نتناول في هذه السطور الرد العلمي المؤصل على ما أثير حول عتاب الله لنبيه في سورة التحريم، موضحين الفرق الدقيق بين التشريع العام والالتزام الشخصي، بما يثبت كمال العصمة النبوية لسيدنا رسول الله ﷺ.
نتناول في هذه السطور الرد العلمي المؤصل على ما أثير حول عتاب الله لنبيه في سورة التحريم، موضحين الفرق الدقيق بين التشريع العام والالتزام الشخصي، بما يثبت كمال العصمة النبوية لسيدنا رسول الله ﷺ.
يثير البعض شبهة حول عصمة النبي ﷺ ومصداقيته في التبليغ، مستندين إلى ظاهر العتاب الإلهي في مطلع سورة التحريم: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَاۤ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ﴾، ويدّعي هؤلاء أن الآية تثبت وقوع النبي في خطأ تشريعي، حيث قام بتحريم ما أحله الله له، وذلك استجابةً لضغوط زوجاته وابتغاءً لمرضاتهن بعيدًا عن أوامر الوحي، ويرى أصحاب هذه الشبهة أن هذا التصرف يُعد تجاوزًا لحدود الله وتغييرًا في الشرع لأغراض شخصية، مما يقدح -في زعمهم- في مقام النبوة ويطرح تساؤلًا حول مدى التزام النبي بتشريعات الله الصارمة أمام رغبات البشر.
الآية لا تحمل اتهامًا للنبي ﷺ بتغيير شرع الله، بل هي "عتاب محبة" لكونه ضيق على نفسه بترك مباح (نوع من الطعام) تطييبًا لخواطر زوجاته، فالتحريم هنا لغوي بمعنى "المنع الشخصي" (الامتناع) وليس تشريعًا دينيًا يُحرم الحلال على الأمة، وقد اعتبره القرآن بمثابة "يمين" شرع الله له كفارة وحلًا، مما يؤكد بشريته في التعاملات الحياتية وكماله في التبليغ.
استند المشككون في توجيه هذا الاتهام إلى ما جاء في مفتتح سورة التحريم من قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَاۤ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِی مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التحريم: ١]
وهذه الآية وآيات بعدها تشير إلى أمر حدث في بيت النَّبي ﷺ عاتبته نساؤه وتظاهرن عليه بدوافع الغيرة المعروفة عن النساء عامة إذ كان ﷺ قد دخل عند إحداهن وأكل عندها طعامًا لا يوجد في بيوتهن، فأسر إلى إحداهن بالأمر فأخبرت به أخريات فعاتبنه فحرّم ﷺ تناول هذا الطعام على نفسه ابتغاء مرضاتهن، والواقعة صحيحة لكن اتهام الرسول بأنه يحرم ما أحل الله هو تصيّد للعبارة وحمل لها على ما لم ترد له..
وللرد على هذه الشبهة بشكل عقلي ومنضبط، يجب تحرير محل النزاع وتوضيح السياق القرآني واللغوي كما يلي:
أولًا: الفرق بين التحريم التشريعي والامتناع الشخصي التحريم الذي يقدح في العقيدة هو أن يقول الشخص عن الحلال "هذا حرام شرعًا على الناس"، والنبي ﷺ لم يفعل ذلك.
إن حقيقة الأمر لا تعدو كونها حادثة عينية خاصة، امتنع فيها النبي ﷺ عن صنف من الطعام تطييبًا لقلوب أزواجه وإنهاءً لتوتر عائلي، فهذا الترك كان قصرًا على نفسه والتزامًا ذاتيًا، ولم يكن تشريعًا عامًّا يُحرم الحلال على الأمة، ولذلك صُنّف هذا التصرف شرعًا في دائرة الأيمان والعهود الخاصة لا في باب التشريع.
ثانيًا: أسلوب "المشاكلة" والعتاب اللطيف، فقوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَاۤ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ﴾، جاء بصيغة "المشاكلة" اللفظية لما قاله النبي ﷺ لنسائه، وليس وصفًا شرعيًا لفعله، والنداء بلقب "النبي" وليس باسمه المجرد يشير إلى التشريف والتكريم، فالعتاب هنا ليس عتاب غضب لتغيير الشرع، بل عتاب إشفاق من الله على نبيه أن يُعنت نفسه ويحرمها من الطيبات لأجل رضا أزواجه، فالله يريده في مقام الراحة والسعة.
ثالثًا: الأدلة القرآنية القاطعة على العصمة لو كان النبي ﷺ يغير حكم الله إرضاءً لأحد، أو يتقول على الله ما لم يأذن به، لانطبق عليه الوعيد الشديد في سورة الحاقة: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَیۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِیلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡیَمِینِ * ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِینَ﴾، فبقاء النبي وتأييد الله له دليل عقلي على صدقه، كما أن القرآن زكّى منطقه في سورة النجم: ﴿وَمَا یَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰۤ﴾، مما ينفي عنه أي تصرف تشريعي نابع من رغبة شخصية.
رابعًا: المعالجة الشرعية للموقف القرآن تعامل مع "تحريم النبي" لهذا المباح على أنه "يمين" يحتاج إلى تحلة (كفارة)، مما يثبت أنه لم يكن تشريعًا دينيًا جديدًا، وإنما التزام شخصي رفعه الله عنه رحمة به.
القول بأن النبي ﷺ حرم ما أحل الله بالمعنى التشريعي هو تحميل للنص ما لا يحتمل؛ فالحادثة محض امتناع شخصي بمثابة اليمين مراعاةً لبيته، وقد نزل الوحي ليرفع الحرج عنه لا ليدينه، مؤكدًا بذلك حفظ الله لنبيه ورعايته له في أدق تفاصيل حياته.
يزعم المغرضون تعارض الأحاديث المتواترة بثبوت رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة مع آيات القرآن الكريم وأدلة عقلية؛ والحقيقة أن هذه المزاعم باطلة، فالأحاديث صحيحة، ولا يوجد تعارض، بل الآيات المستدل بها تدل على ثبوت الرؤية وإمكانها.
يهدف المشككون إلى نزع قدسية أحكام الشريعة بالزعم أن فرض الزكاة النبوي كان إتاوة أو ابتزازًا ماليًا لا عبادة، مستدلين بآية التوبة كدليل على الإخضاع القسري، هذا ادعاء باطل؛ فالآية خاصة بـ "صدقة التوبة" لمن تخلف عن تبوك، والزكاة كانت تُؤدّى طواعيةً كفريضة، وسيرة النبي شاهدة على زهده المطلق.
أمية النبي ﷺ لم تكن نقصًا بل وسام شرف ومعجزة إلهية؛ وهنا بيان دقيق لمعنى "الأمي" ودحض الشبهات المثارة حولها بالأدلة العقلية والنقلية.