يثير بعض الطاعنين شبهة حول عودة الضمير الجمعي في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ﴾ [البقرة: ١٧] رغم ذكر الموصول المفرد، ويقوم الرد على فهم طبيعة المثل، وسياق الآية، والاستعمال العربي الفصيح الذي يجمع بين دقة النحو وروعة البلاغة.
يثير بعض الطاعنين شبهة حول عودة الضمير الجمعي في قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ﴾ [البقرة: ١٧] رغم ذكر الموصول المفرد، ويقوم الرد على فهم طبيعة المثل، وسياق الآية، والاستعمال العربي الفصيح الذي يجمع بين دقة النحو وروعة البلاغة.
قال تعالى: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ﴾ [البقرة: ١٧] في هذه الآية، ورد الضمير "بنورهم" جمعًا، مع أن اسم الموصول الذي يعود عليه الضمير هو "الذي" المفرد، فكيف عاد الضمير جمعًا على مفرد؟! أليس الصواب أن يُقال: "ذهب الله بنوره" ليوافق الضمير ما يعود عليه من حيث الإفراد؟!
ومنشأ هذه الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِی ظُلُمَٰتࣲ لَّا یُبۡصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧].
ذكروا هذه الآية، ووقفوا عند قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ﴾ [البقرة: ١٧] وعلقوا عليه قائلين: وكان يجب أن يجعل الضمير العائد على المفرد مفردًا، فيقول: "استوقد -ذهب الله بنوره"!
لم يُعد الضمير في قوله تعالى: ﴿بِنُورِهِمۡ﴾ إلى الذي المفرد، بل إلى المنافقين المذكورين أول الآية في قوله: ﴿مَثَلُهُمۡ﴾، فـ "الذي" هنا بمعنى الجماعة أو مشبَّه به عارض في سياق المثل، وبعد انتهاء دوره يعود الكلام إلى الأصل: المنافقين، لذلك جاء الضمير جمعًا موافقًا للمشبه لا للمثال، وهذا هو الاستعمال العربي الفصيح.
هذه الآية مضروبة مثلًا لبيان حال المنافقين في تذبذب أحوالهم وتقلبهم في مواقفهم، وانتهازهم الفرص السانحة لتحقيق أغراضهم الدنيوية، وعدم ثباتهم على مبدأ خلقي قويم، وقد تقدم على هذه الآية آية أخرى تصف سعيهم الضال، وإيثارهم منافع الدنيا العاجلة الفانية، على ما عند الله عز وجل مقضيًا عليهم بالخسران المبين، وهي قوله تعالى: ﴿أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ ٱشۡتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُوا۟ مُهۡتَدِینَ﴾ [البقرة: ١٦].
ثم استأنف القرآن الحديث عنهم في: ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا فَلَمَّاۤ أَضَاۤءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِی ظُلُمَٰتࣲ لَّا یُبۡصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧].
والمثل -بفتح الثاء- هو الشأن والقصة الغريبة التي يكون عليها المتحدث عنه، وهو -هنا- المنافقون، مَثَّلَ الله حالهم وشأنهم الذي هم عليه، وقصتهم الغريبة الراسخة في طباعهم بمثل رجل أو فريق من الناس طلب إيقاد نار للانتفاع بها في تحقيق الرؤية، وإبصار الطريق للسير فيه، فلما أضاءت النار ما حوله وفرح بها سرعان ما أطفاها الله فأظلمت عليه الدنيا، فوقع في حيرة وارتباك.
وجمع الضمير في "بنورهم" ليس عائدا على "الذي" المفرد المذكور في ﴿ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا﴾ [البقرة: ١٧]، وقد وجَّه النحاة جمع الضمير بعد "الذي" فقالوا: إن الذي ليس بمعنى المفرد، بل هو بمعنى "الذين" وذكروا أن "الذي" في الاستعمال اللغوي له معنيان:
الأول: أن يكون بمعنى المفرد، وهو الغالب والكثير فيه.
والثاني: أن يكون بمعنى الجمع، ويفرق بينهما بالقرائن، ففي الآية التي معنا: "الذي" بمعنى الفريق أو الفوج الذي استوقد النار.
هذا رأى في توجيه رد الضمير جمعًا على "الذي" وقد عبروا عن هذا بقولهم: أراد بالذي جنس المستوقد، لا فردًا معينًا.
ويرى بعض العلماء أن "الذي" هو - هنا - "الذين" حذفت منه "النون" لاستطالته، وهو مثل: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ﴾ [التوبة: ٦٩]، وليس في الكلام تشبيه الجماعة بالواحد على هذا التأويل، وأن المشبه هو حال المنافقين، بحال الذي استوقد نارًا، تشبيه معنى مركب بمعنى مركب، وليس تشبيه ذوات المنافقين بذات الذي استوقد نارًا، فهذا غير مقصود، وإنما المقصود هو تشبيه قصة المناقين المضروب لها المثل بقصة المستوقد للنار، وأن ذوات المنافقين بذات الذي استوقد نارا، فهذا غير مقصود وإنما المقصود هو تشبيه قصة المنافقين المضروب لها المثل بقصة المستوقد للنار وأن وجه الشبه بين القصتين هو: "فبقوا خابطين في ظلام، متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار.
ومن هنا قالوا: "الذي" مَوضُوعٌ موْضِعَ الذين أي كمثل الذين استوقدوا، وذلك موجود في كلام العرب، كقول الشاعر:
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... همُ القوم، كل القوم، يا أم خالد
ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِی خَاضُوۤا۟ۚ﴾ [التوبة: ٦٩]، وقوله -تعالى-:﴿وَٱلَّذِی جَاۤءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦۤ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٣]
وعليه: بعد هذا العرض لأئمة النحاة والمفسرين يتضح جليًا أن الاستعمال القرآني في "مثلهم كمثل الذى استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم" استعمال عربي فصيح في غاية الفصاحة، وله شواهد في كلام العرب المحتج بكلامهم، وإن كان القرآن غنيًا عن الاستشهاد من خارجه على عروبته وسلامته من كل خطأ؛ لأنه من أصح مصادر اللغة العربية، ومع هذا فإن ما قاله الأئمة الأعلام يحيل شبهة هؤلاء المتطاولين على كتاب الله العزيز هباءً منثورًا، هذا هو دور النحو في إبطال هذه الشبهة، وللبلاغة دور مهم في الرد عليهم نلخصه في الآتي:
إن المثل في الآية مسوق أساسًا لتمثيل شأن المنافقين، أما قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِی ٱسۡتَوۡقَدَ نَارࣰا﴾ [البقرة: ١٧]، فأمر عارض اقتضاه مقام الحديث عن تمثيل حال المنافقين فهو أشبه ما يكون بالجملة الاعتراضية، لولا أنها مشبه به، ولما أدت الدور المراد منها تحول الحديث إلى الأصل المسوق من أجله الكلام، وبدأ هذا التحول من قوله تعالى: ﴿ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ﴾ [البقرة: ١٧] فَجَمْعُ الضمير في ﴿بِنُورِهِمۡ﴾ منظور فيه إلى نظيره في ﴿مَثَلُهُمۡ﴾ فكان ضمير الجمع في ﴿بِنُورِهِمۡ﴾ مطابقًا أصالة لمقام الحديث أما "الذي استوقد نارًا" فصار مسكوتًا عنه بعد أداء دوره المراد منه.
وعلى هذا فإن التوجيه البلاغي لجمع الضمير في "بنورهم" يغني عن التوجيهات التي أبداها النحاة والمفسرون إذ لا معول في التوجيه البلاغي على اعتبار "الذي" بمعنى الذين، أو هو "الذين" حذف منه النون ومحال أن يستقيم ما قاله مثيرو هذه الشبهة أن الصواب هو إفراد الضمير في ﴿بِنُورِهِمۡ﴾ لأنه لو قيل: ذهب الله بنوره وتركه في ظلمات لا يبصر، لتحول الكلام إلى غير المنافقين المضروب لهم المثل، ولا زالت كل الروابط بين صدر الآية وعجزها، وهذا لا يقول به عاقل.
الخلاصة
يُرد على هذه الشبهة بأن "الذي" هنا بمعنى الجمع "الذين" حذفت نونه للتخفيف، أو يُراد بها "الجنس" والفريق، وهو استعمال فصيح موثق في العربية وله نظائره في القرآن.
كما يُرد بلاغيًا بأن محور الكلام هو المنافقون (مثلهم)، أما "الذي استوقد" فصورة تمثيلية عارضة؛ لذلك عاد الضمير "بِنُورِهِمۡ" إلى المشبّه (المنافقين) ليؤكد وقوع العقوبة على الجماعة، لا على الشخصية الافتراضية في المثل، وهذا التركيب يجمع بين دقة النحو وقمة البلاغة، ويحفظ السياق والمعنى المقصود.
يُثبت النصب لكلمة «المقيمين» بأسلوب الاختصاص لبيان فضل الصلاة، وهو أسلوب عربي شائع يجمع بين البلاغة والدقة النحوية، مدعوم بشواهد لغوية ونحوية قوية.
يُظهر التكرار في القرآن الكريم عظمة البيان الإلهي، إذ يأتي لتأكيد المعاني وترسيخ القيم، فيمنح النص قوة وجمالًا يجعل القارئ يعيش معانيه بعمق وتأمل.
تُثار شبهة حول استخدام اسم الموصول "مَن" في قوله تعالى ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ﴾ بدلًا من المصدر "أن تؤمنوا"، بزعم أن البر هو الفعل لا فاعله، وهذا جهل ببلاغة القرآن الكريم وعمق التعبير اللغوي.