوقا ١: ٥-٢٢] [ينظر شبهات المشككين].
وجاء في القرآن الكريم: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِیَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِی مِن لَّدُنكَ ذُرِّیَّةࣰ طَیِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِیعُ ٱلدُّعَاۤءِ * فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ وَهُوَ قَاۤئِمࣱ یُصَلِّی فِی ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ یُبَشِّرُكَ بِیَحۡیَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَیِّدࣰا وَحَصُورࣰا وَنَبِیࣰّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِینَ* قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی غُلَٰمࣱ وَقَدۡ بَلَغَنِیَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِی عَاقِرࣱۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ یَفۡعَلُ مَا یَشَاۤءُ * قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّیۤ ءَایَةࣰۖ قَالَ ءَایَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَیَّامٍ إِلَّا رَمۡزࣰاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِیرࣰا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِیِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ﴾ [آل عمران: ٣٨-٤١]
فالقرآن يصحح ثلاثة أخطاء في النص الإنجيلي:
أولاً: جعل الصمت عقوبة بينما القرآن يجعله آية طلبها زكريا.
ثانيًا: جعل البشارة على لسان ملاك واحد بينما القرآن يجعلها على لسان الملائكة.
ثالثًا: جعل التسمية من اختيار زكريا بينما القرآن يجعلها من وحي الله [ينظر شبهات المشككين لمجموعة من العلماء ط المجلس الأعلى].
يؤكد الحديث النبوي الشريف هذه الحقيقة، فعن سيدنا ابن عمر رضي الله عنهما عن سيدنا النبي ﷺ أنه قال: «إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذا وهَكَذا"– يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين. [رواه البخاري: ١٨١٤، ومسلم: ١٠٨٠].
ويؤكد القرآن الكريم ذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡكَ رُوحࣰا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِی مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِیمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورࣰا نَّهۡدِی بِهِۦ مَن نَّشَاۤءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِیۤ إِلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [الشورى: ٥٢]
ويصف ابن خلدون الحالة المعرفية في الجزيرة قبيل البعثة قائلاً: "إن الكتابة في العرب كانت أعز من بيض الأَنُوق، وإن أكثرهم كانوا أميين" [المقدمة لابن خلدون، فصل: في أن الكتابة في العرب كانت أعز من بيض الأنوق]، وكتب السير تؤكد أن النبي ﷺ لم يباشر الكتابة بنفسه، بل كان له كتاب للوحي.
فكيف يُتصور أن يقتبس رجل أمي، في بيئة لا كتابة فيها، من كتب لم تكن مترجمة إلى لغته، ولم يكن يعرف العبرية أو اليونانية؟ هذا الادعاء يخالف العقل والنقل والتاريخ.
تبين مما سبق أن القرآن ليس مقتبسًا من التوراة والإنجيل، بل هو وحي إلهي مستقل، زاد على الكتب السابقة وأضاف جديدًا، وصحح أخطاءها، وعرض الوقائع عرضًا أمينًا كاملًا، وعلاقته بها هي علاقة "الهيمنة" كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ﴾ [المائدة: ٤٨]، ودعوى الاقتباس لا تصح علميًّا ولا منطقيًّا، وأمية النبي ﷺ وحدها كافية لإسقاطها، ولا يعني وجود أصل القصة أو الحكم النقل أو الاقتباس فإن الإسلام يقول بأن المصدر هو الوحي، وهو واحد في الأصل، بيد إن التوراة والإنجيل طرأ عليهما التبديل والتغيير.
القرآن الكريم، كلام الله المعجز المنزل على سيدنا محمد ﷺ، هو هداية شاملة للبشرية ومعجزة خالدة تثبت صدق الرسالة.
يزعمُ بعضُ الحاقدين أنّ موتَ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم متأثرًا بالسمّ الذي قدمته له امرأة يهوديّة يعد عيبًا ونقصًا
يزعم البعض أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا بشكل مطلق، ويستدلون على ذلك بما ورد في سورتي عبس والتحريم
كلمة الوحي في اللغة تعني: السرعة والخفاء، أي: الإعلام السريع الخفي. والوحي أمر مهم وجوهري في النبوات والأديان.
يُعدّ الاقتباس من القرآن الكريم ظاهرة بلاغية وأدبية أثارت اهتمام العلماء والكتّاب على مرّ العصور.