يثير البعض جدلًا حول وصف القرآن للسيدة مريم بـ "أخت هارون"، مدعين وجود خلط تاريخي بينها وبين أخت موسى، وفيما يلي بيان لحقيقة هذا اللقب ودلالاته في لغة العرب وسياق الآيات.
يثير البعض جدلًا حول وصف القرآن للسيدة مريم بـ "أخت هارون"، مدعين وجود خلط تاريخي بينها وبين أخت موسى، وفيما يلي بيان لحقيقة هذا اللقب ودلالاته في لغة العرب وسياق الآيات.
يزعم المشككون أن القرآن الكريم وقع في خطأ تاريخي عندما سمى والدة المسيح عليهما السلام باسم "أخت هارون" في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا﴾ [مريم: ٢٨]، ويقولون: لعل النبي محمدًا ﷺ قد خلط بين "مريم أم المسيح"، وبين "مريم" أخرى هي أخت النبيين موسى وهارون عليهم السلام، رغم الفارق الزمني الكبير بينهما، مشيرين إلى أن الكتاب المقدس لا يحتوي على هذا التناقض، مما يعدونه دليلًا على بشرية القرآن.
التسمية بـ "أخت هارون" في الآية ليست إقرارًا من القرآن بقرابة الدم المباشرة بين مريم أم المسيح ونبي الله هارون أخي موسى عليهم السلام، بل هي حكاية دقيقة لما قاله قومها لها على سبيل التشبيه والتهكم؛ فالعرب تطلق لفظ "أخ" أو "أخت" للدلالة على المشابهة في المسلك أو الانتساب إلى الصنف، وكان اسم "هارون" شائعًا في بني إسرائيل للصلاح أو غيره، فقصدوا تشبيهها به، ولم يقصدوا الأخوة النسبية المباشرة.
للرد على هذا الادعاء، يجب النظر في السياق القرآني والعهود اللغوية والتاريخية التي نزلت بها الآيات، وذلك في النقاط التالية:
أولا: السياق حكاية لقول البشر لا إخبار من الله بالنسب: إن وصف "أخت هارون" الوارد في سورة مريم لم يأتِ بصيغة الإخبار الإلهي المباشر عن نسبها (كأن يقول الله: وكانت أختًا لهارون)، وإنما جاء في سياق "حكاية" لما قاله قومها لها، فعندما عادت السيدة مريم تحمل رضيعها عيسى عليه السلام، استنكر قومها ذلك المشهد واتهموها في عفتها، وخاطبوها بأسلوبهم قائلين: ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ...﴾ [مريم: ٢٨]، فالقرآن هنا ينقل بدقة تاريخية ما دار على ألسنة اليهود آنذاك.
ثانيا: القرآن يميز بدقة بين العائلتين: القرآن الكريم يحدد نسب مريم بوضوح في آيات أخرى، حيث قال تعالى: ﴿وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا﴾ [التحريم: ١٢]، ومن المعلوم في الأنساب أن عمران والد مريم هو من نسل "داود" (سبط يهوذا)، بينما هارون وموسى هما من نسل "لاوي" (سبط اللاويين)، والقرآن لم يغفل عن هذا الفارق الزمني والنسبي، بل أكده في مواضع شتى.
ثالثا: المقصد من التسمية (لماذا قالوا يا أخت هارون؟): بما أن القول صادر من قومها، فقد فسر العلماء مقصدهم بهذا اللقب على عدة وجوه، وجميعها تنفي الأخوة المباشرة لهارون النبي عليه السلام:
الوجه الأول (التشبيه في الصلاح): أن "هارون" كان رجلًا صالحًا عابدًا مشهورًا في زمانهم (أو هو النبي هارون نفسه)، فلقبوها بأخته أي "يا شبيهة هارون في العبادة والزهد"، وذلك على سبيل السخرية والتهكم، وكأنهم يقولون: "يا من كنتِ تشبهين الصالحين في سمتهم، كيف أتيتِ بهذا الفعل الشنيع؟".
الوجه الثاني (التشبيه في الفساد): ذهب بعض المفسرين إلى أن "هارون" هذا كان رجلًا معروفًا بالفسق أو السوء في زمانهم، فلما رأوها تحمل طفلًا دون زوج، نسبوها إليه (أخت هارون) تشبيهًا له به في فعل السوء، إعلانًا لإدانتهم لها.
الوجه الثالث (أخوة حقيقية لشخص آخر): ذكرت بعض الروايات أنه كان لها أخ شقيق من أبيها اسمه "هارون"، وكان هذا الاسم شائعًا ومنتشرًا تبركًا بنبي الله هارون، فنادوها بنسبتها إلى أخيها هذا.
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ...﴾ [مريم: ٢٨] أي: يا شبيهة هارون في العبادة ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا﴾ [مريم: ٢٨] أي: أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة، فكيف صدر هذا منك؟
قال علي بن أبي طلحة والسدي: قيل لها: ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ...﴾ [مريم: ٢٨] أي: أخي موسى، وكانت من نسله كما يقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر، وقيل: نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون، فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة، وحكى ابن جرير، عن بعضهم: أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له: هارون." [تفسير ابن كثير ٥/ ٢٢٣]
وقال الإمام القرطبي رحمه الله: "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ...﴾ [مريم: ٢٨] اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْأُخُوَّةِ وَمَنْ هَارُونُ؟ فَقِيلَ: هُوَ هَارُونُ أَخُو مُوسَى، وَالْمُرَادُ مَنْ كُنَّا نظنها مثل هارون في العبادة تأتي بمثل هذا، قيل: على هذا كانت مريم من ولد هارون أَخِي مُوسَى فَنُسِبَتْ إِلَيْهِ بِالْأُخُوَّةِ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَدِهِ، كَمَا يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ: يَا أَخَا تَمِيمٍ وَلِلْعَرَبِيِّ يَا أَخَا الْعَرَبِ، وَقِيلَ كَانَ لَهَا أخ من أبيها اسمه هارون، لِأَنَّ هَذَا الِاسْمَ كَانَ كَثِيرًا فِي بَنِي إسرائيل تبركا باسم هارون أَخِي مُوسَى، وَكَانَ أَمْثَلَ رَجُلٍ فِي بَنِي إسرائيل، قاله الكلبي، وقيل: هارون هَذَا رَجُلٌ صَالِحٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ تَبِعَ جِنَازَتَهُ يَوْمَ مَاتَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا كُلُّهُمُ اسْمُهُ هارون، وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ عَابِدٌ مُنْقَطِعٌ إِلَى اللَّهِ عز وجل يسمى هارون فَنَسَبُوهَا إِلَى أُخُوَّتِهِ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ عَلَى طَرِيقَتِهِ قَبْلُ، إِذْ كَانَتْ مَوْقُوفَةً عَلَى خِدْمَةِ الْبِيَعِ، أَيْ يَا هَذِهِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ مَا كُنْتِ أَهْلًا لِذَلِكَ، وَقَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ بِحَضْرَةِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنها: أَنَّ مريم ليست بأخت هارون أَخِي مُوسَى، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: كَذَبْتَ، فَقَالَ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَهُ فَهُوَ أَصْدَقُ وَأَخْبَرُ، وَإِلَّا فَإِنِّي أَجِدُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُدَّةِ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَتْ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ نَجْرَانَ سَأَلُونِي فَقَالَ إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ...﴾ [مريم: ٢٨] وَمُوسَى قَبْلَ عِيسَى بِكَذَا وَكَذَا، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ»، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّصَارَى قَالُوا لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكَ يَزْعُمُ أَنَّ مريم هي أخت هارون وَبَيْنَهُمَا فِي الْمُدَّةِ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ؟! قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَلَمْ أَدْرِ مَا أَقُولُ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَالْمَعْنَى أَنَّهُ اسْمٌ وَافَقَ اسْمًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا جواز التسمية بأسماء الأنبياء، والله أعلم". [الجامع لأحكام القرآن ١١/ ١٠٠].
الخلاصة:
تسمية مريم بـ "أخت هارون" ليست خطأً تاريخيًا ولا خلطًا بين الشخصيات، بل هي نقل أمين من القرآن لما قاله بنو إسرائيل لمريم؛ حيث استخدموا أسلوب التشبيه والمقارنة المعروف في لغتهم، إما تهكمًا بتشبيهها بالصالحين وهي في نظرهم مذنبة، أو ذمًا بتشبيهها برجل سوء، أو نسبةً لأخٍ لها يحمل هذا الاسم الشائع، وكل هذه التفسيرات تؤكد دقة القرآن وتنزيهه عن التناقض.
تنشأ شبهة حول عصيان إبليس لكون الملائكة مجبولة على الطاعة، والرد على ذلك يكمن في تحديد هوية إبليس بنص قرآني صريح يفصل بين جنسه وجنس الملائكة.
يتعرض القرآن الكريم لشبهة حول موقفه من الشرك وعدم غفرانه، بالنظر لقصة نبي الله إبراهيم عليه السلام.
ضرب الله الأمثال بالمخلوقات الصغيرة يحمل حكمًا بالغة، يقرب المعاني إلى الأذهان، يميّز بين المصدقين والمكذبين، ويُظهر عظمة الله وقدرته الواسعة.