Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شبهة الخلط بين الإسكندر وذي القرنين

الكاتب

هيئة النشر

شبهة الخلط بين الإسكندر وذي القرنين

يناقش هذا الطرح حقيقة شخصية "ذي القرنين" المذكورة في القرآن الكريم، ويفكك الخلط التاريخي الشائع بينه وبين الإسكندر المقدوني، مبينًا الأدلة العقلية والنقلية التي تفصل بين الشخصيتين.

عرض الشبهة

تتركز الشبهة حول ما يُتوهّم أنه تناقض تاريخي في النص القرآني؛ حيث تصف آيات سورة الكهف (٨٣-٩٨) "ذا القرنين" بأنه عبد صالح، وملك عادل، وموحد بالله يؤمن بالبعث والحساب، وفي المقابل، ربطت بعض المصادر التاريخية وتفاسير القدامى بين هذه الشخصية وبين "الإسكندر الأكبر المقدوني".

وهذا الإشكال يكمن في أن الإسكندر المقدوني -وفقًا لإجماع المؤرخين الإغريق- كان يعبد الأوثان وتلميذًا للفلاسفة اليونانيين، ولم يكن موحدًا، فكيف يمدح القرآن شخصية لا تؤمن بالله ويخلع عليها صفات الإيمان والولاية؟ وهل يعد هذا خلطا تاريخيًا في القرآن؟

الرد المختصر على الشبهة

حكاية ذي القرنين في القرآن الكريم جاءت في سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا﴾ [الكهف: ٨٣ -٨٤].

وخلال هذه الآيات يتبدى عدل وإيمان "ذي القرنين" فيقول: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا * وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا﴾ [الكهف: ٨٧-٨٨]، تلك هي تسمية القرآن الكريم لهذا الملك "ذي القرنين".

ونلاحظ هنا أن القرآن الكريم لم يذكر أبدًا أن "ذا القرنين" هو الإسكندر المقدوني، ولم يرد ذلك في حديث صحيح، وهذا الربط هو محض اجتهاد بشري خاطئ تسرب إلى كتب التفسير عبر "الإسرائيليات" والروايات التاريخية غير المحققة، وبما أن القرآن يصف ذا القرنين بالتوحيد والصلاح، والتاريخ يصف الإسكندر بخلاف ذلك، فالعقل يقتضي أنهما شخصيتان مختلفتان تمامًا، ولا يُحاكم النص القرآني بتفسيرات تاريخية ظنية ربما أخطأ أصحابها في تحديد الشخصية.

الرد التفصيلي على الشبهة

للرد على هذه الشبهة بشكل دقيق ومنضبط عقليًا، يجب تفكيك المقدمات التي بنيت عليها النتيجة الخاطئة، وذلك عبر النقاط التالية:

أولًا: استقلالية النص القرآني: القرآن الكريم أطلق على الشخصية لقب "ذا القرنين" وحدد هويته الإيمانية (التوحيد، العدل، الإيمان باليوم الآخر) كما في الآيات: ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا * وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا﴾ [الكهف: ٨٧-٨٨]، والقرآن لم يذكر اسم "الإسكندر" ولا حدد زمنه، وعليه فلا يصح إلزام النص القرآني المعصوم باجتهادات المفسرين أو المؤرخين القابلة للخطأ.

ثانيًا: نقد الروايات التاريخية: عند التمحيص العلمي للنصوص الواردة في كتب السيرة والتفسير التي ربطت بين "ذي القرنين" القرآني و"الإسكندر المقدوني"، يتبين أن هذا الربط لا يستند إلى أصل شرعي (قرآن أو سنة صحيحة)، بل هو نتاج تداخل روايات تاريخية غير محققة.

قال ابن هشام رحمه الله: "قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ يَسُوقُ الأحاديثَ عَنْ الْأَعَاجِمِ فِيمَا تَوَارَثُوا مِنْ عِلْمِهِ: أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ كَانَ رَجُلًا مِنْ أهلِ مِصْرَ، اسمُه مُرْزُبان بْنُ مَرْذبة الْيُونَانِيُّ، مِنْ وَلَدِ يُونَانِ بْنِ يَافِثَ بْنِ نُوحٍ.

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُهُ ‌الِإسكندر، وَهُوَ الَّذِي بَنَى الِإسكندرية فَنُسِبَتْ إلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ حَدَّثَنِي ثَوْر بْنُ يَزِيدَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدان الكَلاعيِّ، وَكَانَ رَجُلًا قَدْ أَدْرَكَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئل عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ فَقَالَ: «مَلِك مَسَحَ الأرضَ مِنْ تحتِها بالأسبابِ» ..... قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: اللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ، أَقَالَ ذلك رسول الله ﷺ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَ قَالَهُ، فَالْحَقُّ مَا قال". [السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٢٧٠)]

وقال القرطبي رحمه الله: "وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ ذِي ‌الْقَرْنَيْنِ وَفِي السَّبَبِ الَّذِي سُمِّيَ بِهِ بِذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَأَمَّا اسْمُهُ فَقِيلَ: هُوَ ‌الْإِسْكَنْدَرُ الْمَلِكُ الْيُونَانِيُّ الْمَقْدُونِيُّ، وَقَدْ تُشَدَّدُ قَافُهُ فَيُقَالُ: الْمَقَّدُونِيّ، وَقِيلَ: اسْمُهُ هَرْمَسُ، وَيُقَالُ: اسْمُهُ هرديس، وقال ابن هشام: هو الصعب ابن ذِي يَزِنَ الْحِمْيَرِيُّ مِنْ وَلَدِ وَائِلِ بْنِ حِمْيَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: هُوَ رُومِيٌّ، وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ شَابٌّ مِنَ الرُّومِ، وَهُوَ حَدِيثٌ وَاهِي السَّنَدِ، قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، قَالَ السُّهَيْلِيُّ: وَالظَّاهِرُ مِنْ عِلْمِ الْأَخْبَارِ أَنَّهُمَا اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا: كَانَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، وَيُقَالُ: إِنَّهُ الَّذِي قَضَى لِإِبْرَاهِيمَ عليه السلام حِينَ تَحَاكَمُوا إِلَيْهِ فِي بِئْرِ السَّبُعِ بِالشَّامِ، وَالْآخَرُ: أَنَّهُ كَانَ قَرِيبًا مِنْ عَهْدِ عِيسَى عليه السلام، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَفْرِيدُونُ الَّذِي قَتَلَ بيوراسب بْنَ أرونداسب الْمَلِكَ الطَّاغِيَ عَلَى عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، أَوْ قَبْلَهُ بِزَمَانٍ". [الجامع لأحكام القرآن (١١/ ٤٦، ٤٧)]

ثالثا: التناقض الجذري في الصفات:

ذو القرنين القرآني: حاكم مؤمن، يدعو إلى الله، يقيم العدل، بنى سدًا لحماية الضعفاء لا طلبًا للتوسع.

o الإسكندر المقدوني: قائد عسكري، تلميذ لأرسطو، عُرف بفتوحاته التوسعية وخضوعه لآلهة اليونان المزعومة.

o النتيجة العقلية: بما أن الصفات متضادة، فالموصوف مختلف حتمًا، ومن العبث العقلي الإصرار على أنهما شخص واحد ثم اتهام القرآن بالتناقض، فالصواب هو تخطئة "التفسير التاريخي" الذي دمج بينهما، وليس تخطئة الوحي.

رابعًا: موقف المحققين:

علماء التفسير المدققون كالقرطبي وغيره رفضوا هذا التماهي بين الشخصيتين، وأكدوا أن ذا القرنين ملك صالح متقدم في الزمن أو مختلف في الهوية عن الإسكندر اليوناني.

الخلاصة

"ذو القرنين" ملك صالح وموحد خلّد القرآن ذكره لعدله وإيمانه، وهو شخصية مغايرة تمامًا للإسكندر الأكبر المقدوني، والخلط بينهما ناتج عن إقحام روايات تاريخية دخيلة وتفاسير غير معصومة على النص القرآني، وبسقوط فرضية التطابق بين الشخصيتين، تسقط الشبهة من أساسها.

موضوعات ذات صلة

تتجاوز قصص القرآن السرد التاريخي لتقدم عبرًا وعظات، لكن المشككين يشككون في دقتها مقارنة بالكتاب المقدس، متجاهلين طبيعة الوحي، ومن ذلك ادعاء التناقض التاريخي واستحالة المعاصرة بين إبراهيم عليه السلام والنمرود، وهو ما سنكشف عن زيفه هنا.

هل يتناقض خضوع الكون المطلق لله مع عصيان البشر؟ يزول هذا الإشكال بتمييز نوعي الإرادة الإلهية: التكوينية والشرعية.

تنشأ شبهة حول عصيان إبليس لكون الملائكة مجبولة على الطاعة، والرد على ذلك يكمن في تحديد هوية إبليس بنص قرآني صريح يفصل بين جنسه وجنس الملائكة.