Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

رد شبهة الإتيان بفاعلين لفعل واحد

شبهة الإتيان بفاعلين لفعل واحد

يكشف هذا الطرح تهافت الزعم بوجود خطأ نحوي في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ مبينًا الأوجه البلاغية والإعرابية الدقيقة التي تؤكد فصاحة النظم القرآني وإعجازه.

عرض الشبهة

منشأ هذه الشبهة: هو قوله تعالى: ﴿لَاهِیَةࣰ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ هَلۡ هَٰذَاۤ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ﴾  [الأنبياء: ٣]

وشاهدهم في هذه الآية هو الجمع بين: ﴿وَأَسَرُّوا۟﴾، ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾؛ لأنهم جزموا بأن " الواو" في ﴿وَأَسَرُّوا۟﴾ فاعل، كما جزموا بأن ﴿ٱلَّذِینَ﴾ في ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ فاعل كذلك.

ولما كان كل فعل لا يتطلب إلا فاعلًا واحدًا، صاحوا بأعلى صوت قائلين: إن القرآن أخطأ فجعل للفعل الواحد فاعلين؟!

الرد المختصر على الشبهة

ليس في الآية أي خطأ نحوي، بل جاءت على أساليب عربية فصيحة، ولها عدة تخريجات معتبرة عند العلماء، منها:

  • البدل: أن يكون ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ بدلًا من "واو الجماعة" لزيادة البيان والذم.
  • الاستئناف البياني: أنها جواب لسؤال مقدر أثارته الجملة الأولى، وكأنه قيل: "من هؤلاء؟" فقيل: "الذين ظلموا".
  • لغة القبائل: جاءت على لغة عربية صحيحة (لغة أكلوني البراغيث) التي تلحق علامة الجمع بالفعل مع وجود الفاعل الظاهر.
  • التشويق: تقديم الضمير ثم تفسيره بالاسم الظاهر لغرض التفخيم وشد انتباه السامع.

الرد التفصيلي على الشبهة

قال شيخ المفسرين البيانيين الإمام جار الله محمود بن عمر الزمخشري -رحمه الله-: "أبدل ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ من واو ﴿وَأَسَرُّوا۟﴾، إشعارًا بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسَّرو به.

أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث.

أو هو منصوب المحل على الذم.

أو هو مبتدأ خبره ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى﴾ قُدِّمَ عليه والمعنى: هؤلاء أسروا النجوى، فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلًا على فعلهم بأنه ظلم [الكشاف ٢/٥٦٢].

ذكر الإمام -رحمه الله- في توجيه هذا التركيب أربعة آراء كلها صحيح فصيح:

الأول: إن ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ بدل كل من كل من معنى "الواو" في ﴿وَأَسَرُّوا۟﴾؛ لأنه واو جماعة معناه الجمع.

الثاني: إنه جاء على لغة بعض القبائل العربية، التي تجمع بين الضمير إذا وقع فاعلًا وبين ما يفسره، وعليه جاء الحديث الشريف «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ» [رواه الشيخان: البخاري ومسلم].

الثالث: أن يكون في محل نصب على الذم، على تقدير فعل محذوف هو: أذم أو أخص الذين ظلموا بالذم.

الرابع: أن يكون هو المبتدأ، وما قبله خبر عنه، أي الذين ظلموا أسَّروا النجوى.

أما الذي اقتضى تقديم خبره عليه ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَىفهو التسجيل عليهم بقبح ظلمهم وفحوشته، وهذا كله كلام طيب في غاية النفاسة.

وفي المسألة مذاهب أخرى، منها:

-       إن "الذين ظلموا" هي الفاعل، أما "الواو" فهي علامة جمع الفاعل لا غير، وأن العرب كانت تفعل ذلك حتى في المثنى فيقولون: قاما أخواك، كما استشهد من ذهب هذا المذهب بقول الشاعر:

يَلُومُونَنِى فِى اشْتِرَاء النّخِيل ... قومي، فكلهمو يعزل

حيث جمع بين "الواو" في "يلومونني" وبين الاسم الظاهر في " قومي" [الدر المصون ٨/١٣٢-١٣٣].

هذا ما قاله المفسرون وبعض النحاة في هذا التركيب وتخريجه على عدة وجوه من الصحة، دون أن يكون عندهم علم بأن بعضًا من الناس، سيأتون ويقولون مثل ما قال مثيرو هذه الشبهات، مع جهلهم المركب بلغة التنزيل وخصائصها التعبيرية والبيانية، وهم فيها عوام أو أشباه عوام.

وما تقدم من الرد على هذه الشبهة يريك إلى أي مدى تعسَّفَ هؤلاء المغالون في التحامل على القرآن، المسرفون في إظهار الحقد عليه والطعن فيه، إنهم مثل الذي يريد أن يَعْبُر محيطًا بقارب مصنوع من "البوص"، دون أن يكون لهم رادع من أنفسهم يحفظون به ماء وجوههم إن كان في وجوههم ماء.

وقبل أن نودع الحديث في الرد عليهم على ما أثاروه حول الآية نضيف إلى ما ذكره الأئمة إضافتين من حيث التوجيه البلاغي:

إحداهما: إن في أساليب علم المعاني، وهو أحد علوم البلاغة الثلاثة (المعاني - البيان - البديع) أسلوبًا لا يعرف عنه مثيرو هذه الشبهات شيئا، هو ما يسميه البلاغيون بـــ "الاستئناف البياني".

وضابط هذا الأسلوب أن تتقدم جملة من الكلام تثير في ذهن السامع تساؤلا لطيفًا يدب في نفسه أو يسرى سريان الماء في العود الأخضر، فتأتى جملة أخرى تجيب على ذلك التساؤل، الذي ليس له صورة في الكلام بل هو يبرق كالشعاع في ذهن السامع ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَقَضَیۡنَاۤ إِلَیۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰۤؤُلَاۤءِ مَقۡطُوعࣱ مُّصۡبِحِینَ﴾ [الحجر: ٦٦].  

فجملة ﴿أَنَّ دَابِرَ هَٰۤؤُلَاۤءِ مَقۡطُوعࣱ مُّصۡبِحِینَ﴾ جواب على سؤال تقديره: ما هو ذلك الأمر الذي قضاه الله. (انظر الإيضاح للخطيب القزويني "مبحث الفصل والوصل".  

 ومثله قوله تعالى: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَٰنُ قَالَ یَٰۤءَادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ﴾ [طه: ١٢٠].

فجملة ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَیۡهِ ٱلشَّیۡطَٰنُ﴾  أثارت في النفس تساؤلًا لطيفًا ماذا قال الشيطان لآدم؟ فكان الجواب: ﴿قَالَ یَٰۤءَادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكࣲ لَّا یَبۡلَىٰ﴾ هذا هو الاستئناف البياني عند البلاغيين وهو -مرة أخرى-: "تنزيل جملة منزلة جواب على سؤال تضمنته الجملة التي قبلها".

والآية التي معنا ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ جرت على نسق الاستئناف البياني الذي عرفته؛ لأن جملة ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى﴾ تثير في النفس التساؤل نفسه: من هم الذين ﴿أَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى؟ فكان الجواب: ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾.

لا يقال: إن هذ السؤال لا يقتضي المقام إثارته؛ لأن مرجع الضمير، وهو "الواو" في "أسَرُّوا" مذكور قبله في قوله تعالى: ﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِی غَفۡلَةࣲ مُّعۡرِضُونَ * مَا یَأۡتِیهِم مِّن ذِكۡرࣲ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ یَلۡعَبُونَ * لَاهِیَةࣰ قُلُوبُهُمۡۗ....﴾ [الأنبياء: ١-٣].

لأنا نقول: إن الوقائع المذكورة في مطلع السورة وقائع عامة، هي أحوال للناس جميعًا، إلا من عصمه الله.

أما إسرار النجوى، فهي واقعة خاصة وقعت من مشركي العرب، فليس "الناس" قبلها هم فاعليها، بل فاعلوها هم الذين قالوا: ﴿هَلۡ هَٰذَاۤ إِلَّا بَشَرࣱ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣].

وعلى هذا فإن ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ ليس فاعلًا لـــ ﴿وَأَسَرُّوا۟﴾ وإنما فاعل ﴿أَسَرُّوا۟﴾ الواو.

أما ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ فواقعه في كلام جديد، هو خبر عن جلة السؤال: من هم الذين أسروا النجوى؟ وهذا وجه آخر يرد به على مثيري هذه الشبهة المتعالمين وهم جاهلون.

أما الإضافة الثانية، فهي أسلوب آخر من أساليب البلاغة العربية، مفتاح الإعجاز المفحم.

ذلك الأسلوب تحدث عنه شيخ البلاغيين بلا منازع الإمام عبد القاهر الجرجاني، وأسماه: "الإضمار على شريطة التفسير" [دلائل الإعجاز ١٦٣، تحقيق الشيخ العلامة محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي ـ القاهرة]

وضابط هذا الأسلوب هو أن تأتى بالضمير أولًا ثم تفسره بعد ذلك بذكر مرجعه، ومن أمثلته شعرًا قول الشاعر:

هِيَ الدُّنْيَا تَقُوْلُ بِمِلْئِ فِيْهَا ... حَذَارِ حَذَارِ مِن بَطشِي وَفَتْكِي

ولَا يَغْرِرْكُمُ حُسْنُ ابْتِسَام ... فَقَوْلي مُضحِكٌ وَالفِعْلُ مُبْكِي

وتخريج الآية ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ على هذا الأسلوب سائغ رائع.

فقد أتى بالضمير أولًّا ﴿وَأَسَرُّوا۟﴾ ثم فسره ثانيًا هكذا ﴿ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾، وبلاغة هذا الأسلوب هي تحريك الشعور، وتشويق النفس إلى عقبى الكلام كيف تكون، فيتمكن المعنى المسوق من أجله الكلام في النفوس كل التمكن؛ لأن النفس إذا ظفرت بالشيء بعد انتظاره استقر ذلك الشيء فيها.

هذه الخصائص البيانية محروم منها مثير وهذه الشبهات؛ لأنهم يجهلونها، والناس -كما جاء في المثل- أعداء ما جهلوا.

الخلاصة

الزعم بوجود خطأ نحوي في الآية ﴿وَأَسَرُّوا۟ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟﴾ بدعوى اجتماع فاعلين لفعل واحد هو قول مردود لا يستند إلى علم؛ فالآية جارية على سنن العرب في كلامهم وفصيح لغتهم، ولها توجيهات إعرابية محكمة، كأن يكون الاسم الظاهر بدلًا من الضمير لزيادة الذم والتشهير بظلمهم، أو خبرًا لمبتدأ محذوف، أو جريًا على لغة عربية معروفة تلحق علامة الجمع بالفعل، كما يحمل هذا التركيب أسرارًا بلاغية رفيعة، مثل "الاستئناف البياني" لإجابة تساؤل يثور في الذهن، أو أسلوب "الإبهام ثم التفسير" الذي يورث النفس تشويقًا وتمكينًا للمعنى، مما يثبت إعجاز النص وسمو بيانه.

موضوعات ذات صلة

تتجلى دقة النظم القرآني في قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] حيث اشتملت على تراكيب نحوية وبلاغية محكمة، تُظهر براعة الإيجاز وفصاحة الحذف والتقدير، مما يدحض مزاعم الاضطراب اللغوي في الآيات ويثبت جريانها على سنن العرب.

يُعد استخدام صيغة الجمع مكان المثنى في الآية ﴿فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ [التحريم: ٤] أسلوبًا بلاغيًّا فصيحًا؛ يهدف إلى التخفيف اللفظي والتهويل المعنوي، خلافًا لمن توهم فيه خطأ لغويًّا.

يُعد الالتفات من أرقى فنون البلاغة العربية، حيث يحمل دلالات عميقة تثير انتباه السامع وتصور المشهد بدقة، بعيدًا عن كونه مجرد مخالفة للقواعد النحوية المعتادة كما قد يُتوهم.