يُعد الدعاء وسؤال الله تعالى من أجلِّ العبادات وأحبها إلى الله، وقد اتفق العلماء على استحبابه لورود النصوص الشرعية المؤكدة على فضله كسببٍ رئيسٍ لجلب الخير ودفع السوء.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يُعد الدعاء وسؤال الله تعالى من أجلِّ العبادات وأحبها إلى الله، وقد اتفق العلماء على استحبابه لورود النصوص الشرعية المؤكدة على فضله كسببٍ رئيسٍ لجلب الخير ودفع السوء.
تنشأ شبهة المعترضين بناءً على ظاهر بعض النصوص الشرعية، كقوله ﷺ: «لا يردُّ القضاءَ إلا الدعاءُ»، حيث يتساءلون: كيف يمكن للدعاء أن "يرد" أو يغير القضاء وقد قُدِّر كل شيء سلفًا؟ فهم يرون أن المقدرات حتمية الوقوع، سواء دعا بها العبد أم لم يدعُ، وهذا الرأي يتنافى مع حتمية وكمال الإرادة الإلهية النافذة، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، مما يجعلهم يرون تناقضًا بين الدعاء والإيمان بالقدر.
صرحت الأحاديث الصحيحة بأن جميع الأعمال، بما في ذلك الأخذ بالأسباب، هي جزء من قدر الله، ومن هذا القدر، أن الدعاء هو سبب لرد البلاء واستجلاب الرحمة. ويتم تفسير تأثير الدعاء على القضاء بكونه سببًا مقدرًا؛ فكما أن الترس يعد سببًا لرد السهم، والماء سببًا لإخراج النبات من الأرض، كذلك الدعاء سبب لرد البلاء، وبذلك، تتحقق النتيجة المرجوة (وهي دفع البلاء أو جلب الرحمة) عند الأخذ بالسبب المأمور به (وهو الدعاء)
من المعلوم أن سؤال الله تعالى ودعاءه من الأمور المرغَّب فيها شرعًا، فقد قال الإمام النووي: "اعلم أن المذهب المختار الذي عليه الفقهاء والمحدثون وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف أن الدعاء مُستحب"، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِیۤ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: ٦٠]، وقال تعالى: ﴿ٱدۡعُوا۟ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعࣰا وَخُفۡیَةًۚ﴾ [الأعراف: ٥٥] [الأذكار للنووي ١/٦٠٨].
وجاء في الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللهِ تَعَالَى مِنَ الدُّعَاءِ» [أخرجه الترمذي في سننه].
وعنه أيضًا أن النبي ﷺ قال: " قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ اللهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْكُرَبِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ»، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ -رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾، قَالَ: «الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ»، وَقَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] [أخرجه الترمذي في سننه].
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللهَ تَعَالَى بِدَعْوَةٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: "إِذًا نُكْثِرُ"، قَالَ: «اللهُ أَكْثَرُ» [أخرجه الترمذي في سننه].
إذا تقرر هذا، فنعود للحديث النبوي محل الإشكال، والذي رواه الحاكم من حديث ثَوْبَانَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمُرِ إِلَّا الْبِرُّ»، ورواه الترمذي بلفظ آخر من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «لَا يَرُدُّ القَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي العُمْرِ إِلَّا البِرُّ» [أخرجه الترمذي في سننه].
والذي يتوهم بعضهم أنه يتعارض مع قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، لأن أمر الله لا راد له.
نقول: إن هذا مما لا اختلاف فيه؛ إذ يحتمل أن يكون الله إذا أراد أن يخلق النسمة جعل أجلها إن بَرَّت كذا، وإن لم تَبَرَّ كان دون ذلك، وإن كان منها الدعاء رَدَّ عنها كذا، وإن لم يكن منها الدعاء، نزل بها كذا، وإن عملت كذا حُرِمت كذا، وإن لم تعمله رُزِقَتْ كذا، ويكون ذلك مما يثبت في الصحيفة التي لا يزاد على ما فيها ولا ينقص منه، وفي ذلك بحمد الله الْتِئَامُ هذه الآثار واتفاقها وانتفاء التضاد عنها.
وقد قرر العلماء أن الدعاء سبب في حصول الخير، وأن هناك أشياء مُقدَّرة ومربوطة بأسباب، فإذا تحقق السبب وقع المُقدَّر، وإذا لم يتحقق السبب لم يقع، فإذا دعا المسلم ربه حصل له الخير، وإذا لم يدعُ وقع به الشر، كما جعل الله صلة الرحم سببًا لطول العمر، وقطيعة الرحم سببًا لضده.
وقد أكد بعض العلماء أن الدعاء من أنفع الأدوية وأقوى الأسباب في مواجهة البلاء، فهو بمنزلة سلاح للمؤمن؛ يدافع الشر ويعالجه، ويمنع نزوله أو يرفعه ويخففه إذا حلَّ.
وأوضحوا أن مواجهة الدعاء للبلاء تتمثل في ثلاثة مستويات:
١. قوة الدعاء: أن يكون الدعاء أقوى من البلاء، فيتغلب عليه ويدفعه.
٢. ضعف الدعاء: أن يكون الدعاء أضعف من البلاء، فيصيب البلاءُ العبدَ، لكن الدعاء يخفف من أثره.
٣. تساوي القوة: أن يتساوى الدعاء والبلاء في القوة، فيتصارعان ويظل كل منهما يمنع صاحبه من الحسم إلى يوم القيامة.
وقد استُدل على ذلك بحديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: «لَا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ، وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإِنَّ الْبَلَاءَ لَيَنْزِلُ فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ فَيَعْتَلِجَانِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين].
وتتعرض هذه المسألة لسؤال مشهور خلاصته: إذا كان وقوع الشيء مقدرًا فسيقع حتمًا، وإذا لم يكن مقدرًا فلن يقع، ما يدفع البعض لترك الدعاء ظنًا منهم أنه لا فائدة منه.
ويأتي الرد من أهل العلم بتوضيح أن المقدرات ليست مطلقة، بل هي مُقدَّرة بأسباب، والدعاء هو أحد هذه الأسباب التي قُدِّرَت مع المقدار، فالشيء لم يُقدَّر مجردًا، بل قُدِّرَ بسببه، فمتى قام العبد بالدعاء (السبب)، وقع المقدور، ومتى تخلى عنه، انتفى المقدور. وهذا هو الفهم الصحيح، حيث يُعد الدعاء من أقوى الأسباب في جلب الخير ودفع السوء.
وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فإذا قُدِّرَ وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال: لا فائدة في الدعاء، كما لا يقال: لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال... ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله وأفقههم في دينه؛ كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستنصر به - أي بالدعاء - على عدوه، وكان الدعاء أعظم جنديه، وكان يقول للصحابة: "لَسْتُمْ تُنْصَرُونَ بِكَثْرَةٍ، وَإِنَّمَا تُنْصَرُونَ مِنَ السَّمَاءِ"، وكان يقول: "إِنِّي لَا أَحْمِلُ هَمَّ الْإِجَابَةِ، وَلَكِنْ هَمَّ الدُّعَاءِ، فَإِذَا أُلْهِمْتُمُ الدُّعَاءَ، فَإِنَّ الْإِجَابَةَ مَعَهُ".
وقال الإمام أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: "فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا فَائِدَةُ الدُّعَاءِ وَالْقَضَاءُ لاَ مَرَدَّ لَهُ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ مِنَ الْقَضَاءِ رَدُّ الْبَلاَءِ بِالدُّعَاءِ، فَالدُّعَاءُ سَبَبٌ لِرَدِّ الْبَلاَءِ وَاسْتِجْلاَبِ الرَّحْمَةِ، كَمَا أَنَّ التُّرْسَ سَبَبٌ لِرَدِّ السِّهَامِ، وَالْمَاءُ سَبَبٌ لِخُرُوجِ النَّبَاتِ مِنَ الأَرْضِ، فَكَمَا أَنَّ التُّرْسَ يَدْفَعُ السَّهْمَ فَيَتَدَافَعَانِ، فَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالْبَلاَءُ يَتَعَالَجَانِ.
وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الاِعْتِرَافِ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لاَ يُحْمَل السِّلاَحُ، وَقَدْ قَال تَعَالَى: ﴿خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾ [النساء: ٧١]، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لاَ يَسْقِيَ الأَرْضَ بَعْدَ بَثِّ الْبَذْرِ، فَيُقَال: إِنْ سَبَقَ الْقَضَاءُ بِالنَّبَاتِ نَبَتَ الْبَذْرُ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ لَمْ يَنْبُتْ، بَل رَبْطُ الأَسْبَابِ بِالْمُسَبَّبَاتِ هُوَ الْقَضَاءُ الأَوَّل الَّذِي هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ، وَتَرْتِيبُ تَفْصِيل الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى تَفَاصِيل الأَسْبَابِ عَلَى التَّدْرِيجِ وَالتَّقْدِيرُ هُوَ الْقَدَرُ، وَالَّذِي قَدَّرَ الْخَيْرَ قَدَّرَهُ بِسَبَبٍ، وَالَّذِي قَدَّرَ الشَّرَّ قَدَّرَ لِرَفْعِهِ سَبَبًا، فَلاَ تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأُمُورِ عِنْدَ مَنِ انْفَتَحَتْ بَصِيرَتُهُ، ثُمَّ فِي الدُّعَاءِ مِنَ الْفَائِدَةِ أَنَّهُ يَسْتَدْعِي حُضُورَ الْقَلْبِ مَعَ اللَّهِ وَهُوَ مُنْتَهَى الْعِبَادَاتِ، وَلِذَلِكَ قَال ﷺ: الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ". [إحياء علوم الدين ١ / ٣٣٦ - ٣٣٧، ٣٣٩ ط الاستقامة بالقاهرة]
إذن لا وجه للتعارض بين رد القضاء بالدعاء وبين قضاء الله؛ لأنه إذا كان الأمر مُقدَّرًا من قبل الله بالوقوع إيجابًا أو سلبًا، فإن الدعاء سبب لرد شره واستنزال خيره.
الخلاصة:
يُعدّ سؤال الله تعالى ودعاءه من الأمور المرغوبة والمستحبة بإجماع جمهور الفقهاء والمحدثين من أعلام الأمة، استنادًا إلى الأمر الإلهي في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: ٦٠]، إلى جانب الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي ترغب فيه وتبين فضله في قضاء الحوائج؛ فهو سبب عظيم لحصول الخير، ومن أنفع الأدوية التي ترفع البلاء وتعالجه أو تمنعه وترده، كما أن الدعاء يُعَدُّ في حقيقة الأمر من القدر، لكون كل شيء مُقدَّر قد قُدِّرَ معه سببه، فهو سبب مُقدَّر لرد البلاء واستجلاب الرحمة، شأنه في ذلك شأن الأكل والشرب كأسباب للشبع والري.
يثير المشككون شبهة التعارض بين الأحاديث النبوية التي تثبت زيادة العمر بصلة الرحم والبر، وبين الآيات القرآنية التي تؤكد ثبات الأجل وعدم تأخره أو تقدمه، زاعمين أن الأعمال الصالحة لا يمكن أن تزيد في الأجل الثابت المحدد إلهيًا.
كيف يكونُ القرآنُ وحيًا، وهو متقطّع مفرّق يأتي بعضُهُ في وقت، ويتأخّر بعضه إلى وقت آخر؟
هل كان قومُ النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم زُناة؟ وهل يُعدّ هذا عيبًا في النبيّ صلى الله عليه وسلم ؟