تثار شبهة حول استخدام كلمة "معدودة" في الآية الكريمة ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ﴾، حيث يدّعي البعض أنها جمع كثرة بينما السياق يدل على القلة، مقترحين استخدام "معدودات" بدلاً منها.
تثار شبهة حول استخدام كلمة "معدودة" في الآية الكريمة ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ﴾، حيث يدّعي البعض أنها جمع كثرة بينما السياق يدل على القلة، مقترحين استخدام "معدودات" بدلاً منها.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ﴾ [البقرة: ٨٠] جاءت كلمة "معدودة" جمع كثرة، رغم أن المقام يدل على قلة هذه الأيام، فكيف استُخدم جمع الكثرة "معدودة" بدلًا من جمع القلة "معدودات"؟! أليس من الصواب – كما زعموا – أن يُقال: "أيامًا معدودات" بدل "معدودة" لتدل على قلة العدد؟!
ومنشأ هذه الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدࣰا فَلَن یُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥۤۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: ٨٠].
أخذو من هذه الآية كلمة "معدودة" وتوهموا أن القرآن أخطأ فيها؛ لأنها -عندهم- جمع كثرة، والمقام الذي استعملت فيه يتطلب جمع القلة، ثم علقوا قائلين: "وكان يجب أن يجمعها جمع قلة، حيث إنهم أرادوا القلة، فيقول: أيامًا معدودات"، هكذا عبروا عن جهلهم، وهم يحسبون -أو لا يحسبون- أنهم العلماء الأفذاذ الذين يعلمون ما لم يعلمه أحد -حتى الله- من شئون اللغة والبيان، وهم -بحق- لا يكادون يفقهون حديثًا.
الآية تحكي دعوى اليهود بأن عذابهم في النار أيام قليلة، فأنكر الله عليهم ذلك لأنهم بلا عهد من الله، وإلا فهم مفترون كاذبون، أما اعتراضهم على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ﴾ [البقرة: ٨٠] بدل "معدودات" فجهلٌ منهم؛ وذلك للأمور الآتية:
١. معدودة ليست جمعًا أصلًا، فلا تُوصف بأنها جمع كثرة أو قلة، فهي مفرد مؤنث موافق لكون الأيام غير عاقلة، فالوصف جاء على الأصل.
٢. معدودات ليست جمع قلة كما يظنون، بل هي من جموع الكثرة (وزن مفعولات).
٣.الاختلاف بين (معدودة) و(معدودات) سببه اختلاف السياق:
o آية البقرة سياقها إيجاز فجاء الوصف موجزًا: معدودة.
o آية آل عمران سياقها إطناب وتوكيد فجاء الوصف أطول: معدودات.
فالآيتان بلغتهما ومعناهما محكمتان، والاعتراض مبني على جهل باللغة وسياقات البلاغة القرآنية.
هذه الآية نزلت تحكى قولًا قاله اليهود، يكشف عن الغرور الذي ملأ أنفسهم، فقد زعموا أنهم إذا دخلوا النار فإنها لا تمسهم إلا مسًا خفيفًا، وأنهم لن يخلدوا فيها، بل يقضون عدة أيام، وهذا تطاول منهم، لأن شئون الآخرة لا يعلمها إلا الله.
لذلك كذَّبهم الله، وألزمهم الحجة البالغة له عليهم وحصر مصدر هذا الذي ادعوه في أمرين:
الأول: أن يكون عندهم من الله عهد بما قالوا، والله لا يخلف عهده، وهم في الواقع لا عهد عندهم من الله يحدد فيه مدة مكثهم في النار، ودرجة العذاب الذي سيصيبهم فيها.
الثاني: أو هُمْ يفترون على الله عز وجل، وما دامو ليس عندهم عهد من الله، فهم - إذًا - كاذبون والذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون.
أما مسألة الكثرة والقلة -التي بنى عليها هؤلاء الكارهون لما أنزل الله على خاتم رسله ﷺ- فلا اعتبار لها هنا، وهم وإن حفظوا شيئًا فقد غابت عنهم أشياء، ولذلك أوقعهم جهلهم فيما حاولوا أن يفروا منه؛ لأنهم قالوا إن معدودة، جمع كثرة، واستعمال جمع الكثرة - هنا - خطأ؟؛ لأن اليهود أرادوا جمع القلة - أي أنهم يمكثون في النار أيامًا قليلة، فجاء تعبير القرآن غير وافٍ بالمعنى الذي كانوا يقصدونه، وكان الواجب على القرآن أن يقول: أيامًا معدودات، بدلًا من ﴿أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ﴾ [البقرة: ٨٠] هذا هو قولهم، وهو محض الخطأ لو كانوا يعلمون وذلك للاعتبارات الآتية:
أولًا: لفظ "معدودة" ليست جمعًا بل مفردًا، ليست جمع كثرة ولا جمع قلة، وهؤلاء "العباقرة" جعلوها جمع كثرة، بسبب جهلهم باللغة العربية، لغة الإعجاز.
وثانيًا: أن "معدودات" التي يقولون إنها الصواب وكان حق القرآن أن يعبر بها بدلًا من "معدودة" ظانين أن "معدودات" جمع قلة، وهي ليست جمع قلة كما توهموا، فهي على وزن "مفعولات" وهذا الوزن ليس من أوزان جموع القلة (أوزان جموع القلة هي: فِعْلَة - أفْعاَل - أفعُل - أفْعِلَة) بل من أوزان جموع الكثرة ولا ينفعهم قولهم إن اليهود أرادوا القلة، لأن هذه القلة يدل عليها سياق الكلام لا المفردات المستعملة في التركيب.
وثالثًا: إن هذ التعبير لا ينظر فيه إلى جانب قلة أو كثرة، ولكن ينظر فيه من جانب آخر ليس عند هؤلاء الأدعياء شرف الاتصاف به؛ لأنهم دخلاء على لغة الإعجاز والتنزيل.
هذا الجانب هو: معاملة غير العاقل معاملة العاقل أو عدم معاملته (غير العاقل هو ماعدا الإنسان من مخلوقات الله الأرضية)، ووصف الأيام بـ "معدودة" فيما حكاه الله عن اليهود هو وصف لها بما هو لائق بها، لأن الأيام لا تعقل فأجرى عليها الوصف الذي لغير العقلاء، وما جاء على الأصل فلا يسأل عنه، ولكنهم لجهلهم المركب بلغة الإعجاز حسبوا الصواب خطأ، والخطأ صوابًا؛ لأنهم زجوا بأنفسهم فيما لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
أما معاملة غير العاقل معاملة العاقل، فلها دواعٍ بلاغية لا يعرف عنها مثيرو هذه الشبهات كثيرًا ولا قليلًا، وهي في النظم القرآني من الكثرة بمكان، ولا يعامل غير العاقل معاملة العاقل إلا بتنزيله منزلة العاقل لداع بلاغي يقتضي ذلك التنزيل، وإذا كان القرآن قد عبَّر في وصف "أياما" في آية البقرة هذه بـ "معدودة" وهو وصف غير العاقل جارٍ على الأصل، فإنه عبَّر عن وصفها بـ "معدودات" في موضع آخر، هو قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَٰتࣲۖ وَغَرَّهُمۡ فِی دِینِهِم مَّا كَانُوا۟ یَفۡتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٢٤]
فكان ينبغي أن يسأل هؤلاء عن اختلاف التعبير في الموضعين بدل أن يخطئوا الصواب وهم جاهلون، وها نحن نضع بين أيديهم الحـــــق ناصع البياض في آية البقرة جاء وصف "أيامًا" - "معدودةً" بصيغة الإفراد، وليس جمع كثرة كما زعموا.
وفي آية آل عمران جاء وصف "أيامًا" - "معدودات" جمعا لا إفرادا، فلماذا -إذا- اختلفت صيغة الوصف، والموصوف واحد، هو أيامًا"؟
إذا قارنا بين الآيتين وجدنا آية البقرة مبنية على الإيجاز هكذا: ﴿وَقَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ...﴾ [البقرة: ٨٠]، ووجدنا آية آل عمران مبنية على الإطناب هكذا: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَٰتࣲۖ...﴾ [آل عمران: ٢٤].
وازن بين صدر آية البقرة "وقالوا "، وبين صدر آية آل عمران "ذلك بأنهم قالوا"، تجد أن جملة "ذلك بأنهم" هذه العبارة اشتملت على اسم الإشارة الموضوع للبعيد، الرابط بين الكلامين السابق عليه، واللاحق به، ثم تجد "الباء " الداخلة على "إن" في "بأنهم"، ثم "إن" التي تفيد التوكيد، ثم ضمير الجماعة "هم"، وهذه الأدوات لم يقابلها في آية البقرة، إلا واو العطف "وقالوا" إذًا المقامان مختلفان، أحدهما إيجاز، والثاني إطناب.
وهذا يبين بكل قوة ووضوح لماذا كان "معدودة"، في آية البقرة؟ و"معدودات" في آية آل عمران؟
كان وصف "أيامًا" في آية البقرة "معدودة"؛ لأن المقام فيها مقام إيجاز كما تقدم فناسب هذا المقام الإيجازي أن يكون الوصف موجزًا هكذا "معدودة"، وكان الوصف في آية آل عمران مطنبا "معدودات" بزيادة "الألف" ليناسب مقام الآية الإطنابي كما تقدم [انظر: ملاك التأويل، القاطع لذوي الإلحاد والتعطيل في توجيه المتشابه من آي التنزيل (٢٨١/١) للعلامة أحمد بن الزبير القرناطي، دار النهضة العربية]، فانظر إلى هذه الدقائق واللطائف البيانية المعجزة التي عميت عنها مدارك " الخواجات " المتعالمين.
الخلاصة:
الشبهة قائمة على جهلٍ باللغة، فالقرآن قال: ﴿أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَةࣰۚ﴾ [البقرة: ٨٠]؛ لأن الأيام غير عاقلة، فالوصف جاء مفردًا على الأصل، وقال في موضع آخر: ﴿مَعْدُودَات﴾ [آل عمران: ٢٤]؛ لأن سياق الآية أطول وفيه تأكيد فناسبه الجمع، والفرق سببه اختلاف السياق البلاغي، وليس خطأ في العربية.
الفعل "نال" يتيح تبادل الفاعل والمفعول بحسب السياق، موضحًا دلالته النحوية والبلاغية في القرآن الكريم وعلاقته بالظالمين والتقوى.
هل تعددَ القراءات يدليل على الاختلاف في القرآن ويعد نوعا من التحريف؟
يُثبت النصب لكلمة «المقيمين» بأسلوب الاختصاص لبيان فضل الصلاة، وهو أسلوب عربي شائع يجمع بين البلاغة والدقة النحوية، مدعوم بشواهد لغوية ونحوية قوية.