يُعد الالتفات من أرقى فنون البلاغة العربية، حيث يحمل دلالات عميقة تثير انتباه السامع وتصور المشهد بدقة، بعيدًا عن كونه مجرد مخالفة للقواعد النحوية المعتادة كما قد يُتوهم.
يُعد الالتفات من أرقى فنون البلاغة العربية، حيث يحمل دلالات عميقة تثير انتباه السامع وتصور المشهد بدقة، بعيدًا عن كونه مجرد مخالفة للقواعد النحوية المعتادة كما قد يُتوهم.
منشأ هذه الشبهة: يتمحور جوهر هذه الشبهة حول ما يصفه المشككون بـ "الاضطراب في اتساق الضمائر"، حيث يزعمون وجود خلل تركيبي في قوله تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢].
وشاهدهم في الآية هو قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم﴾؛ إذ يرون أن مقتضى السياق اللغوي كان يستلزم استمرار الخطاب بضمير المخاطب (الحاضر) ليقال "وجرين بكم" اتساقًا مع بدايتها ﴿كُنتُمۡ﴾، غير أن التحول المفاجئ في الآية إلى ضمير الغائب في قوله "وجرين بهم" يُعدّ -في زعمهم- خطأً نحويًا أدى إلى انقطاع المعنى واختلال السياق.
ما ورد في الآية ليس خطأ نحويًا، بل هو فن بلاغي عريق يُسمى "الالتفات"، وله هنا فائدتان رئيستان:
هذه الشبهة المثارة هنا على هذه الآية، ليست لها صلة، لا من قريب، ولا من بعيد، بالنحو والصرف بل هي مسألة بلاغية صرفه، والبلاغة -عمومًا- لها عنصران كبيران، أحدهما خارجي عن شخصية البليغ، والثاني ممتزج بشخصيته.
العنصر الأول الخارجي:
هو مجموعة القواعد والأصول التي تكون علوم البلاغة باعتبارها علمًا راقيًا من علوم اللسان؛ لأن لكل علم أو فن أصوله ومبادئه الخاصة به.
وهذه القواعد والأصول يمكن تعَلُّمها وإتقانها لكل راغب صادق الرغبة فيها.
العنصر الثاني الذاتي:
الممتزج بذات البليغ، والذي يجرى فيه مجرى الروح في الجسد هو الإحساس المرهف بالجمال الفني، والقدرة على التذوق، والخبرة بالأساليب إنشاء ودراسة ونقدًا وتقويمًا، وليس بلازم أن يكون العارف بالقواعد والأصول البلاغية بليغًا.
يقول الإمام الزمخشري البليغ الذواقة، في الالتفات من الخطاب إلى الغَيْبَةِ: "فإن قلت ما فائدةُ صرف الكلامِ، عن الخطابِ إلى الغَيْبَةِ؟ قلت: المبالغةُ؛ كأنه يذكُرُ لغيرهم حالهُ ليُعَجِّبَهم منها، ويستدعي منهم الإنكارَ والتَّقبيحَ" [الكشاف ٢/٢٣١].
هذه العبارة في حاجة إلى إيضاح، هو الآتي:
هؤلاء الذين تحدث الله عنهم في هذه الآية، أنعم الله عليهم بالتسيير في البر والبحر، وامتحنهم بالريح العاصف بعد أن أقلعت بهم الفلك تمخر عباب الماء، فتوجهوا إلى الله يطلبون منه الإنجاء، واعدين الله إذا أنجاهم أن يشكروه ويعرفوا فضله، فلما أنجاهم نسوا ما وعدوا الله به، وعادوا إلى معصيته كما قال ربنا عز وجل: ﴿فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس: ٢٣].
وقد صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة في قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٣] لفائدة، وهي أنه ذكر لغيرهم حالهم، ليعجبهم منها كالمخبر لهم، ويستدعي منهم الإنكار عليهم، ولو قال: حتى إذا كنتم في الفلك، وجرين بكم بريح طيبة فرحتم بها، وساق الخطاب معهم إلى آخر الآية، لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة، وليس ذلك بخاف عن نقدة الكلام. [المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير (٢ / ١٤٣)].
وعليه فما قاله الإمام الزمخشري في هذه الآية لمحة طيبة، ومعنى لطيف دلَّ عليه هذا الالتفات من المخاطب إلى الغائب، وقد تناقله عنه المفسرون، أما البلاغيون -بعد الزمخشري- فقد أضافوا ملمحَّا بلاغيًا آخر، يساير ما فهمه الإمام الزمخشري ولا ينافره، فقد قالوا: إن السر في الالتفات من الخطاب إلى الغَيْبَةِ، أن الغَيْبَةِ تناسب الفعل ﴿جَرَيۡنَ﴾ فهم كانوا على الشاطئ والفلك ترسو إلى جنبه، وأخذ الناس يركبون الفلك، حتى إذا تكاملوا على ظهرها، وأقلعت آخذة في السير السريع (الجري) غابوا عن الأنظار، فهم ليسوا حاضرين حتى يُخَاطَبوا، ولكنهم غائبون فجرى الحديث عنهم مجرى الحديث عن الغائب".
إن كلتا اللمحتين البلاغيتين تنبثقان من هذا التعبير ﴿وَجَرَيۡنَ بِهِم﴾ ولا تنافر واحدة منهما الأخرى.
هذا ما لم يكن مثيرو هذه الشبهات أهلًا لفهمه؛ لبلادة حسهم، وفساد ذوقهم.
والالتفات -عامة- فن عريق من فنون البيان في البلاغة العربية، طرقه الشعراء في الجاهلية، وشاع في كلامهم، ووردت منه نماذج وصور في الذكر الحكيم، وفي أحاديث خاتم النبيين، وأسراره لا تحصر، ودلالاته لا تنضب، وكفاه فضلًا أنه يُروّح عن مشاعر السامعين وينتقل بهم من لونٍ إلى لون، في معرض جذَّاب، لا يقدره حق قدره إلا من رُزِقَ حسن الفهم، والقدرة على التذوق لمرامي الكلام.
الخلاصة:
يُعد الانتقال من صيغة المخاطب ﴿كُنتُمۡ﴾ إلى الغائب ﴿بِهِم﴾ في سورة يونس [الآية ٢٢] فنًا بلاغيًا رفيعًا يُسمى "الالتفات"، وله حكمتان بالغتان:
١. غرض معنوي (التقبيح): للتشهير بهم واستثارة سخط السامعين على جحودهم؛ فصرف الخطاب عنهم يُشعر بأنهم لا يستحقون الحديث المباشر، بل يُعرض حالهم للعبرة.
٢. غرض تصويري (محاكاة الواقع): يتناغم ضمير الغائب مع الفعل ﴿وَجَرَيۡنَ﴾؛ فالسفن عندما تجري تبتعد وتغيب عن الأنظار، فناسب ذلك أن يغيب ركابها في اللفظ أيضًا ﴿بِهِم﴾ كما غابوا في البحر حسيًا.
فالآية جمعت دقة التصوير وبلاغة التأثير.
تتناول السطور التالية الحكمة البلاغية والتشريعية في قوله تعالى: ﴿تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ﴾، والرد على من توهم فيها تكراراً لا فائدة منه، مبيّنة دقة النظم القرآني في إحكام المعنى.
تتناول هذه السطور الرد على شبهة لغوية أثيرت حول كلمتي ﴿سَلَٰسِلَاْ﴾ و﴿قَوَارِيرَا۠﴾ في سورة الإنسان، بدعوى مخالفتهما لقواعد الممنوع من الصرف، مع بيان التوجيه اللغوي والقراءات الصحيحة.
تُثار شبهة حول الآية: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ﴾، لعدم وجود جواب ظاهر لـ ﴿لَمَّا﴾، وهذا الاعتراض يدل على جهل بمنزلة الحذف البلاغي في اللغة العربية.