أولًا: توجيه الإفراد في قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦٢]
١. النكتة البلاغية (الإيجاز والمزج): كان
مقتضى الظاهر لغويًا أن يقال "يرضوهما" بالتثنية لعود الضمير على اسم
الجلالة والرسول، ولكن عُدل عن التثنية إلى الإفراد في قوله: ﴿يُرۡضُوهُ﴾ لنكتة بلاغية دقيقة،
وهي الإشارة إلى أن إرضاء الرسول ﷺ هو عين إرضاء الله، فكأنهما في الحكم والنتيجة
شيء واحد، وهذا من باب "الإيجاز" البليغ. ولو قيل "يرضوهما"
لأوهم جواز الفصل بين الرضائين، وهو خلاف المراد البلاغي في السياق.
٢. التخريج النحوي (الحذف للدلالة): خرج
علماء النحو، وعلى رأسهم سيبويه، هذا التركيب على قاعدة "حذف الخبر لدلالة
الآخر عليه". فالتقدير في الأصل جملتان: "الله أحق أن يرضوه، ورسوله أحق
أن يرضوه". حُذف خبر إحدى الجملتين استغناءً بذكر خبر الأخرى، وهذا أسلوب
عربي فصيح، كقول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلفُ
(أي: نحن بما عندنا [راضون]، وأنت بما عندك راضٍ).
ثانيًا: العطف وتقدير
المحذوف في قوله تعالى: ﴿أَنَّ
ٱللَّهَ بَرِیۤءࣱ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ وَرَسُولُهُۥۚ﴾ [التوبة: ٣]
التوجيه اللغوي: جاء رفع كلمة ﴿وَرَسُولُهُ﴾ في الآية وليس نصبها،
لتكون مبتدًا لخبر محذوف تقديره "بريءٌ أيضًا". فالجملة ليست معطوفة على
اسم "إن" (اللهَ) لتشاركه في الخبر المذكور مباشرة، بل هي جملة مستأنفة
عُطفت من باب "عطف الجمل"، والتقدير: "الله بريء من المشركين،
ورسوله [كذلك بريء منهم]". وهذا أسلوب لغوي يعتمد على "دلالة المذكور
على المحذوف"، وهو من أساليب العرب في الإيجاز والاعتماد على فهم السامع، كما
تقول: "محمد وموسى من أولي العزم" (أي وموسى كذلك).
ثالثًا: الفصل والوصل في قوله تعالى: ﴿سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ
مِن فَضۡلِهِۦ
وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٥٩]
التوجيه البلاغي والنحوي: تميز النظم في هذه
الآية بدقة توزيع الضمائر ومواقع العطف:
في قوله: ﴿سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ﴾: أُفرِد الضمير في "فضله" عائدًا
على لفظ الجلالة، ولم يقل "من فضلهما" مراعاةً للسياق التركيبي.
في قوله:
﴿وَرَسُولُهُ﴾: جاءت الكلمة مرفوعة ومتأخرة عن الجار والمجرور، وتخريجها النحوي
أنها فاعل لفعل محذوف دل عليه الفعل الأول، والتقدير: "سيؤتينا الله من فضله،
و(سيؤتينا) رسوله"، فجاء العطف هنا من باب عطف الجمل بتقدير الفعل، وليس
تشريكًا في الضمير الواحد، مما يحقق الفصاحة ويبتعد عن ركاكة التطويل أو التثنية
في غير موضعها.
والخلاصة: أن ما توهمه البعض اضطرابًا هو في حقيقته فنون بلاغية رفيعة تُعرف بـ
"الإيجاز البليغ" و"الاحتباك"، وتعتمد على فطنة السامع في
تقدير المحذوف. وهذا مذهب عربي أصيل يعلي من قيمة المعنى، ويحترز من ركاكة التكرار
والحشو، ويقيم الحجة بقوة التركيب وتماسكه.