بينما يروجُ البعضُ لـ رواياتٍ باطلةٍ تزعمُ تدخلَ الشيطانِ في الوحيِ المحمديِّ، فإن هذه الشبهات تستدعي التفكيكَ العلميَّ والعقليَّ لبيانِ تهافتِهَا، وإثباتِ عصمةِ النبيِّ ﷺ المطلقةِ.
بينما يروجُ البعضُ لـ رواياتٍ باطلةٍ تزعمُ تدخلَ الشيطانِ في الوحيِ المحمديِّ، فإن هذه الشبهات تستدعي التفكيكَ العلميَّ والعقليَّ لبيانِ تهافتِهَا، وإثباتِ عصمةِ النبيِّ ﷺ المطلقةِ.
يدَّعي المشككونَ أنَّ الشيطانَ استطاعَ أن يوحيَ إلى النبيِّ ﷺ بكلماتٍ شركيةٍ أثناءَ قراءتِهِ لسورةِ النجمِ، وذلكَ فيما عُرفَ تاريخيًّا بـ"قصةِ الغرانيقِ"، إذ يزعمونَ أنَّهُ ﷺ حينَ وصلَ إلى قولِهِ تعالى: ﴿أَفَرَءَیۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ﴾ [النجم: ١٩] ألقى الشيطانُ على لسانِهِ عبارةً: "تلكَ الغرانيقُ العلا، وإنَّ شفاعتَهُنَّ لَتُرْتَجَى"، مما جعلَ المشركينَ يسجدونَ معهُ ظنًّا منهم أنَّهُ مدحَ آلهتَهُم، مستندينَ في ذلكَ إلى فهمٍ مغلوطٍ لقولِهِ تعالى في سورةِ الحجِّ: ﴿إِلَّاۤ إِذَا تَمَنَّىٰۤ أَلۡقَى ٱلشَّیۡطَٰنُ فِیۤ أُمۡنِیَّتِهِۦ﴾ [الحج: ٥٢] مدَّعينَ أنَّ هذهِ الآيةَ جاءت لتبريرِ هذا "التدخلِ الشيطانيِّ" المزعومِ في القرآنِ الكريمِ.
إن قصةَ الغرانيقِ باطلةٌ سندًا ومتنًا ولم تثبت في أيٍّ من دواوينِ السنةِ الصحيحةِ، بل هي رواياتٌ مرسلةٌ وضعيفةٌ بإجماعِ المحققينَ كابنِ كثيرٍ والبيهقيِّ، كما أنه من الناحيةِ العقليةِ يستحيلُ أن يمدحَ النبيُّ ﷺ الأصنامَ التي جاءَ لهدمِهَا وهو المعصومُ في تبليغِ الوحيِ بنصِّ القرآنِ ﴿وَمَا یَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰۤ﴾ [النجم: ٣]، وأمَّا سجودُ المشركينَ فقد كانَ لرهبةِ القرآنِ وقوةِ تأثيرِهِ لا لمدحِ آلهتِهِم، فضلًا عن أن تفسيرَ آيةِ الحجِّ يتعلقُ بوساوسِ الشيطانِ في نفوسِ السامعينَ لصدِّهِم عن الحقِّ لا بتغييرِ ألفاظِ الوحيِ المعصومِ.
للردِّ على هذهِ الشبهةِ بشكلٍ جذريٍّ ومفحمٍ، يجبُ تناولُهَا من ثلاثةِ جوانبَ رئيسيةٍ مترابطة:
أولًا: النقدُ الحديثيُّ (السَّنَد):
تُعد قصةُ الغرانيقِ ساقطةً من الناحيةِ الإسناديةِ، حيث لم يروهَا أيٌّ من أصحابِ الكتبِ الستةِ المعتمدةِ بإسنادٍ متصلٍ صحيحٍ، وقد نصَّ كبارُ المحدثينَ مثلُ الإمامِ البيهقيِّ والقاضي عياضٍ وابنِ كثيرٍ على أنَّهَا "من طرقٍ كثيرةٍ مرسلةٍ" ليسَ فيها حديثٌ واحدٌ صحيحٌ، ولا يُعتدُّ بالرواياتِ الضعيفةِ في بناءِ العقائدِ أو الطعنِ في الثوابتِ، لا سيما وأن ما ثبتَ في صحيحِ البخاريِّ هو سجودُ المشركينَ عندَ سماعِ سورةِ النجمِ لشدةِ وقعِ آياتِهَا القاهرةِ دونَ أيِّ ذكرٍ لتلكَ الزيادةِ الشركيةِ المزعومةِ.
ثانيًا: النقدُ القرآنيُّ (المتنُ):
ينفي القرآنُ الكريمُ هذهِ الفريةَ من جذورِهَا في مواضعَ متعددةٍ، ففي السورةِ نفسِهَا تضمنت سورةُ النجمِ ذمًّا صريحًا للأصنامِ في الآياتِ اللاحقةِ مباشرةً: ﴿إِنۡ هِیَ إِلَّاۤ أَسۡمَاۤءࣱ سَمَّیۡتُمُوهَاۤ أَنتُمۡ وَءَابَاۤؤُكُم﴾ [النجم: ٢٣]، فكيفَ يستقيمُ عقلًا أن يمدحَ النبيُّ آلهتَهُم ثم يذمَّهَا في نفسِ السياقِ، وهذا تناقضٌ صارخٌ يستحيلُ صدورُهُ من عاقلٍ فضلًا عن نبيٍّ، إضافة إلى آياتِ العصمةِ التي تكَفلَ اللهُ فيها بحفظِ الوحيِ ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وتوعدَ النبيَّ بالهلاكِ لو غيَّرَ حرفًا واحدًا ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَیۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِیلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡیَمِینِ * ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِینَ﴾ [الحاقة: ٤٤، ٤٦]، مما يعني أن قبولَ قصةِ الغرانيقِ يستلزم تكذيبَ هذهِ الآياتِ المحكمةِ.
ومنها هنا نقول: إن قصة الغرانيق ساقطة من حيث ثبوتها، فقد قال القاضي عياض في بيان وهنها: "لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ وَلَا رَوَاهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ" [الشفاء ٢ /٢٩٣]، وهو ما قرره الإمام البيهقي بقوله: "هَذِه الْقِصَّة غير ثَابِتَة من جِهَة النَّقْل" [الفتح السماوي للمناوي ٢ /٨٤٢]. كما نص الحافظ ابن كثير على اضطراب طرقها قائلًا: "كُلُّها مُرْسَلَةٌ، ولم أَرَها مُسنَدَةً مِن وجْهٍ صَحيحٍ" [تفسير ابن كثير ٥ / ٤٤١].
ثالثًا: النقدُ العقليُّ (المنطقُ):
يستحيل عقلًا وقوع هذا المدح؛ لأن بعثةَ النبيِّ ﷺ قامت أساسًا على "لا إلهَ إلا اللهُ" ونفيِ الشركِ، فكيفَ يُعقلُ أن يهدمَ أساسَ دعوتِهِ بمدحِ "الغرانيقِ" (الأصنامِ)، وهو فعلٌ لا يصدرُ إلا عن كافرٍ بمبادئِهِ وحاشاهُ ﷺ، علاوة على أن القول بجواز تدخل الشيطانِ في الوحيِ ولو للحظةٍ يؤدي لارتفاع الثقةِ عن الشريعةِ كلِّهَا، ولما عرفنَا الحقَّ من الباطلِ، وهذا يهدمُ الغايةَ من الرسالةِ السماويةِ.
رابعًا: التفسيرُ الصحيحُ لآيةِ الحجِّ:
إن قولَهُ تعالى: ﴿إِلَّاۤ إِذَا تَمَنَّىٰۤ أَلۡقَى ٱلشَّیۡطَٰنُ فِیۤ أُمۡنِیَّتِهِۦ﴾ [الحج: ٥٢]، لا يعني إلقاءَ كلامٍ على لسانِ النبيِّ، بل يعني أنَّ الشيطانَ يلقي الشبهاتِ والوساوسَ في صدورِ الكفارِ ليفسدَ عليهم فهمَ ما يتلوهُ النبيُّ (أمنيتُهُ أي تلاوتُهُ)، أو يلقي العراقيلَ في طريقِ تحقيقِ "أمنيتِهِ" بانتشارِ الدينِ، فينسخُ اللهُ كيدَ الشيطانِ ويحكمُ آياتِهِ بالنصرِ والتمكينِ.
صفوة القول أنَّ فريةَ "الغرانيقِ" أكذوبةٌ تاريخيةٌ تهاوت أمامَ النقدِ العلميِّ الحديثيِّ والقرآنيِّ والعقليِّ؛ إذ هي تتناقضُ مع عصمةِ النبيِّ ﷺ وتتعارضُ مع سياقِ الآياتِ التي ذمَّتِ الأصنامَ وتتصادمُ مع وعدِ اللهِ بحفظِ الذِّكرِ، فما سجودُ المشركينَ إلا خضوعٌ لسطوةِ القرآنِ وليسَ إقرارًا بمدحِ آلهتِهِم، والحقُّ أبلجُ والباطلُ لجلجٌ.
يزعم البعض أن النبي ﷺ لم يكن معصومًا بشكل مطلق، ويستدلون على ذلك بما ورد في سورتي عبس والتحريم، حيث عاتبه الله تعالى فيهما على اجتهاداته التي لم تصب الصواب، على حد زعمهم.
يزعم البعض أنّ القرآنَ ليس وحيًا؛ لأنه نزل على مدى ثلاثةٍ وعشرين عامًا،
يردّ بعض المشككين على فكرة وجود النسخ في القرآن، مدّعين أنه يتعارض مع كمال الله، وكأنه -سبحانه- يغيّر رأيه.
يطعن بعض المشككين في حجية الصحيحين، متسائلين عن كيفية حصول إجماع الأمة على صحتهما
العصمة في الإسلام تعني الحفظ والمنع من الوقوع في المعصية