Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

شبهة الإتيان بالجمع مكان المثنى

شبهة الإتيان بالجمع مكان المثنى

يُعد استخدام صيغة الجمع مكان المثنى في الآية ﴿فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ [التحريم: ٤] أسلوبًا بلاغيًّا فصيحًا؛ يهدف إلى التخفيف اللفظي والتهويل المعنوي، خلافًا لمن توهم فيه خطأ لغويًّا.

عرض الشبهة

منشأ هذه الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿إِن تَتُوبَاۤ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَیۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِیلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ وَٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِیرٌ﴾ [التحريم: ٤].

والشاهد في الآية عندهم هو: ﴿قُلُوبُكُمَاۖ﴾؛ حيث جاء المضاف "قلوب" جمعًا، والمضاف إليه "كما" مثنى، والمتحدث عنه في قوله تعالى: ﴿تَتُوبَاۤ﴾ مثنى كذلك، وقد علقوا على هذا فقالوا: "لماذا لم يقل: "قلباكما" لأنه ليس للاثنين أكثر من قلبين"؟!

الرد المختصر على الشبهة

الآية من فصيح الكلام العربي، وليست خطأ؛ وتوجيهها من جهتين:

١.    التخفيف اللفظي: العرب تستثقل اجتماع تثنيتين متتاليتين (لو قيل: "قلباكما")، فعدلت إلى صيغة الجمع التي أولها الاثنان؛ تحقيقًا للخفة في النطق.

٢.    التهويل المعنوي: مجيء "قلوب" جمعًا أفاد تهويلًا وتفظيعًا لفعل الإفشاء الذي وقع من زوجتي النبي ﷺ، مبالغة في وصف الزيغ أو الإثم الذي أصاب قلبيهما.

الرد التفصيلي على الشبهة

العرب كانوا يستثقلون اجتماع تثنيتين في كلمة واحدة، فيعدلون عن التثنية إلى الجمع؛ لأن أول الجمع عندهم الاثنان.

ومما قاله أئمة اللغة والنحو في جمع "قلوب" في الآية قولهم: و﴿قُلُوبُكُمَاۖ﴾ من أفصح الكلام؛ حيث أوقع الجمع موقع المثنى؛ استثقالا لمجيء تثنيتين لو قيل "قلباكما" [الدر المصون: ١٠/٣٦٦].

ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوۤا۟ أَیۡدِیَهُمَا...﴾الآية، [المائدة: ٣٨].

فقد أوقع الجمع "أيدي" موقع المثنى: يدي؛ جريًا على سُنة العرب في كلامهم، والقرآن بلغتهم نزل، ولا يُفهم من هذا أن الجمع حل محل التثنية لإصلاح اللفظ فحسب، وإن كان إصلاح اللفظ وإحلال الخفيف منه محل الثقيل سببًا مقبولًا كافيًا في توجيه هذا الاستعمال، بيد أننا لو أمعنَّا النظر، وأعملنا الفكر، لظفرنا بمعانٍ أخرى غير إصلاح اللفظ، هذه المعاني يومئ إليها برفق مجيء الجمع في مقام التثنية، وسيأتي البيان بعد قليل.

ومن هنا فقد اتضح لنا مما تقدم أن قوله تعالى: ﴿قُلُوبُكُمَاۖ﴾ من أفصح الكلام، وليس صحيحًا فحسب، ولكن ضآلة حظ مثيري هذه الشبهات من اللغة العربية، هي التي جعلتهم يهرفون بما لا يعرفون، ويتعالمون وهم أميون.

 أما ما يعود على المعنى من وضع الجمع موضع التثنية فوق إصلاح اللفظ كما تقدم، فبيانه فيما يأتي: ولنبدأ بآية المائدة، نجد أن لجمع الأيدي دلالة على الجمع فعلًا، وذلك من جهتين:

الأولى: أن المراد من "السارق" و"السارقة" ليس فردين، بل نوعين:

١.    الذي يسرق من الرجال، سواء كان واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو ألف، وهكذا؛ لأن المراد النوع لا الفرد.

٢.    التي تسرق من النساء، لا على سبيل الفردية (امرأة) واحدة، ولكن كل من ينطبق عليها وصف السرقة.

فالسارقون لا يُحصرون في عدد معين، من عصر نزول القرآن إلى يوم القيامة، والسارقات لا يحصرن في عدد محدد، بل هن جمع لا يعلمه إلا الله.

فأنت ترى أن اللفظ في "السارق" و"السارقة" وإن كان مفردًا، فهو من حيث المعنى جمع لا حصر له في النوعين معًا: الذكور والإناث.

 الجهة الثانية: أن السارق أو السارقة قد تتكرر منهما السرقة، فيقام عليهما الحد مرة أخرى بقدر مرات السرقة.

وعلى كلا الوضعين (الجهة الأولى والجهة الثانية) تكون كلمة: "أيدي" جمعًا مضافة إلى الضمير "هما" فيها دلالة ملحوظة على الجمع كما رأيت، وهذا ما لا يهتدى إليه أمثال مثير هذه الشبهات.

أما آية " التحريم " فقد فسَّرها العلماء تفسيرين:

أحدهما: أن "صغت" بمعنى: زاغت وأثمت، وهذا تفسير ابن عباس رضي الله عنه.

وعلى هذا يكون مجيء القلبين جمعًا فيه تهويل وتفظيع لما حدث من زوجتي النبي ﷺ، من إفشاء سره ﷺ؛ لأن في ذلك ما يؤذيه ﷺ.

أما التفسير الثاني: فهو قريب من الأول، وهو: "إن صغت" بمعنى زاغت، أي: مالت عن الحق والصواب [الدر المصون ١٠/٢٦٥].  وتوجيهه توجيه التفسير الأول.

وفي الآيتين معنى لطيف غاية في الطرافة والروعة والإعجاز، وهو مراعاة اللفظ والمعنى معًا، مراعاة اللفظ في تثنية المضاف إليه، وهو "هما" في "أيديهما" و"كما" في "قلوبكما"، ثم مراعاة المعنى في جمع الأيدي والقلوب.

فتثنية الضمير المضاف إليه فيهما جاءت حملًا على اللفظ في: "السارق" و"السارقة".

وجمع الأيدي والقلوب جاء حملًا على المعنى المفهوم من إيحاءات المقام على وجه الحقيقة في جمع الأيدي.

والمفهوم من المقام على وجه التنزيل التهويلي في جمع القلوب، أجل: إن القرآن لا تنتهي عجائبه، ولا تجف ينابيعه؛ لأنه تنزيل من حكيمٍ حميد.

الخلاصة:

الاعتراض على ورود كلمة "قلوب" بصيغة الجمع بدلًا من المثنى (قلباكما) في الآية الكريمة لا أساس له؛ فهذا الاستعمال يعد من أفصح الأساليب العربية، لغويًّا: جاء الجمع؛ للتخفيف اللفظي واستثقال اجتماع تثنيتين، وبلاغيًّا: أتى الجمع ليحمل دلالة معنوية أعمق، متمثلة في التهويل والتعظيم لوصف الزيغ والخطأ الذي ارتكبه المخاطبتان، هذا الأسلوب يراعي اللفظ والمعنى معًا، مما يؤكد الإعجاز المستمر في البيان القرآني.

موضوعات ذات صلة

دقة التعبير في قوله تعالى: ﴿وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ﴾ [التوبة: ٦٩] تكمن في أن المقارنة بين فريقين فقط (المنافقين والأمم السابقة)، "الذي" اسم موصول مفرد يعود على المصدر (الخوض) المفهوم من الفعل "خضتم"، وهذا نسق صحيح وبليغ.

يُبيّن هذا المقال الوجه النحوي والبلاغي لتأنيث العدد في قوله تعالى: ﴿ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا﴾، موضحًا اعتماد القرآن على أساليب العرب في مراعاة المعنى واللفظ، وكاشفًا زيف الشبهات التي أُثيرت حول الآية بأسلوب علمي موجز.

مسألة إسناد ضمير الجمع للمثنى في النصوص العربية الفصيحة كالقرآن الكريم، يرجع إلى قاعدة لغوية معتبرة تعتمد على مراعاة المعنى لا مجرد اللفظ.