أولاً: "طوى"
اسم علم لوادٍ مقدس في سيناء عند المفسرين
لقد فسر جمهور المفسرين
"طوى" بأنه اسم علم للوادي الذي كلم الله فيه موسى عليه السلام، قال
الإمام الطبري رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات:
١٦]، "طوى: اسم الوادي، وهو وادٍ بين مدين ومصر، قيل: هو وادٍ مقدس مرتين:
مرة إذ جعله الله مطهرًا، ومرة إذ كلم عليه موسى" [جامع البيان، جـ٢٤، صـ٢٨]،
فالإمام الطبري يقرر أن "طوى" اسم علم وليس صفة، ويحدد موقعه بين مدين
ومصر، أي في أرض سيناء.
ثانياً: تأكيد
الإمام ابن عاشور أن الوادي بأرض سيناء
قال الإمام ابن عاشور رحمه الله
في تفسير سورة النازعات: "وطوى: اسم مكان، ولعله هو نوع من الأودية يشبه
البئر المطوية، وقد سمي مكان بظاهر مكة ذا طوى... وهذا واد في جانب جبل الطور في
برية سينا في جانبه الغربي" [التحرير والتنوير، جـ٣٠، صـ٧٥]؛ فالإمام ابن
عاشور يحدد موقع الوادي بدقة: في جانب جبل الطور في برية سينا.
ثالثاً: الاحتمال
اللغوي الآخر (أن "طوى" صفة وليس اسمًا)
ذكر بعض المفسرين أن
"طوى" قد يكون مصدرًا بمعنى "مطوي" أي مبارك، أو أنه من
"طوى" بمعنى قطع الأرض، قال الإمام القرطبي: "وطوى: اسم الوادي،
وقيل: هو مأخوذ من الطي، أي أنه أرض مطوية بالبركة" [الجامع لأحكام القرآن،
جـ١١، صـ١٧٨]، والمعنى: أن الوادي المقدس الذي باركه الله؛ وعلى هذا فلا إشكال،
لأن الله وصف الوادي بأنه "طوى" أي مطوي بالبركة والتقديس.
رابعاً: الرد
على إنكار وجود وادي طوى
أن يقول قائل: "لا يوجد وادٍ
اسمه طوى في خرائط سيناء اليوم"، فهذا ليس دليلاً على عدم وجوده في الماضي؛
فالأسماء الجغرافية تتغير بمرور الزمن، وقد اندثر اسم "طوى" أو تغير إلى
اسم آخر، والعلماء الذين حددوا موقعه بين مدين ومصر وفي جانب جبل الطور هم ثقات
أهل اختصاص، وهم أقرب إلى زمن النبوة، فخبرهم مقدم على الإنكار الحديث.
كما أن الرواية التوراتية نفسها
تشير إلى وجود جبل الله حوريب في أرض مدين حيث تجلى الله لموسى (سفر الخروج،
الإصحاح ٣)، وهذا الموقع هو نفسه وادي طوى أو قريب منه، فالمعترض لا ينكر وجود
الوادي في التوراة، لكنه ينكره في القرآن، وهذا تناقض.
خامساً: الطي
في السماء والأرض كناية عن القدرة لا صلة له بالوادي
ما ذكره المعترض من أن
"طوى" في الآية بمعنى مطوي بقدرة الله، كما في قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:
٦٧]، وقوله: ﴿يَوْمَ
نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء:
١٠٤]، هذا فهم خاطئ، فالطي في تلك الآيات متعلق بالسماء يوم القيامة، أما
"طوى" في آية سورة طه فهو اسم علم لوادٍ، بدليل اقترانه بأل التعريف في
قوله "بالواد المقدس"، ولو كان صفة لقال "بطوى"، لكنه قال
"طوى" منصوبة على البدلية أو النداء، وجمهور المفسرين على أنه اسم علم، فالتفريق
بين الموضعين واجب، ولا يصح الخلط بين السياقين.