جاء جزم الفعل "أكُن" في الآية صحيحًا على تقدير الشرط، حيث عُطف على محل جملة التمني التي تضمنت معنى الشرط، وهذا التوجيه سديد ومعتبر عند النحاة، وله سر بلاغي يفيد شدة الطلب.
جاء جزم الفعل "أكُن" في الآية صحيحًا على تقدير الشرط، حيث عُطف على محل جملة التمني التي تضمنت معنى الشرط، وهذا التوجيه سديد ومعتبر عند النحاة، وله سر بلاغي يفيد شدة الطلب.
ورد في قوله تعالى: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِینَ﴾ [المنافقون: ١٠] أن الفعل "أكن" جاء مجزومًا، مع أنه معطوف على "فأصدق" وهو منصوب بأن المضمرة بعد لولا، فكيف جُزم "أكن" مع أن المعطوف عليه منصوب؟! أليس الصواب أن يُقال: "فأصدق وأكون" بنصب "أكون" ليوافق المعطوف عليه؟!
ومنشأ هذه الشبهة، هو قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن یَأۡتِیَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَیَقُولَ رَبِّ لَوۡلَاۤ أَخَّرۡتَنِیۤ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ قَرِیبࣲ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِینَ﴾ [المنافقون: ١٠].
وشاهد هذه الشبهة - عندهم - هو قوله تعالى: "وأكن" لأنه محذوف الواو ساكن النون، وهو فعل معتل الوسط بالواو (أجوف) ولا يحذف الواو منه إلا إذا سكن آخره، ولا يسكن آخره إلا إذا كان مجزوما، ويجزم المضارع إذا دخل عليه جازم أو عطف على مجزوم.
ولما لم يدخل على الفعل -هنا- جازم، ولم يتقدم عليه مجزوم يصح جزمه بالعطف عليه، ساغ لخصوم القرآن أن يقولوا إن هذا الفعل "أكن" جزم مع أن المعطوف عليه منصوب، وهو الفعل "فأصدق" وعلقوا على هذا فقالوا: كان يجب أن ينصب الفعل المعطوف على المنصوب فيقال: "فأصدق وأكون".
الشبهة حول جزم الفعل "أكن" المعطوف على الفعل المنصوب "فأصدق" هي ادعاء يفتقر إلى التدقيق اللغوي، خاصة وأن التركيب القرآني مشهود له بالصحة والبلاغة حتى من أشد خصوم القرآن من العرب الفصحاء، والقرآن الكريم هو أحد مصادر اللغة، وما ورد فيه على خلاف قاعدة نحوية مألوفة وجب التسليم بصحته والاجتهاد في توجيهه، لا اتهامه بالخطأ.
وتوجيه جزم الفعل "أكن" أنه عُطف على محل جملة التمني "لولا أخرتني"، التي تضمنت معنى الشرط، فكأن المعنى هو: "إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين"، وقد أيَّد هذا التوجيه أئمة النحو، مثل الخليل وسيبويه، وإيثار صيغة التمني على الشرط له سر بلاغي عظيم، يدل على شدة الحاجة واليأس عند حضور الموت، والجزم يقرن الإجابة بالشرط المقدر.
لفتت هذه الآية أنظار النحاة والمفسرين وقد اختلفت توجيهاتهم لورود الفعل المجزوم مردوفًا على الفعل المنصوب، مع اتفاقهم جميعًا على صحة هذا التركيب نحويًا؛ لأن نظم القرآن مشهود له بالصحة من ألّد خصومه الذين بلغوا الذروة في الفصاحة والبلاغة، وهم مشركو العرب، حيث لم يُرو عنهم أنهم طعنوا في القرآن في صحة أساليبه، وضروب تراكيبه، والتسليم له بالسمو والرفعة في هذا المجال.
فعلى كثرة ما اتهموه بأنه سحر، أو شعر، أو أساطير الأولين تملى على النبي ﷺ بكرة وأصيلا لم يذكروا -قط- أن به أخطاء لغوية، أو نحوية أو صرفية أو بيانية، بل على العكس من ذلك نراهم أثنوا عليه على لسان الوليد بن المغيرة، لما سمع من النبي ﷺ الآيات الأولى من سورة "فصلت" حين نفي عنه كل عيب أو نقص في أساليبه ونظمه المحكم البديع ولو كان ما يؤخذه خصوم القرآن -الآن- من الشبهات التي نعرض لها -هنا- حقًا لبادروا بإعلانها ولاتَّخَذوها حربًا ضروسًا ضده، وسكوتهم المطبق عن ذكر عيوب من هذا القبيل تسليم منهم له بالسلامة من جميع الأخطاء، وهذه هي عقيدة الأمة وكل العقلاء المنصفين، وقد أشرنا من قبل إلى أن القرآن أوسع من قواعد اللغة وأسمى من أساليب البيان المعروفة عند البشر فإذا ورد فيه شيء على غير قاعدة نحوية أو صرفية معروفة لدى الناس، فليس معناه أن القرآن قد أخطا أو سها؛ لأن القرآن نفسه مصدر من مصادر إثبات اللغة في نفسها وفي طرق استعمالاتها.
فما جاء منه على ما نعرفه أو نألفه من القواعد فلا مشاحنة فيه، وما جاء على غير ذلك وجب الإيمان بصحته، وعلينا أن نجتهد في التماس العلة فيه، فإن أدركناها فالحمد لله وإلا فوضنا الأمر فيها لله، كما هو في بعض المتشابهات القرآنية من الألفاظ والمعاني، كما قال عز وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَایَٰتࣱ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتࣱۖ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغࣱ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِۦۖ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُۥۤ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران: ٧] أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله
وبعد هذه الوقفة الكاشفة الشافية نعود إلى ما قاله النحاة والمفسرون في توجيه مجيء الفعل المجزوم مردوفًا على الفعل المنصوب في الآية الكريمة، التي اتخذ منها الذين في قلوبهم زيغ وسيلة للطعن في القرآن، ابتغاء الفتنة:
تم توجيه مجيء الفعل "وأكن" مجزومًا (بالسكون) وعطفه على الفعل المنصوب "فأصدق" (بالفتح) إلى أن قوله تعالى "لولا أخرتني..." يتضمن معنى الشرط، لذلك، فإنه في محل جزم، وكأن المعنى المقصود هو: "إن أخرتني أصدق وأكن من الصالحين".
وبمثل هذا قال العلامة ابن عطية [ينظر المحرر الوجيز (١٦/ ٢٣) والحجة في القراءات ٤/ ٣٨٦]
الخلاصة:
لم تكن هذه القراءة هي الوحيدة في جزم الفعل "أكن" فقد قرأه أبو عمرو "وأكون" بالنصب عطفًا على "فأصدق"، ونرى أن التوجيه بأن هذا الفعل مجزوم على تضمن عبارة التمني "لولا أخرتني إلى أجل قريب" أو على الشرط المقدر ب "إن أخرتني" هو توجيه سديد، وقد سبق إلى القول به علمان من أئمة النحو، هما الخليل وسيبويه.
والذي سوَّغ إيثار عبارة التمني "لولا أخرتني" على الشرط الصريح "إن أخرتني" أن قائل هذه العبارة يقولها في ساعة يملكه فيها اليأس من التأخير وهي ساعة حضور الموت، والتمني كما نعلم يستعمل في طلب المحال أو المتعذر، أما الشرط فيستعمل في الأمور التي لا استحالة فيها ولا تعذر، فهو إذن من تبادل الصيغ وإحلال بعضها محل بعض لداع بلاغي، وقرينة إرادة الشرط من عبارة التمني هو جزم الفعل "أكن" وسره البلاغي أن من حضرته الوفاة وهو مقصر في طاعة الله تدفعه شدة الحاجة التي نزلت به إلى طمع من نوع ما، مما هو مستحيل أو متعذر الوقوع، ومما تقدم يظهر لنا استقامة العبارة القرآنية وبُعْدها عن كل خلل، ووفاؤها بالمعنى المراد نحوًا وبيانًا.
يُظهر التكرار في القرآن الكريم عظمة البيان الإلهي، إذ يأتي لتأكيد المعاني وترسيخ القيم، فيمنح النص قوة وجمالًا يجعل القارئ يعيش معانيه بعمق وتأمل.
تذكير كلمة «قريب» في ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ له أسباب، يمكنك معرفتها مع بيان حجج العلماء والشواهد العربية والرد على الشبهات المتعلقة بها.
الفعل "نال" يتيح تبادل الفاعل والمفعول بحسب السياق، موضحًا دلالته النحوية والبلاغية في القرآن الكريم وعلاقته بالظالمين والتقوى.