ويؤكد المستشرق الألماني (هوروفيتز): إن الإسلاميين
عرفوا نظرية المداخلة أو الكمون، ويستشهد على ذلك بنص لابن حزم، يقول فيه: ذهب
القائلون بأن الألوان أجسام إلى المداخلة، ومعنى هذه اللفظة أن الجسمين يتداخلان،
فيكونان جميعًا في مكان واحد، ثم يدلل ابن حزم على فساد هذا القول [ Horovitz's. Uber Den Einfluss Der Griechischen Philosophie Auf
Die Entwichung Des. Kalam, Breslau, ١٩٠٩, S. ١٢]، ويلاحظ أن ابن
حزم قد أدرك هنا ما بين نظرية المداخلة ومذهب التجسيم الرواقي من صلة وثيقة.
وقد تأثر بعض المتكلمين بهذه النظرية وقبلوها، فقد حكى زرقان عن
الهاشمية أصحاب هشام بن الحكم أنهم يقولون بالمداخلة، ويثبتون كون الجسمين
اللطيفين في مكان واحد [الأشعري،
أبو الحسن: مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين القاهرة، مكتبة النهضة
المصرية القاهرة، دار الكتب ١٩٢٥م، صه، نفس
المصدر: ۱ /
۳۲۷].
ويقول النظام:
إن كل شىء قد يداخل ضده وخلافه، فالضد هو الممانع المفاسد لغيره، مثل الحلاوة
والمرارة، والحر والبرد، والخلاف مثل الحلاوة والبرودة، والحموضة والبرد، وزعم أن
الخفيف قد يداخل الثقيل، ورب خفيف أقل كيلًا من ثقيل وأكثر قوة منه، فإذا داخله
شغله، يعني أن القليل الكيل الكثير القوة يشغل الكثير الكيل القليل القوة، وزعم أن
اللون يداخل الطعم والرائحة، وأنها أجسام.
ومعنى المداخلة أن يكون حيز أحد الجسمين حيز الآخر، وأن يكون
أحد الشيئين في الآخر، ثم يبطل الأشعري قول النظام بالمداخلة، ويرده إلى
المذاهب الثنوية [نفس المصدر: ۱ / ۳۲۷].
وقد استفاد النظام بنظرية المداخلة، وهو الذي وافق الرواقيين في
تصور النفس على أنها جسم لطيف مداخل للبدن، كما فسر بهذه النظرية رأيه في كيفية
سماع الأصوات، فذكر ابن الراوندي قول النظام في الأصوات وأنها تسمع بالمداخلة. [الخياط، أبو الحسين عبد الرحيم: كتاب الانتصار، تحقيق دكتور نيرج
القاهرة، مكتبة النهضة المصرية].
أما الإيجي فقد تشكك في حقيقة نسبة نظرية المداخلة
والكمون إلى النظام، فقال في كتابه المواقف إن الجواهر يمتنع عليها التداخل لذاتها
بالضرورة.... وأما النظام فقيل: إنه جوزه، والظاهر أنه لزمه ذلك، فيما صار إليه،
وأما أنه التزمه وقال به، فلم يعلم، وإن صح كان مكابرًا [الإيجي، عبد الرحمن بن أحمد: المواقف في علم الكلام، نشره إبراهيم
الدسوقي عطية وزميله القاهرة مطبعة العلوم، ١٣٥٧ هـ، ص ٢٥١].
وأرجع الطوسي قول النظام بالتداخل إلى إنكاره كالرواقيين
تناهي الجسم في التجزؤ، فقال: "لما التزم النظام القول بوجود الجواهر الفردة
غير المتناهية في الجسم المتناهي، لزمه القول بتداخل الجواهر [الطوسي: تلخيص المحصل بذيل كتاب المحصل للفخر الرازي، ص ٤٩].
أما الأشعري فقد أرجعه إلى جعل نظام الأعراض أجسامًا [الأشعري: المقالات، مصدر سابق: ٢ /٣٤٧]،
وهذان التفسيران- فيما أرى - صادقان،
إلا أنهما غير كافيين، وذلك أن تسيم الأعراض، وإنكار تناهي الجواهر الفردة يؤديان
حقًّا إلى القول بالتداخل، ولكن يجمع هذه الأفكار الثلاث نظرية أساسية ذات مصدر
خارجي، وهذا ما فعله المستشرق هورتن، حيث ذهب إلى أن التداخل عند النظام: إما
مأخوذ من الرواقيين، وإما أن يكون النظام قد توصل إليه بتأمله الخاص في آراء
أنكساغوراس، فاتفق النظام مع نظرية الرواقيين من غير أن يأخذ منهم [دكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة: إبراهيم بن سيار].
وكما استطاع الرواقيون - كما ذكرنا - تفسير مسألة الفعل من بعد
بفكرة المداخلة استطاع أيضا أتباعهم في العالم الإسلامي القائلون بالمداخلة أن
يقدموا حلًّا للمسألة ذاتها، فقال أصحاب هشام بن الحكم - فيما حكاه زرقان: إن
الجسم يكون في مكان، ثم يصير إلى المكان الثالث من غير أن يمر بالثاني [الأشعري: المقالات، مصدر سابق: ١/١٢٦].
ويبدو أن هشام بن الحكم كان أول من ابتدع فكرة الطفرة في
العالم الإسلامي
[دكتور علي سامي النشار: نشأة الفكر
الفلسفي في الإسلام، ط. الإسكندرية، دار المعارف، ١٩٦٥ م: ٢۷/٢٤٩].
وقد تابعة النظام في هذه الفكرة [الأشعري: المقالات، مصدر سابق: ۲/ ۳۲۱ وكذلك ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد: كتاب الفصل في الملل
والأهواء والنحل، القاهرة المطبعة الأدبية، ۱۳۱۷ - ١٣٢١ هـ: ٥ / ٦٤: وكذلك دكتور أبو ريدة: النظام، مرجع سابق، ص ۱۳۱].
وكان أحمد بن خابط من أصحاب النظام، فقال أيضًا بالطفرة [الإسفراييني، أبو المظفر: التبصير في الدين..... تحقيق محمد زاهد
الكوثري القاهرة، مكتبة الخانجي ١٩٥٥م، ص ٢٢٠].
ويذهب الدكتور علي سامي النشار إلى أن فكرة النظام في
الطفرة تتفق مع فكرته عن الحركة، فالأجسام عنده كلها متحركة، وهي تتحرك في الوقت
الذي نحسبها فيه ساكنة، ثم يقول الدكتور النشار: إن أثر الرواقيين ظاهر تمامًا؛
فحركة الاعتماد هي حركة التوتر عند الرواقيين [دكتور النشار، مرجع سابق: ١/٥٧٠].
ولكن ما المقصود بحركة الاعتماد؟ يعرض الأشعري لنا فيما
يلي فكرة النظام عن الحركة..
قال النظام: الأجسام كلها متحركة، والحركة حركتان: حركة
اعتماد وحركة نقلة، فالأجسام كلها متحركة في الحقيقة وساكنة في اللغة.
والحركات هي الكمون لا غير، ثم يخبرنا الأشعري بأنه قرأ في كتاب
يضاف إلى النظام أنه قال: لا أدري ما السكون، إلا أن يكون يعني كان الشيء في
المكان وقتين، أي تحرك فيه وقتين، وزعم أن الأجسام في حال خلق الله سبحانه وتعالي
لا متحركة حركة اعتماد [الأشعري:
المقالات: ٢/٣٢٤-٥۲۱].