دقة التعبير في قوله تعالى: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ﴾ [التوبة: ٦٩] تكمن في أن المقارنة بين فريقين فقط (المنافقين والأمم السابقة)، "الذي" اسم موصول مفرد يعود على المصدر (الخوض) المفهوم من الفعل "خضتم"، وهذا نسق صحيح وبليغ.
دقة التعبير في قوله تعالى: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ﴾ [التوبة: ٦٩] تكمن في أن المقارنة بين فريقين فقط (المنافقين والأمم السابقة)، "الذي" اسم موصول مفرد يعود على المصدر (الخوض) المفهوم من الفعل "خضتم"، وهذا نسق صحيح وبليغ.
ورد في قوله تعالى: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِی خَاضُوۤا۟ۚ﴾ [التوبة: ٦٩] أن اسم الموصول "الذي" جاء مفردًا، مع أن الضمير في "خضتم" يعود على جمع، و"خاضوا" أيضًا فعل لجمع، فلماذا لم يقل: "كالذين خاضوا"؟!أليس ذلك اضطرابًا في التطابق بين الضمير واسم الموصول؟!
ومنشأ هذه الشبهة -عندهم- قوله تعالى: ﴿كَٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوۤا۟ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلࣰا وَأَوۡلَٰدࣰا فَٱسۡتَمۡتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِی خَاضُوۤا۟ۚ أُو۟لَٰۤئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۖ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩]
والشاهد - عندهم - في الآية هو قوله تعالى: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِی خَاضُوۤا۟ۚ﴾ [التوبة: ٦٩] أوردنا ذكر الآية بتمامها لأن الرد على هذه الشبهة يقتضي النظر في الآية كلها لا في الجزء الذي استشهدوا به وحده.
وكان تعليقهم على قوله عز وجل: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِی خَاضُوۤا۟ۚ﴾ [التوبة: ٦٩] هو قولهم: " كان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: (خضتم كالذين خاضوا)!".
إن الادعاء بأن عبارة ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِی خَاضُوۤا۟ۚ﴾ [التوبة: ٦٩] غير صحيحة، وهو طعن فاسد ومردود من كل الوجوه، فالتعبير القرآني صحيح قطعًا وهو غاية في البلاغة؛ لأن المقارنة تدور بين فريقين اثنين فقط، وهما المنافقون والأمم الغابرة.
والاسم الموصول المفرد "الذي" يعود على المصدر المفهوم من الفعل "خضتم"، وهو "الخوض" (أي الفعل نفسه)، والتقدير: "خضتم خوضًا كالخوض الذي خاضوه"، ولو قيل "كالذين خاضوا" لكان خطًا؛ لأنه كان سيعني وجود طرف ثالث غير موجود في سياق الآية، مما كان سيقطع رابطة الكلام ويخل بالنظم المعجز، وهذا التركيب هو الأكمل بلاغيًا ودقة.
هذه الآية -بتمامها - وردت في سياق الحديث عن المنافقين؛ لأن ما قبلها هو قوله عز وجل: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِینَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِینَ فِیهَاۚ هِیَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابࣱ مُّقِیمࣱ * كَٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوۤا۟ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلࣰا وَأَوۡلَٰدࣰا فَٱسۡتَمۡتَعُوا۟ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِی خَاضُوۤا۟ۚ أُو۟لَٰۤئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡءَاخِرَةِۖ وَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٨، ٦٩]، والآية مسوقة لتهديد المنافقين والكفار؛ لعلهم يقلعون عما هم فيه من نفاق وكفر.
وقد أدير الحديث فيها على تشبيه المخاطبين (المنافقين والكفار) بالأمم الغابرة التي كانت أشد منهم قوة، وأكثر مالا وولدا، وانغمسوا في شهواتهم الفانية، فسار المنافقون والكفار سيرتهم فركنوا إلى متع الحياة الدنيا الفانية، ولم يبتغوا ما عند الله، وأن المنافقين والكفار فعلوا كل ما فعله من قبلهم من المعاصي والسيئات.
ثم بين الله عز وجل أنهم الخاسرون في الدنيا والآخرة فالذي معنا في الآية فريقان:
* فريق سابق في الزمن، لم يكن موجودًا في عصر نزول القرآن..
* فريق كان حاضرًا في عصر نزول القرآن، وهم الذين خاطبهم الله في هذه الآية الكريمة، وليس في هذه الآية فريق ثالث تحدثت عنه الآية، ومن هذا يتضح أن تعقيب خصوم القرآن على هذه الآية بأن الصواب أن يقال: "وخضتم كالذين خاضوا" فاسد من كل الوجوه؛ لأن معنا في الآية فريقان لا ثلاثة، ولو قيل: "خضتم كالذين خاضوا" لانفكت رابطة الكلام، ولبرز في النظم طرف ثالث لا وجود له في سياق الآية.
بيان ذلك: أن المقارنة جرت في الآية بين الفريقين "المنافقين والكفار" و"الأمم الغابرة "، ودارت المقارنة على هذ المنهج:
*فاستمتعوا بخلاقهم.
*فاستمتعتم بخلاقكم.
*كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم.
*وخضتم كالذي خاضوا.
والمعنى: وخضتم خوضًا مثل خوضهم [انظر: الدر المصون ٦/٨٤].
فالذي في الآية اسم موصول مفرد يعود على المصدر المفهوم من الفعل الماضي "خضتم" فشبه الله عز وجل خوض المنافقين بخوض الذين من قبلهم، وهذا هو النسق الذي دارت عليه المقارنة في الآية تشبيه سلوك اللاحقين بسلوك السابقين من الأمم الغابرة، التي عتت عن أمر ربها وعصت رسله.
وقال بعض العلماء: وخاضوا فخضتم كالذي خاضوا.
هذا هو الحق في هذه العبارة، لا كما قال خصوم القرآن الكارهون لما أنزل الله عز وجل.
الخلاصة:
تؤكد الآية دقة التعبير القرآني في تشبيه سلوك المنافقين والكفار الحاضرين بسلوك الأمم الغابرة السابقة، والمقارنة جرت بين فريقين اثنين لا ثلاثة، وقد جاء التعبير "وخضتم كالذي خاضوا" صحيحًا وبليغًا، حيث يعود الاسم الموصول المفرد ("الذي") على المصدر المفهوم من الفعل "خضتم"، ليكون المعنى: "وخضتم خوضًا مثل الخوض الذي خاضوه"، وهذا يمثل نسق المقارنة الأكمل بلاغيًا في الآية.
الفعل "نال" يتيح تبادل الفاعل والمفعول بحسب السياق، موضحًا دلالته النحوية والبلاغية في القرآن الكريم وعلاقته بالظالمين والتقوى.
هل تعددَ القراءات يدليل على الاختلاف في القرآن ويعد نوعا من التحريف؟
يُثبت النصب لكلمة «المقيمين» بأسلوب الاختصاص لبيان فضل الصلاة، وهو أسلوب عربي شائع يجمع بين البلاغة والدقة النحوية، مدعوم بشواهد لغوية ونحوية قوية.