أولًا:
دحض تهمة الاستبداد المالي والزعم بعدم وجود مانعين للزكاة في عهد النبوة
يستهدف
المشككون بسوق مصطلحات "الإتاوة" و"الرشوة" تشويه صورة النبي ﷺ،
محاولين تصويره كحاكم دنيوي جبار همه إثقال كاهل الناس لملء خزائنه الخاصة. وهذا الزعم
يُفَنَّد بالحجج التاريخية والموضوعية التالية:
١) سيرة سيدنا رسول الله ﷺ
المالية شاهد على زهده المطلق: إن الادعاء بكونه حاكمًا مستبدًا يجمع الأموال
قسرًا يتناقض تناقضًا جذريًا مع واقع حاله، فقد تُوفي النبي ﷺ
ولم يكن في بيته شيء يُذكر من المال؛ بل إنه في مرض موته لم يهدأ له بال حتى تصدَّق
بالدنانير القليلة المتبقية لديه، متسائلًا: «مَا ظَنُّ مُحَمَّدٍ بِاللَّهِ،
لَوْ لَقِيَهُ وَهَذِهِ عِنْدَهُ!» [أخرجه أحمد في مسنده]، فهذه الواقعة القاطعة
تنفي أي شبهة حول استغلاله للسلطة لجمع الثروات، وتؤكد أن مقصده كان إلهيًا، لا دنيويًا.
٢) الإجماع على أداء
الزكاة في عهد النبوة: الحقيقة التاريخية
المُثبتة في كتب السير والحديث هي أنه لم يظهر أي فرد أو قبيلة في حياة النبي ﷺ
عارض دفع الزكاة أو امتنع عنها بوصفها "إتاوة"، بل كانت فريضة الزكاة تُؤدَّى
طواعية باعتبارها ركنًا دينيًا واجبًا لا يختلف عن الصلاة، وكان المسلمون ملتزمين بها
بالكامل، ولم يستطع المشككون أن يقدموا اسم قبيلة واحدة امتنعت عن الدفع في ذلك
العصر.
٣) التمييز بين مانعي الزكاة زمن النبي
ﷺ
وزمن الصديق: ظهر الامتناع عن دفع الزكاة
لاحقًا، في أعقاب وفاة سيدنا رسول الله ﷺ
(عهد الخليفة أبي بكر الصديق)، ولم يكن ذلك رفضًا للتشريع من أساسه أو اعتباره
إتاوة، بل كان من قبيل التأويل الخاطئ من قِبل فئة من المرتدين. هذا الصنف جحدوا
فريضة الزكاة وتأولوا أنها كانت خاصة بالنبي ﷺ،
فرفضوا دفعها للخليفة. ويؤكد هذا الفصل بين الأحداث الموقف الحاسم لأبي بكر، الذي أصر
على قتالهم، مُعلنًا: "وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ
الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ... وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا
يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا"
[أخرجه البخاري في صحيحه]، فهذا الموقف يثبت أن الامتناع لم يقع إلا بعد وفاته، وأنه
اعتُبِر ردة عن أصل الدين لا مجرد خلاف على مقدار ضريبي.
٤)
غياب المصادر الموثوقة للمزاعم: إن الدعوى بأن "قبائل كثيرة"
عارضت دفع الصدقة في عهد النبوة هي دعوى ضعيفة لا يسندها أي دليل تاريخي، وهي غير
موجودة على الإطلاق في القرآن الكريم، أو السنة النبوية، أو كتب السير والتاريخ
المعتمدة، وهذا يُسقط الشبهة من أساسها لعدم وجود مرجع يُعتمد عليه لإثباتها.
ثانيًا:
آية التوبة لا علاقة لها باستدلالهم:
لقد
استدل أصحاب هذه الدعوى بقوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةࣰ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّیهِم بِهَا﴾ [التوبة:
١٠٣] على أن قبائل كثيرة امتنعت عن دفع
الصدقة للنبي، لأنها اعتبرتها جزية أو خراجًا أو إتاوة أو رشوة، يسوؤهم أداؤها
ويشق عليهم دفعها، فما كان من الله -تعالى- إلا أن قضى على هذه الممانعة وتلك
المعارضة، وذلك بأن أنزل هذه الآية، آمرًا رسوله أن يأخذ الصدقات من هؤلاء
الممانعين المعارضين.
هذا
هو التفسير الخاطئ الذي فَسَّر به هؤلاء آية سورة التوبة، ولا نصيب له من الصحة،
وذلك أن المفسرين اختلفوا في هذه الصدقة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةࣰ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّیهِم بِهَا﴾ [التوبة:
١٠٣]، فالجمهور على "أن الآية نزلت في
شأن المتخلفين عن غزوة تبوك، وكانوا ربطوا أنفسهم في سواري المسجد كما فعل أبو
لبابة، وعاهدوا الله ألا يُطْلِقوا أنفسهم حتى يكون رسول الله هو الذي يُطْلِقَهُم
ويرضى عنهم، فقال النبي ﷺ: «وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ وَلَا
أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ -عز وجل-، هُوَ الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا
عَنِّي، وَتَخَلَّفُوا عَنِ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ»، فَلَمَّا بَلَغَهُمْ
ذَلِكَ قَالُوا: وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ
الَّذِي يُطْلِقُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ -تعالى- قوله: ﴿وَءَاخَرُونَ
ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ﴾، فلما نزلت أرسل إليهم
النبي ﷺ، فَأَطْلَقَهُم وَعَذَرَهُمْ، فلما أُطْلِقُوا قالوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ
هَذِهِ أَمْوَالُنَا الَّتِي خَلَّفَتْنَا عَنْكَ
فَتَصَدَّقْ بِهَا وَطَهِّرْنَا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
«مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ شَيْئًا»، فَأَنْزَلَ اللَّهُ
تَعَالَى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةࣰ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّیهِم بِهَا﴾ [التوبة:
١٠٣]. قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: كَانُوا
عَشَرَةً مِنْهُمْ أَبُو لُبَابَةَ. [تفسير البغوي ٤/٩٠]
فالجمهور
إذن على أن هذه الآية مخصوصة بمن أُنْزِلَت فيهم، فإن النبي ﷺ
أخذ منهم ثلث أموالهم، وليس هذا من الزكاة المفروضة في شيء. يقول د. محمد عمارة: "فإن
آية: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةࣰ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّیهِم بِهَا﴾ [التوبة:
١٠٣] تأمر النبي ﷺ
أن يأخذ صدقة هو ممتنع أو متوقف في أخذها.. ولا تأمر القبائل بدفع الصدقات المعارضة
في دفعها!!
إن
آية: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةࣰ﴾ [التوبة:
١٠٣]، قد نزلت عقب غزوة تبوك سنة ٩هـ في صدقة
تطوع بها نفر تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ﷺ
للغزو في تبوك، وهذه الصدقة التي أرادوا بها التكفير عن ذنب اقترفوه قد كانت ثلث أموالهم
- التي فضلوا البقاء معها على الخروج للغزو، فلا علاقة لها بالزكاة والصدقات المفروضة،
والمعروف مقاديرها في الأحاديث النبوية ومكاتبات رسول الله للولاة، وفي كتب الفقه الإسلامي.
وعليه
فالآية تتحدث عن صدقة، والرسول هو المتوقف في أخذها؛ لأنه لم يكن لديه فيها أمر
بشيء، فأين هذه الصدقة التطوعية من الصدقة الفريضة التي يزعم هؤلاء أن كثيرًا من
القبائل قد كانت رافضة لفرض الرسول لها وممتنعة عن أدائها؟!
فنحن
هنا أمام نفر تطوعوا ببعض أموالهم، كفارة عن ذنب اقترفوه، راجين التطهُّر من هذا
الذنب، وطالبين من الرسول التصدق بهذا المال عنهم. فَأَخَذَ ثلث أموالهم كفارة عن
ذنبهم تصدق بها عنهم، وهو الأمر الذي يباعد بين تلك الكفارة وبين الصدقة الواجبة
المفروضة ذات المقادير المحدودة والمحددة، التي فرضها الله ولم يفرضها الرسول، ولكنه
سوء القصد، يستعين بالتلفيق ليصور الرحمة المهداة في صورة المستبد الذي كانت كثير
من القبائل المسلمة تتململ مما يفرضه عليها من إتاوات ترى فيها الذل والخضوع
والخنوع.
ملخص
الرد على الشبهة:
لم
تكن الزكاة التي فرضها النبي ﷺ
على القبائل بمنزلة الإتاوة أو الرشوة، ولم يكن النبي ﷺ
رجلًا مستبدًا ظالمًا يجمع أموال الناس بغير وجه حق، وكيف يوصف بذلك، وقد مات ولم يكن
في بيته إلا بضعة دنانير أمر أن يتصدق بها قبل وفاته.
وكان
المسلمون جميعًا ملتزمين بأداء الزكاة في عصر النبي، بوصفها ركنًا من أركان
الإسلام، ولم يتخلف أحدهم عن أدائها، فضلًا عن أن يكون هذا المتخلف قبائل كثيرة
كما يزعمون أن آية سورة التوبة ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةࣰ﴾ [التوبة:
١٠٣] تأمر النبي أن يأخذ صدقة كان متوقفًا في أخذها
حتى يأمره الله بأخذها، ممن تخلف عن غزوة تبوك من أصحابه، ومن الافتراء على الله
القول بأن كثيرًا من القبائل امتنعت عن دفع الصدقة للنبي، فأنزل الله تلك الآية
آمرًا رسوله أن يجمعها من هؤلاء المعارضين؛ لأن أسباب النزول توقيفية لا يصح معها
الاجتهاد.