من
المعلوم بالضرورة أن القرآن الكريم والسنة النبوية كلاهما وحي إلهي،
وكلاهما يخرجان من مشكاة واحدة، وعليه، فمن المستحيل أن يتعارض الحديث
النبوي الصحيح مع أي نص شرعي آخر، سواء كان قرآنًا أم سنة، وتأكيدًا لهذا المبدأ،
وردت أحاديث صحيحة متواترة عن غير واحد من الصحابة تُثبت أن صلة الرحم تزيد في
العمر وتُبارك فيه.
فقد
ورد في السنة النوبة لكثير من الأحاديث النبوية في هذا المعنى منها ما ورد عن أَنَسُ
بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ
لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»، وَمَا
وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ
ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ
يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ
رَحِمَهُ»
وقد
قدم العلماء توجيهات وأجوبة عديدة لتفسير المقصود بزيادة العمر، وعند النظر في هذه
الأجوبة، يمكن حمل أقواها وأكثرها ترجيحًا على أمرين اثنين:
١. الزيادة الحقيقية:
من
توجيهات العلماء في إزالة هذا الإشكال البيان الدقيق الذي يقوم على التفريق بين
علم الله الأزلي وعلم الملائكة، لتأكيد أن الزيادة في الأجل حقيقية ومُقدَّرة.
قال
الإمام النووي رحمه الله: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ
وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» يُنْسَأَ مهموز أي يؤخر والأثر
الأجل لأنه تابع للحياة في أثرها وبسط الرِّزْقِ تَوْسِيعُهُ وَكَثْرَتُهُ وَقِيلَ
الْبَرَكَةُ فِيهِ وَأَمَّا التَّأْخِيرُ فِي الْأَجَلِ فَفِيهِ سُؤَالٌ مَشْهُورٌ
وَهُوَ أَنَّ الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ مُقَدَّرَةٌ لَا تَزِيدُ وَلَا تَنْقُصُ ﴿فَإِذَا جَاۤءَ أَجَلُهُمۡ لَا یَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةࣰ وَلَا یَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤]وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيحُ
مِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْرِهِ
وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ وَعِمَارَةِ أَوْقَاتِهِ بِمَا يَنْفَعَهُ فِي
الْآخِرَةِ وَصِيَانَتِهَا عَنِ الضَّيَاعِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالثَّانِي:
أَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يَظْهَرُ لِلْمَلَائِكَةِ وَفِي اللَّوْحِ
الْمَحْفُوظِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَظْهَرُ لَهُمْ فِي اللَّوْحِ أَنَّ عُمْرُهُ
سِتُّونَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَصِلَ رَحِمَهُ فَإِنْ وَصَلَهَا زِيدَ لَهُ
أَرْبَعُونَ وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سبحانه وتعالى مَا سَيَقَعُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ
وَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى يَمْحُو الله ما يشاء ويثبت فيه النسبة
إِلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا سَبَقَ بِهِ قدره ولا زِيَادَةَ بَلْ هِيَ
مُسْتَحِيلَةٌ وَبِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا ظَهَرَ لِلْمَخْلُوقِينَ تُتَصَوَّرُ
الزِّيَادَةُ وَهُوَ مُرَادُ الْحَدِيثِ» [شرح النووي على مسلم (١٦/ ١١٤)]
وعليه
فيُقاس تغير الأجل على تغير الإيمان، حيث أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص
بالمعصية، ومع ذلك، فإن هذا التغير لا ينافي ما كُتب وثُبِتَ في اللوح المحفوظ،
وبالمثل، فإن العمر يزيد وينقص بالنظر إلى الأسباب (مثل صلة الرحم)،
وهذا التغير لا يتعارض أيضًا مع ما كُتب في اللوح المحفوظ، ويُعَد هذا المفهوم
بالغ الأهمية في حل الكثير من الإشكالات المتعلقة بالقضاء والقدر، ولأجل ذلك جاءت
النصوص الشرعية التي تتضمن الدعاء بطول العمر، بناءً على هذا التفسير، يكون حمل
زيادة العمر على الحقيقة أمرًا مقبولًا عقلًا ومؤيدًا نقلًا، وذلك لما يتضمنه
من وجاهة وصواب يقوم على التفريق بين علم الله الأزلي (الذي لا يتغير) وبين
ما هو مُعلَم ومُسجّل عند الملك الموكل بالأجل والرزق (وهو الذي يقبل المحو
والإثبات). ويُعد هذا التفريق هو الرأي الراجح والمعتمد لدى العلماء.
٢. الزيادة المجازية:
أي
أن هذه الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة وعمارة
وقته بما ينفعه في الآخرة، وصيانته عن تضييعه.
قال
الإمام النووي رحمه الله: "وَأَمَّا التَّأْخِيرُ فِي الْأَجَلِ فَفِيهِ
سُؤَالٌ مَشْهُورٌ وَهُوَ أَنَّ الْآجَالَ وَالْأَرْزَاقَ مُقَدَّرَةٌ لَا تَزِيدُ
وَلَا تَنْقُصُ ﴿فَإِذَا جَاۤءَ أَجَلُهُمۡ لَا یَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةࣰ وَلَا یَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٤] وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ بِأَجْوِبَةٍ الصَّحِيحُ
مِنْهَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ بِالْبَرَكَةِ فِي عُمْرِهِ
وَالتَّوْفِيقِ لِلطَّاعَاتِ وَعِمَارَةِ أَوْقَاتِهِ بِمَا يَنْفَعَهُ فِي
الْآخِرَةِ وَصِيَانَتِهَا عَنِ الضَّيَاعِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ" [شرح النووي
على مسلم (١٦/ ١١٤)]
ويقول
الحكيم الترمذي: "فَزِيَادَة الْعُمر على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن العَبْد
إِذا عمر بِالْإِيمَان وبحياة الْقلب بِهِ فَذَاك كثير وَإِن قل مدَّته لِأَن
الْقصير من الْعُمر إِذا احتشى من الْإِيمَان أربى على الْكثير لِأَن المبتغى من
الْعُمر العبودة لله تَعَالَى كي يصير عِنْد الله تَعَالَى وجيها" [نوادر الأصول في أحاديث الرسول ٣/١٢٥]
والزيادة
في الأحاديث كذلك هي السعة والزيادة في الرزق، وعافية البدن، وقد قيل: الفقر هو
الموت الأكبر.
الخلاصة:
الأحاديث
النبوية تؤكد أن صلة الرحم تزيد في الرزق وتؤخر في الأجل، مثل قول النبي ﷺ:
«مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ،
فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» ولتفسير زيادة العمر، رجّح العلماء أنها زيادة حقيقية
بالنسبة لما يظهر للملائكة في اللوح المحفوظ (الذي يقبل المحو والإثبات)، أو زيادة
مجازية بالبركة والتوفيق للطاعات وعمارة الوقت بها.