تتجاوز قصص القرآن السرد التاريخي لتقدم عبرًا وعظات، لكن المشككين يشككون في دقتها مقارنة بالكتاب المقدس، متجاهلين طبيعة الوحي، ومن ذلك ادعاء التناقض التاريخي واستحالة المعاصرة بين إبراهيم عليه السلام والنمرود، وهو ما سنكشف عن زيفه هنا.
تتجاوز قصص القرآن السرد التاريخي لتقدم عبرًا وعظات، لكن المشككين يشككون في دقتها مقارنة بالكتاب المقدس، متجاهلين طبيعة الوحي، ومن ذلك ادعاء التناقض التاريخي واستحالة المعاصرة بين إبراهيم عليه السلام والنمرود، وهو ما سنكشف عن زيفه هنا.
تتمحور هذه الشبهة حول ادعاء وجود مفارقة تاريخية في التفسير الإسلامي لقصة إبراهيم عليه السلام.
ويزعم المشككون أن القرآن الكريم، ومن خلال شروح المفسرين، يقرر أن الملك الذي حاجَّ إبراهيم وألقاه في النار هو "نمرود بن كنعان"، ويستند هؤلاء في نقدهم إلى نصوص الكتاب المقدس - سفر التكوين ٨:١٠، ١١، ١٠:٢٢-٢٥، ١١: ١٣ـ ٢٦.
وبحسب زعمهم، فإن الجدول الزمني المستنبط من التوراة يضع "نمرود" في حقبة زمنية تسبق عصر إبراهيم بقرون عديدة، مما يجعل اللقاء بينهما مستحيلًا تاريخيًا، وبناءً على ذلك، يخلصون إلى أن القصة القرآنية التي تذكر محاججة الملك لإبراهيم [البقرة: ٢٥٨] وحادثة الحرق [الأنبياء: ٦٨-٦٩] تتعارض مع "الحقائق التاريخية" الموثقة في الكتاب المقدس، مما يقدح -في زعمهم- في صحة المصدر الإلهي للقرآن الكريم.
إن هذه الشبهة تتهاوى عند التحقيق العلمي والموضوعي لأسباب جوهرية، نوجزها فيما يلي:
١. خلو القرآن من الاسم: القرآن الكريم في سرده للقصة لم يذكر اسم الملك "نمرود" مطلقًا، بل أشار إليه بصفته وفعله فقال: ﴿ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ﴾، وما ورد من تحديد للاسم هو من اجتهادات المفسرين والمؤرخين، والقرآن غير ملزم بأخطاء المؤرخين إن وُجدت.
٢. الغاية القرآنية: القرآن كتاب هداية يركز على جوهر الصراع بين الحق والباطل، وتسمية الشخوص التاريخية ليست شرطًا لتحقق العبرة، ولذا، فإن نقد الاسم هو نقد لكتب التفسير والتاريخ لا للقرآن.
٣. عدم قطعية التوراة: الاعتماد على العهد القديم كمسطرة تاريخية نهائية أمر غير دقيق علميًا؛ لوجود اختلافات في النسخ (العبرية، السامرية، السبعينية) في تحديد الأعمار والأحقاب، فلا يصح محاكمة القرآن إلى نصوص مختلف فيها.
٤. التوافق في المصادر الأخرى: توجد مصادر عبرية وتاريخية معتبرة (مثل "سفر هياشار" وكتابات موسى بن ميمون) تؤيد الرواية الإسلامية وتجمع بين إبراهيم ونمرود في عصر واحد، مما ينفي استحالة اللقاء تاريخيًا حتى عند أهل الكتاب.
٥. احتمالية تشابه الأسماء أو الألقاب: لا يوجد مانع عقلي من أن يكون "نمرود" لقبًا ملكيًا لكل حاكم جبار في بابل، أو أن يتكرر الاسم لعدة ملوك، مما يحل الإشكال الزمني جذريًا.
لبيان تهافت هذه الشبهة بشكل قاطع، نفصل الرد في المحاور التالية:
أولًا: براءة النص القرآني من إشكالية "الأسماء"
منهجية القرآن الكريم فريدة في عرض القصص؛ فهو يعرض "النموذج" لا "الأرشيف"، وفي قصة إبراهيم عليه السلام، ذكر الله تعالى المشهد العظيم للمحاجة: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ...﴾ [البقرة: ٢٥٨]، وذكر محاولة الحرق: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ...﴾ [الأنبياء: ٦٨]، وفي كلا الموضعين، لم يقل الله "قال نمرود" إذن، إقحام اسم "نمرود" هو إضافة تفسيرية نقلها العلماء عن الإسرائيليات والمرويات التاريخية السائدة في عصرهم، فإذا ثبت تاريخيًا أن نمرود لم يعاصر إبراهيم، فإن هذا يخطّئ "المقولة التاريخية" ولا يمس "الآية القرآنية" بشيء.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: "قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هُوَ أَوَّلُ مَلِكٍ فِي الْأَرْضِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَهَذَا مَرْدُودٌ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ أَوَّلُ مَنْ تَجَبَّرَ وَهُوَ صَاحِبُ الصَّرْحِ بِبَابِلَ. وَقِيلَ: إِنَّهُ مَلَكَ الدُّنْيَا بِأَجْمَعِهَا، وَهُوَ أَحَدُ الكافرين، والآخر بخت نصر، وقيل: إن الذي حاج إبراهيم نمروذ ابن فالخ ابن عابر ابن شالخ ابن أرفخشد ابن سَامٍ، حَكَى جَمِيعَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ أنه النمروذ ابن كوش ابن كنعان ابن حام ابن نُوحٍ وَكَانَ مَلِكًا عَلَى السَّوَادِ «٣» وَكَانَ مَلَّكَهُ الضحاك الذي يعرف بالازدهاق واسمه بيوراسب ابن أندراست وَكَانَ مَلِكَ الْأَقَالِيمِ كُلِّهَا، وَهُوَ الَّذِي قتله أفريدون ابن أثفيان، وفية يقول حبيب:
وَكَأَنَّهُ الضَّحَّاكُ مِنْ فَتَكَاتِهِ … فِي الْعَالَمِينَ وَأَنْتَ أَفْرِيدُونُ
وَكَانَ الضَّحَّاكُ طَاغِيًا جَبَّارًا وَدَامَ مُلْكُهُ أَلْفَ عَامٍ فِيمَا ذَكَرُوا. وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَلَبَ وَأَوَّلُ مَنْ قَطَعَ الْأَيْدِيَ وَالْأَرْجُلَ، وَلِلنُّمْرُوذِ ابْنٌ لِصُلْبِهِ يُسَمَّى" كُوشَا" أَوْ نَحْوَ هَذَا الِاسْمِ، وَلَهُ ابْنٌ يُسَمَّى نُمْرُوذَ الْأَصْغَرَ. وَكَانَ ملك نمروذ الأصغر عاما واحد ا، وَكَانَ مُلْكُ نُمْرُوذَ الْأَكْبَرِ أَرْبَعَمِائَةِ عَامٍ فِيمَا ذَكَرُوا. [الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٨٤)]
ثانيًا: التحقيق في المصادر الكتابية (العهد القديم):
حين نعود للمواضع التي استشهد بها المعترض في سفر التكوين (١٠: ٨-١١)، نجد النص يقول: "وكوش ولد نمرود الذي ابتدأ يكون جبارًا في الأرض... وكان ابتداء مملكته بابل..." هذا النص يثبت وجود ملك جبار اسمه نمرود حكم بابل، وهو ما يتطابق مع الصفات المذكورة في القرآن للملك الذي ادعى الربوبية، أما مسألة الفارق الزمني، فهي مبنية على حسابات للأجيال في التوراة، وهي حسابات واجهت انتقادات حتى من داخل الدوائر اللاهوتية لوجود فجوات في سلاسل الأنساب في النصوص القديمة، مما يعني أن عدم ذكر المعاصرة لا يعني نفيها قطعًا.
ثالثًا: التراث العبري يؤيد المعاصرة:
من المفارقات أن المصادر التراثية اليهودية (خارج التوراة الرسمية) تدعم بشدة فكرة الصراع بين إبراهيم ونمرود.
رابعًا: "نمرود" بين العَلَمِيَّةِ واللقب:
من الأوجه القوية في الرد، ما رجحه المحققون من أن "نمرود" قد لا يكون اسمًا شخصيًا فريدًا، بل لقبًا وظيفيًا أُطلق على ملوك بابل المتجبرين، تمامًا مثل لقب "فرعون" لحكام مصر، و"كسرى" للفرس، و"النجاشي" للحبشة، فقد يكون "نمرود" المذكور في سفر التكوين هو المؤسس الأول، والملك الذي حاج إبراهيم هو "نمرود" آخر (حفيد أو ملك تلقب بنفس اللقب)، وهذا الطرح يزيل أي تعارض زمني مفترض، ويجعل الجمع بين النصوص ممكنًا ومنطقيًا.
الخلاصة:
إن الشبهة القائلة بتعارض القرآن مع التاريخ في قصة إبراهيم ونمرود هي شبهة واهية؛ لأنها تحاكم القرآن إلى نص لم يقله (وهو اسم الملك)، وتعتمد على تاريخ توراتي ظني غير قطعي الثبوت.
والحق الذي لا مرية فيه أن القرآن ذكر قصة مواجهة بين نبيٍّ وطاغية عصره بدقة تخدم الغاية الإيمانية، وما عدا ذلك من تحديد للأسماء والتواريخ فهو بحث تاريخي بشري يقبل الصواب والخطأ، ولا يقدح في قدسية وصدق الوحي الإلهي.
ضرب الله الأمثال بالمخلوقات الصغيرة يحمل حكمًا بالغة، يقرب المعاني إلى الأذهان، يميّز بين المصدقين والمكذبين، ويُظهر عظمة الله وقدرته الواسعة.
هل يتناقض خضوع الكون المطلق لله مع عصيان البشر؟ يزول هذا الإشكال بتمييز نوعي الإرادة الإلهية: التكوينية والشرعية.
تنشأ شبهة حول عصيان إبليس لكون الملائكة مجبولة على الطاعة، والرد على ذلك يكمن في تحديد هوية إبليس بنص قرآني صريح يفصل بين جنسه وجنس الملائكة.