تُثار شبهة حول استخدام الفعل المضارع ﴿فَيَكُونُ﴾ في الآية التي تحكي خلق آدم (كن فيكون)، حيث يزعم البعض أن سياق القصة الماضية يقتضي استخدام صيغة الماضي "فكان".
تُثار شبهة حول استخدام الفعل المضارع ﴿فَيَكُونُ﴾ في الآية التي تحكي خلق آدم (كن فيكون)، حيث يزعم البعض أن سياق القصة الماضية يقتضي استخدام صيغة الماضي "فكان".
منشأ هذه الشبهة: هو قوله عز وجل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ذكروا هذه الآية، ثم قالوا في تصويب الخطأ الذي توهموه فيها: كان يجب أن يعتبر المقام الذي يقتضي صيغة الماضي، لا المضارع فيقول: "قال له كُنْ فكان"؟!
التعبير القرآني "كن فيكون" هو الواجب بلاغة وبيانًا، وأبلغ من "كن فكان"؛ وذلك لثلاثة أسباب:
١. استحضار الصورة: استخدام المضارع لـ حكاية الحال الماضية ينقل الحدث إلى ذهن السامع وكأنه يراه الآن.
٢. دلالة الاستمرار: المضارع يدل على استمرار الوجود والتجدد، مما يشمل خلق آدم واستمرار نسله، خلافًا لدلالة الماضي على الانقطاع.
٣. التوكيد والتناسب الصوتي: يحقق التوكيد بتكرار الإسناد ويحافظ على التناسق الصوتي الآسر مع فواصل الآيات.
وجه المفسرون والنحاة قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ هي حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ [انظر: البحر المحيط في التفسير ٣ /١٨٦، لأبي حيان الأندلسي]
وهي عبارة تحتاج إلى بيان ما هي حكاية الحال الماضية؟
يريد الإمامان أن المضارع "يكون" دلالته في الآية أن الله عز وجل يصور للمخاطبين ترتيب الأحداث ساعة حدوثها في الزمن الذي خلق الله فيه آدم، وفائدته نقل أذهانهم إلى تلك اللحظة كأنهم يعاينونها بأبصارهم.
وهذه هي دلالة المضارع إذا وضع موضع الماضي عند علماء المعاني، هي بعث الماضي وتصويره في صورة الذي يحدث في الحال.
ومن أمثلته عندهم قول الشاعر يحكى صراعا حدث بينه وبين الضَّبُع، وهو حيوان مفترس.
فأضربها بلا دهش فخرَّت ... صريعا لليدين، وللجران (يعنى سقطت على الأرض على جنبها)
الشاعر ضرب الضبع في الماضي، فلما حكى صراعه معها للناس عبَّر عن الماضي "فضربتها" بالمضارع "فأضربها" والدلالة البلاغية للعدول عن الماضي إلى المضارع هي استحضار صورة الحدث الذي وقع في الماضي، كأنه يحدث الآن في زمن التكلم.
هذا ما أراده العلماء والمفسرون من عبارة "حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ" ليبينا سر العدول عن "فكان" إلى "فيكون" في الآية الكريمة، التي ادعى مثيرو هذه الشبهات أن فيها خطأ نحويا، وهم عن معرفة الصواب والخطأ بمعزل.
وقال بعض المفسرين اللغويين في توجيه "فيكون": "يجوز أن يكون على بابه من الاستقبال، والمعنى: فيكون كما يأمر الله فيكون، حكاية للحال التي يكون عليها آدم حين خلقه الله، ويجوز أن يكون "فيكون" بمعنى كان، وعلى هذا أكثر المفكرين والنحويين، وبهذا فسره ابن عباس رضى الله عنه "[انظر: الدر المصون ٣/٢٢٠-٢٢١].
وهنا يعود السؤال ليطرح نفسه: لِمَ عُدِل عن المعنى الماضي إلى اللفظ المضارع في قوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾؟
يكمن الجواب فيما قرره المحققون من النحاة والمفسرين بأن الآية جاءت على سبيل (حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ)؛ حيث أُوثِرَ المضارع على الماضي لاستحضار عظمة مشهد الخلق في الذهن، حتى لكأن الأبصار تراه الآن واقعًا حيًا.
وهذه خلاصة أمينة لتوجيه العلماء لرفع الفعل ﴿فَيَكُونُ﴾ وعدم جزمه جوابًا للطلب أو تحويله للماضي-؛ إذ لو قيل: (كن يكن) أو (كن فكان)، لفاتت دلالة التصوير البديع، ولتعطل معنى التجدد والاستمرار."
وعليه فبعد عرض توجيهات المفسرين والنحاة، يطيب لنا أن نستكشف إسهامات البلاغة في تأصيل التعبير القرآني ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] الذي اعتبره مثيرو هذه الشبهات معيبًا بالخطأ النحوي، والنحو وإن كان أساس البلاغة، وجذورها العميقة، التي أثمرت كل الإيحاءات البلاغية، فإن هناك حقيقة يجب الوقوف عليها، وهى أن البلاغة تبدأ من حيث ينتهى النحو، فالنحو - ومعه الصرف - يهتم باستقامة الأساليب وصحتها، أما البلاغة فتنظر في الأساليب، وتغوص وراء ما فيها من المعاني الخبيئة، والأسوار الدفينة وتبحث عن الإيحاءات الكامنة وراء كل لفظ وجملة وتركيب، أو تبحث عن معنى المعنى لا معنى اللفظ، أو المعاني الثانية الخفية غير المباشرة الظاهرة.
وإذا كان ما قدمناه من توجيهات كافيًا في إزالة هذه الشبهة التي توهمها هؤلاء المستشرقين فإن دور البلاغة في تأصيل هذا التعبير القرآني مساير لتوجيهات النحاة والمفسرين.
إن هذا التعبير ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ هو الواجب بلاغة وبيـانًــا وإعجازًا ونظــمـًا، أما لو قيل " كن فكان" لخلا هذا التعبير من ثلاثة أرباع الحسن الذي هو فيه، وذلك للاعتبارات الآتية:
فأولًا: دلالة الماضي الأصل فيها الانقطاع عن الوجود المستمر، ولذلك يعبر عنه النحويون بأنه: ما دل على حدث وقع وانقطع قبل زمن التكلم.
وهذا غير مراد في حكاية الله كيفية خلقه لآدم، لأنه لو قيل: كن فكان لصدق هذا التعبير عن وجوده لحظة واحدة من الزمن، ولو كان قد مات لحظة خلقه.
أما ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ فدلالتها استمرار وجوده حتى أنجب مَنْ أنجب من ذكور وإناث، وما بث منهما من آباء البشر وأمهاته، كما قال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ [النساء:١]
لأن دلالة المضارع تبدأ من الحال، وتستمر في الاستقبال.
ثانيًا: أن هذا التعبير "كن فيكون" يؤذن بتقدير مسند إليه قبل "فيكون" أي "فهو يكون" وفي هذا تكرار إسناد "الكينونة" لآدم مرة بجعل "يكون" خبرًا عن ضمير آدم "هو"
ومرة بإسناد فعل الجملة الخبرية " يكون " إلى ضمير آدم المستكن في الفعل وجوبـًا، على أنه فاعل له، وتكرار الإسناد من أقوى أساليب التوكيد في البلاغة العربية.
ثالثًا: في الفعل المضارع " يكون " تناسب آسر لرؤوس الآيات (الفواصل) لأن ما قبله كلها فواصل مبنية على حرف المد إما الياء، وهو الأكثر، وإما الواو مع النون، وهو كثير، أو مع الميم.
وكذلك ما بعدها، والتناسق الصوتي في النظم القرآني المعجز، وجه من وجوه إعجازه، التي باين بها كلام البشر والجن، وجعل لتلاوته حلاوة جذابة للأسماع، كما جذبت معانيه القلوب، وأسرت العقول، واستولت على ألباب أولى الألباب.
الخلاصة:
تتناول القضية المثارة حول كن فيكون في سورة آل عمران الرد العلمي المؤصل على شبهة وضع الفعل المضارع موضع الماضي في قصة خلق آدم، حيث يتساءل البعض عن تفسير كن فيكون بصيغة الاستقبال رغم أن الحدث قد وقع وانقضى.
ويكمن الجواب عن سؤال: لماذا قال فيكون ولم يقل فكان؟ في القاعدة البلاغية المعروفة بـ حكاية الحال الماضية في القرآن؛ فالعدول عن صيغة الماضي "كان" إلى المضارع "يكون" ليس خطًا نحويًا كما يُتوهم، بل هو قمة الإعجاز البلاغي لكن فيكون، وذلك لتحقيق ثلاثة مقاصد دقيقة:
١. استحضار الصورة: فالمضارع يجعل السامع يستحضر مشهد الخلق العظيم في ذهنه وكأنه يراه واقعًا حيًا الآن، بخلاف الماضي الذي يسرد الحدث كخبر منقضٍ.
٢. دلالة الاستمرار: فصيغة "فيكون" تدل على تجدد الوجود واستمراره في آدم وذريته، بينما "فكان" تفيد الانقطاع والانتهاء.
٣. التناسق الصوتي والتوكيد: إذ يحقق هذا النظم تكرارًا للإسناد يفيد التوكيد، ويتناغم موسيقيًا مع فواصل الآيات المحيطة، مما يضفي جمالًا آسرًا على النظم القرآني.
تُثار شبهة حول الآية: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ﴾، لعدم وجود جواب ظاهر لـ ﴿لَمَّا﴾، وهذا الاعتراض يدل على جهل بمنزلة الحذف البلاغي في اللغة العربية.
تتناول هذه السطور الرد على شبهة لغوية أثيرت حول كلمتي ﴿سَلَٰسِلَاْ﴾ و﴿قَوَارِيرَا۠﴾ في سورة الإنسان، بدعوى مخالفتهما لقواعد الممنوع من الصرف، مع بيان التوجيه اللغوي والقراءات الصحيحة.
تُثار شبهة حول استخدام اسم الموصول "مَن" في قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ﴾ بدلًا من المصدر "أن تؤمنوا"، بزعم أن البر هو الفعل لا فاعله، وهذا جهل ببلاغة القرآن الكريم وعمق التعبير اللغوي.