Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شبهة الكلام المكرر في القرآن الكريم

شبهة الكلام المكرر في القرآن الكريم

يُظهر التكرار في القرآن الكريم عظمة البيان الإلهي، إذ يأتي لتأكيد المعاني وترسيخ القيم، فيمنح النص قوة وجمالًا يجعل القارئ يعيش معانيه بعمق وتأمل.

عرض الشبهة

تعتبر هذه الشبهة من أبرز الشبهات التي تم تداولها بكثرة، حيث استخدمها البعض كوسيلة للطعن في القرآن الكريم واعتباره ليس وحيًا إلهيًا. وقد ركزوا بشكل خاص على تكرار بعض العبارات والجمل، كما فعلوا مع التكرار الموجود في سورة "الرحمن"، مدعين أن حذف المكرر من القرآن سيؤدي إلى بقاء نص يكفي لملء كراسة واحدة فقط.

الرد المختصر على الشبهة

إن تكرار الآيات في القرآن الكريم لا يُعتبر مجرد تكرار بلا فائدة، بل هو من مظاهر الإعجاز البلاغي، حيث يؤدي أدوارًا متعددة في الجوانب الدينية والأدبية؛ فهو يُعزز المعاني، ويؤكد الحقائق، ويُثبت الهداية في قلوب الناس، وقد يظهر التكرار في كلمات، أو أدوات، أو فواصل، أو قصص، وفقًا لمقتضيات السياق، مما يُعزز من قوة المعنى ووضوحه وتأثيره، ولذا، جاء التكرار في القرآن بشكل متقن ومتناسق مع أهدافه، خاليًا من التعقيد، جامعًا بين البلاغة والهداية.

الرد المفصل على الشبهة

يأتي الرد على الشبهة فيما ي:

يقع التكرار في القرآن الكريم على وجوه:

١- مرة يكون المكرر أداة تؤدي وظيفة في الجملة بعد أن تستوفي ركنيها الأساسيين.

٢- وأخرى تتكرر كلمة مع أختها لداع، بحيث تفيد معنى لا يمكن الحصول عليه بدونها.

٣- فاصلة تكرر في سورة واحدة على نمط واحد.

٤- قصة تتكرر في مواضع متعددة مع اختلاف في طرق الصياغة، وعرض الفكرة.

٥- بعض الأوامر، والنواهي، والإرشادات، والنصح مما يقرر حكمًا شرعيًا، أو يحث على فضيلة أو ينهى عن رذيلة، أو يرغب في خير، أو ينفر من شر.

وتكرار القرآن في جميع المواضع التي ذكرناها، والتي لم نذكرها مما يلحظ عليها سمة التكرار، في هذا كله يباين التكرار القرآني ما يقع في غيره من الأساليب؛ لأن التكرار، وهو فن قولي معروف، قد لا يسلم الأسلوب معه من القلق، والاضطراب فيكون هدفًا للنقد، والطعن؛ لأن التكرار رخصة في الأسلوب - إذا صح هذا التعبير- والرخص يجب أن تؤتى في حذر، ويقظة.

وظيفة التكرر في القرآن:

مع هذه المزالق كلها جاء التكرار في القرآن الكريم محكمًا، وقد ورد فيه كثيرًا - فليس فيه موضع قد أخذ عليه - دَعْ دعاوى المغالين فإن بينهم، وبين القرآن تارات؛ فهم له أعداء - وإذا أحسنا الفهم لكتاب الله فإن التكرار فيه - مع سلامته من المآخذ والعيوب - يؤدي وظيفتين:

أولاهما: من الناحية الدينية.

ثانيهما: من الناحية الأدبية.

فالناحية الدينية - باعتبار أن القرآن كتاب هداية، وإرشاد، وتشريع - لا يخلو منها فن من فنونه، وأهم ما يؤديه التكرار من الناحية الدينية هو تقرير المكرر، وتوكيده، وإظهار العناية به؛ ليكون في السلوك أمثل، وللاعتقاد أبين.

أما الناحية الأدبية فإن دور التكرار فيها متعدد، وإن كان الهدف منه في جميع مواضعه يؤدي إلى تأكيد المعاني، وإبرازها في معرض الوضوح، والبيان، وليكن حديثنا عنه على حسب المنهج الذي أثبتناه في صدر هذا البحث.

تكرار الأداة:

ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [النحل: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩]، والظاهر من النظر في الآيتين تكرار ﴿إِنَّ فيهما، وهذا الظاهر يقتضي الاكتفاء بــ ﴿إِنَّ﴾ الأولى، ولم يطلب إلا خبرها، وهو في الموضعين -أعنى الخبر– ﴿لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾ لكن هذ الظاهر خولف وأعيدت ﴿إِنَّ﴾ مرة أخرى، ولهذه المخالفة سبب.

وهذا السبب هو طول الفصل بين ﴿إِنَّ﴾ الأولى، وخبرها، وهذا أمر يشعر بتنافيه مع الغرض المسوقة من أجله ﴿إِنَّ﴾، وهو التوكيد، لهذا اقتضت البلاغة إعادتها؛ لتلحظ النسبة بين الركنين على ما حقها أن تكون عليه من التوكيد.

على أن هناك وظيفة أخرى هي: لو أن قارئ تلا هاتين الآيتين دون أن يكرر فيهما ﴿إِنَّ﴾ ثم تلاهما بتكرارها مرة أخرى؛ لظهر له الفرق بين الحالتين: قلق وضعف في الأولى، وتناسق، وقوة في الثانية.

ومن أجل هذا الطول كررت في قول الشاعر [ديوان الحماسة: ٥/٢ ١٠ - ولم ينسب لقائل معين]:

وإن امرًأ طَالَتْ مَوَاثِيقُ عَهْدِهِ *** عَلَى مِثْلِ هَذَا إِنّهُ لَكَرِيمُ

يقول ابن الأثير رائيًا هذا الرأي: "فإذا وردت ﴿إِنَّ﴾ وكان بين اسمها، وخبرها فسحة طويلة من الكلام. فإعادة ﴿إِنَّ﴾ أحسن في حكم البلاغة، والفصاحة كالذي تقدم من الآيات" [المثل السائر (ج٣ ص٧) تحقيق د/ بدوي طبانة ود/ الحوفي].

 تكرار الكلمة مع أختها:

ومن أمثلتها قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ﴾ [النمل: ٥] 

فقد تكررت ﴿وَهُمۡ مرتين، الأولى مبتدأ خبرها: ﴿ٱلۡأَخۡسَرُونَ﴾، والثانية ضمير فصل جيئ به؛ لتأكيد النسبة بين الطرفين، وهي: ﴿هُمۡ﴾ الأولى بالأخسرية.

وكذلك قوله تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ [الرعد: ٥] 

تكررت - هنا - ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ ثلاث مرات، ولم تجد لهذه الكلمة المكررة مع ما جاورها إلا حسنًا، وروعة، فالأولى، والثانية: تسجلان حكمًا عامًا على منكري البعث: كفرهم بربهم، وكون الأغلال في أعناقهم، والثالثة: بيان لمصيرهم المهين، ودخولهم النار، ومصاحبتهم لها على وجه الخلود الذي لا يعقبه خروج منها.

ولو أسقطت ﴿أُوْلَٰٓئِكَ﴾ من الموضعين الثاني، والثالث لرك المعنى، واضطرب فتصبح الواو الداخلة على: ﴿ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ﴾ واو حال، وتصبح الواو الداخلة على: ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾ عاطفة عطفًا يرك معه المعنى.

لذلك حسن موضع التكرار في الآية لما فيه من صحة المعنى، وتقويته، وتأكيد النسبة في المواضع الثلاثة للتسجيل عليهم بسوء المصير.

تكرار الفاصلة:

سبق أن ذكرنا في مبحث الفواصل بسوء المصير من تكرار الفاصلة مرتين بدءًا، وثلاث مرات نهاية، وقد وجهنا أسلوب التكرار في تلك الصور، ولكنّا ـ هنا ـ أمام فاصلة لم تقف في تكرارها عند حد المرات الثلاث، بل تعدت ذلك بكثير، لذلك آثرنا أن نبحثها هنا إذ هي بهذا الموضع أنسب [انظر كتابنا: خصائص التعبير في القرآن الكريم وسماته البلاغية (مبحث الفواصل) - مكتبة وهبة بالقاهرة].

ونعتمد في دراستنا لتكرار الفاصلة على ثلاث سور هي: "الرحمن - القمر- المرسلات"، وهي السور التي برزت فيها هذه الظاهرة الأسلوبية بشكل لم يرد في غيرها، كما ورد فيها.

فقد تكررت: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [وردت ٣١ مرة] في "الرحمن" وتكررت ﴿كَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [وردت ٤ مرات] في "القمر" وتكررت: ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [وردت ٠ ١ مرات] في "المرسلات".

تكرار الفاصلة في "القمر":

ولهذا التكرار في المواضع الثلاثة أسباب، ومقتضيات ففي سورة "القمر" نجد العبارة المكررة وهي: ﴿كَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ قد صاحبت في كل موضع من مواضع تكرارها قصة عجيبة الشأن، وكان أول موضع ذكرت فيه عقب قصة قوم نوح، وبعد أن صور القرآن مظاهر الصراع بينهم، وبين نوح -عليه السلام- ثم انتصار الله لنوح عليهم، حيث سلط عليهم الطوفان، فأغرقهم إلا من آمن، وعصمه الله.

ونجد أن الله نجى نوحًا، وتابعيه، ولكن تبقى هذه القصة موضع عظة، وادكار، ولتلفت إليها الأنظار، وللتهويل من شأنها جاء قوله تعالى عقبها: ﴿كَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ مصدرًا باسم الاستفهام ﴿كَيۡفَ﴾ للتعجيب مما كان، ولقد مهّد لهذا التعجيب بالآية السابقة عليه، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: ٢٢] 

والموضع الثاني لذكرها حين قص علينا القرآن قصة عاد، وعتوها عن أمر الله وفي "عاد" هذه نجد العبارة اكتنفت القصة بدءًا، ونهاية قال تعالى: ﴿كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ * تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ * فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٨-٢١] 

وتكرار العبارة، ـ هكذا - في البداية، والنهاية إخراج لها مخرج الاهتمام، مع ملاحظة أن أحداث القصة - هنا - صُورت في عبارات قصيرة، ولكنها محكمة وافية، ولم يسلك هذا المسلك في قصة نوح – أعني قصر العبارات - والسبب - فيما يبدو لي - أن إهلاك قوم نوح كان بالإغراق في الماء، وهي وسيلة كثيرًا ما تكون سبب هلاك، فقد كانت سبب هلاك فرعون وملئه، أما أن يكون الإهلاك بالريح فذلك أمر يدعو إلى التأمل والتفكر.


ولعل مما يقوي رأينا هذا أن هذه القصة - قصة عاد - وردت في موضع آخر من القرآن يتفق مع هذا الموضوع من حيث الفكرة، ويختلف معه - قليلًا - من حيث طريقة العرض، وزيادة التفصيل.

جاء في سورة الحاقة: ﴿وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ *سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ * فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ﴾ [الحاقة: ٦-٨] 

فإرسال الريح - هكذا - سبع ليال، وثمانية أيام حسومًا مدعاة للعظة والاعتبار.

ومثله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ﴾[الذاريات: ٤١-٤٢]  ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ *فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥-١٦] 

فقد بطرت "عاد" نعم ربها عليها، وغرها ما فيه من أسباب التمكين في الأرض، وقوة البطش أن تبارز ربها، ومولى نعمها بالمعاصي، فأهلكها الله بما لا قِبل لها به، وفي كل موضع يذكر القرآن فيه قصة هؤلاء، تأتي عباراته قوية هادرة واعظة زاجرة.

جاء في موضع آخر ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ﴾ [الفجر: ٦-٧] 

وكانت عاقبتها خسرًا، وهلاكًا مع من طغى في الأرض بغير الحق: ﴿فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ *إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ﴾ [الفجر: ١٣-١٤] 

أما الموضع الأخير الذي ذكرت فيه هذه العبارة: ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ فحين قص الله علينا قصة "ثمود"، وقد جاءت فيها كذلك مهيئة لتلقى صورة العقاب بعد التشويق إليها عند السامع، ولفت نظره إليها: ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ * إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ﴾ [القمر: ٣٠-٣١] 

ومن هنا ندرك شدة اقتضاء المقام لهذا التكرار، فليست إحدى العبارات في موضع بمغنية عن أختها في الموضع الآخر، إنما هو اتساق عجيب تطلبه المقام من الناحيتين: الدينية، والأدبية.

من الناحية الدينية حيث تحمل المومنين على التذكر، والاعتبار عقب كل قصة من هذه القصص، ومن الناحية الأدبية؛ لأن العبارة: ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ تأتي عقب كل قصة - أيضًا - لافتة أنظار المشاهدين إلى "كنه" النهاية، وختام أحداث القصة.

وقد مهد القرآن لهذا التكرار حيث لم يأت إلا بعد خمس عشرة آية تنتهي كلها بفاصلة واحدة تتحد نهاياتها بحرف "الراء" مع التزام تحريك ما قبلها، وذلك هو نهج فواصل السورة كلها، وقد أشاع هذا النسق الشاجي نوعًا من الإحساس القوي بجو الإنذار، والسورة فوق كل هذا مكية النزول، والموضوع.

كما أن الطابع القصصي هو السائد في هذه السورة، فبعد أن صور القرآن الكريم موقف أهل مكة من الدعوة الجديدة، وبين ضلال مسلكهم، وقد كان الرسول ﷺ حريصًا على هدايتهم في وقت هم فيه أشد ما يكونون إعراضًا عنه، لهذا اقتضى الموقف العام سوق عبر الماضين؛ ليكون في ذلك تسلية للرسول ﷺ ومن اتبعه، وزجر لمن عارضه، وصد عنه.

وما دام هذا هو طابع السورة فإن أسس التربية - خاصة تربية الأمم - تستدعي تأكيد الحقائق بكل وسيلة، ومنها التكرار الذي لمسناه في سورتنا هذه، حتى لكأنه أصيل فيها وليس بمكرر.

تكرار آخر في سورة "القمر":

وفي هذه السورة "القمر" مظهر آخر من مظاهر التكرار، هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ [القمر: ١٧، ٣٢،٢٢، ٤٠] حيث ورد في السورة أربع مرات، وهذه دعوة صالحة للتأمل فيما يسوقه الله من قصص.

وقد اشتملت هذه الآية: ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ﴾ على خبر، واستفهام، والخبر تمهيد للاستفهام الذي فيها، ولفت النظر إليه.

التكرار في سورة "الرحمن":

أما التكرار الوارد في "الرحمن" في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ حيث تكررت الآية فيها إحدى، وثلاثين مرة، فله أسبابه كذلك، ويمكن أن نسجل هذه الملاحظات:

أولًا: إن هذا التكرار الوارد في سورة "الرحمن" هو أكثر صور التكرار الوارد في القرآن على الإطلاق.

ثانيًا: إنه - أي التكرار في هذا الموضع - قد مُهّدَ له تمهيدًا رائعًا، حيث جاء بعد اثنتي عشرة آية متحدة الفواصل، وقد تكررت في هذا التمهيد كلمة "الميزان" ثلاث مرات متتابعة دونما نبو، أو ملل:

﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ *أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ * وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ﴾ [الرحمن: ٧-٩]، وهذا التمهيد قد أشاع -كذلك- لحنًا صوتيًا عذبًا كان بمثابة مقدمة طبيعية لتلائم صور التكرار، ولتألفها النفس وتأنس بها فلا تهجم عليها هجومًا؛ لأن القرآن قد راعى في فواصل المقدمة التمهيدية ما أنبنت عليه فواصل الآية المكررة.

ثالثًا: إن الطابع الغالب على هذه السورة هو طابع تعداد النعم على الثقلين: الإنس، والجن، وبعد كل نعمة، أو نعم يعددها الله تأتي هذه العبارة: ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

وعلى هذا الأساس يمكن بيسر فهم علّة التكرار الذي حفلت به سورة الرحمن أنه تذكير، وتقرير لنعمه، وأنها من الظهور بمكان فلا يمكن إنكارها، أو التكذيب بها.

فتكرار الفاصلة في "الرحمن" يفيد تعداد النعم، والفصل بين كل نعمة، وأخرى؛ لأن الله سبحانه عدد في السورة نعماءه، وذكر عباده بآلائه، ونبههم على قدرها، وقدرته عليها، ولطفه فيها، وجعلها فاصلة بين كل نعمة؛ لتعرف موضع ما أسداه إليهم منها، ثم فيها إلى ذلك معنى التبكيت، والتقريع، والتوبيخ؛ لأن تعداد النعم، والآلاء من الرحمن تبكيت لمن أنكرها كما يبكت منكر أيادي المنعم عليه من الناس بتعديدها" [خزانة الأدب للحموي: ص ١٤٤ - ٥ ٤ ١] ولقائل أن يسأل: إن هذه الفاصلة قد تكررت بعدما هو ليس بنعمة من وعيد، وتهديد، فكيف يستقيم التوجيه إذن بعد هذه الآيات؟

﴿يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ * فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٥-٣٦] ﴿يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ*فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤١-٤٢]   

﴿هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ * فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٤٣-٤٥]، وظاهر هذه الآيات بلاء، وانتقام، وليس بنعم.

والجواب: ولكن المتأمل يدرك أن في الإنذار، والوعيد، وبيان مآل الضالين عصمة للإنسان من الوقوع فيما وقعوا فيه فيكون مصيره مصيرهم.

ومن هذا الاعتبار يتبين أن هذه المواضع مندرجة تحت النعم؛ لأن النعمة نوعان: إيصال الخير، ودفع الشر، والسورة اشتملت على كلا النوعين فلذلك كررت الفاصلة.

التكرار في سورة "المرسلات":

بقي التكرار الوارد في سورة "المرسلات"، وقد صنع ما صنع في نظيريه في "القمر" و "الرحمن" من التقديم له بتمهيد، وله – مثلهما - هدف عام اقتضاه.

بيد أن التمهيد يختلف عما سبق في "القمر" و "الرحمن" فقد رأينا فيهما اتحاد الفاصلة في الحروف الأخيرة مع التزام نهج معين قيما قبله، أما هنا فإن الأمر يختلف.

فقد اشتمل التمهيد على مجموعتين من الآيات: أولاهما: لها فاصلة تختلف عن ثانيتهما وهي: ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا * فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا * وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا * فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا *فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا * عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا﴾ [المرسلات: ١-٦] 

وختمت هذه المجموعة بقفلة هي سر الجمال كله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ﴾ [المرسلات: ٧] 

ما قبلها مقسم به، وهي جواب القسم، والمقسم به متعدد كأجزاء الشرط إذا بدئت بها السور، وهي - كما تقدم - خصائص تعبيرية آسرة.


وبجواب القسم تنتهي هذه المجموعة ثم تبدأ المجموعة الثانية وهي: ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ * وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتۡ * وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ * وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ * لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ * لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ * وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ * وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: ٨-١٥] 

وهذه المجموعة تتكون من:

أولًا: شرط يتكرر أربع مرات محذوف الجواب، وكله حديث عن أهوال القيامة، ومقدمات البعث.

ثانيًا: استفهام يعتبر مدخلًا لحقيقة مهمة تقودنا إلى الهدف المنشود، وهو التوصل إلى مصير المكذبين يوم الدين.

ثالثًا: جواب هذا الاستفهام الذي اشتمل على كلمة: ﴿يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ وكانت هذه الكلمة الشعاع الذي قادنا إلى الساحة الكبرى: ساحة القضاء العادل، والقصاص الحكيم: ﴿لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ * لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ * وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ * وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾

فانظر إلى هذا التمهيد الحكيم الذي مهد القرآن به لهذه العبارة، حتى لكأنها هي المقصودة.

ثم تكررت هذه الآية: ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ﴾ عشر مرات بعد هذه المرة، وهي في كل مواضعها تتلو مشهدًا من مشاهد القيامة، وصورة من صور الحشر، أو مشاهد القدرة الإلهية.

سبب عام:

أما السبب العام الذي اقتضى هذا التكرار فإن الآية أعقبت ما من شأنه أن يكون أكبر داع من دواعي الإيمان، والتصديق، بحيث يكون الخارج عن هذا السلوك، والمكذب به صائرًا - لا محالة - إلى الويل، والعذاب الأليم.

فويل للمكذبين بيوم الفصل، وويل للمكذبين بهلاك المجرمين، وويل للمكذبين بقدرة الله وتقديره أرزاق الخلق، وعلى هذا المنهج يمضي التكرار في السور كله.

الخلاصة

يُعدّ التكرار في القرآن الكريم مظهرًا من مظاهر إعجازه البياني، إذ يأتي لتحقيق أغراض متعددة كترسيخ المعاني الإيمانية والتشريعية، وتأكيد الحقائق، وتقوية التأثير النفسي والروحي في السامع، كما يسهم في تحقيق الانسجام داخل السورة، ويتنوع التكرار في صوره بين تكرار الكلمات والأدوات والفواصل والقصص، بحيث يؤدي كل نوع وظيفة مخصوصة بحسب المقام والسياق، مما يجعل التكرار في القرآن الكريم عنصرًا بلاغيًا مقصودًا يعمق الفهم ويزيد النص جلالًا وروعة.

موضوعات ذات صلة

إعراب القرآن ضروريٌ لفهم القرآن فهمًا دقيقًا، وقد بذل علماء النحو والمفسرون جهودًا في وضع قواعد الإعراب وتطبيقها على القرآن.

كيف يكون القرآن عربيًا مبينًا، وبه كلمات أعجمية كثيرة، من فارسية، وآشورية، وسريانية، وعبرية، ويونانية، ومصرية، وحبشية، وغيرها؟

الكلمات التي يُظن أنها غريبة هي في الحقيقة كلمات عربية أو "مُعرّبة" كانت شائعة الاستعمال في عصر نزول القرآن.