Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الكمــــــــــون

الكاتب

أ.د/ عبد الفتاح أحمد فؤاد

الكمــــــــــون

نظرية الكمون أو المداخلة ظهرت في الفلسفة

تعتبر الحركة أهم لواحق الأجسام الطبيعية، وهي محور لدراسة علل الموجودات الطبيعية، وضدها السكون وهو الوقوف والثبات في مكان واحد زمانين.

لتفسير تداخل الأشياء وظهور الصفات الكامنة فيها بفعل شروط معينة، وقد انتقلت إلى الفكر الإسلامي وطورها المعتزلي إبراهيم النظام ضمن رؤيته الفلسفية الخاصة.                                                     

التعريف بنظرية الْكُمُون

الكمون أو المداخلة نظرية فلسفية ابتكرها رجال الرواقية، وهي إحدى المدارس الفلسفية المتأخرة ، ومؤسسها زيتون الكتيومي، ولد في كتيوم، وهي مدينة صغيرة في جزيرة قبرص، وتوفي في عام ٢٦٤ ق.م. وخلفه في رئاسة المدرسة كليانتس ثم كرسبوس (كريزيب)، حيث بلغت المدرسة في عهده أوجهًا، ويمثل أولئك الفلاسفة الثلاثة رجال المدرسة الرواقية القديمة، أما الرواقية الوسطى فمن فلاسفتها بويتس الصيداوي وبنايتوس (فنايطوس) وبوسيد ونيوس، ثم الرواقية الرومانية الجديدة ومن أشهر رجالًا ستكا (٤ق.م -٦٥م)، وابيكتيتوس (ولد عام ٥٠م) والإمبراطور مرقص أوريليوس (١٢١ - ١٨٠م) [راجع كتابنا: الأصول الرواقية في الفلسفة الإسلامية، الإسكندرية، دار الوفاء، ٢٠٠٣م، ص ١٠١ -١٠٧].

وعرف مفكرو الإسلام أسماء كثير من الرواقيين ومعظم أصولهم الفلسفية من مصادر شتى [نفس المرجع، ص ٠٧ ٢ وما بعدها].

ويذهب الرواقيون إلى أن المادة من شأنها التشتت والتفكك، وهي منقسمة بالفعل إلي ما لا نهاية، وليست مكونة من أجزاء لا تتجزأ أو ذرات ، كما زعم ديموقريطس وأبيقور، أو العناصر الأربعة (الإسطقسات) كما قرر أنبا دوقليس، ووفقًا للثنائية الرواقية فإن الجسم مكون من مبدأين: النفس الحار، والمادة، يتوتر الأول وينتشر في المادة كانتشار البخور في المواء، واتحاد المادة بالنفس الحار عند الرواقية يقابل اتحاد الصورة بالهيولي عند أرسطو، إلا أن النفس عندهم شيء جسماني، وهذه النفوس تتحرك من مركز الأجسام إلى المحيط، ومن المحيط إلى المركز، في حركة غير منقطعة انتشارًا وانقباضًا، كتيارات دائمة تحدث في الأجسام، امتدادًا تارةً، وتقلصًا وانقباضًا تارةً أخري، ويذكر الأستاذ برهييه أن هذه النفوس هي التي تمنح فردية كل كائن، فتتفاوت الشخصية أو الفردية في الأجسام، وتيارات النفوس تتداخل وتتخلخل أجزاؤها بعضها في بعض، وكل جسم يدخل في الآخر بلا مقاومة بحيث يحتفظ كل جسم بجوهره وخواصه، فإن سخونة الحديد ترجع إلى سريان النار داخل الحديد، وتظل كما هي داخله، وبنفس الكيفية يمكن أن يداخل أي جسم مهما صغر أي جسم آخر مهما كبر، وأن قطرة من النبيذ لا تكفي لتلويث البحر بأسره فحسب، بل أيضًا تسري في العالم كله، وتكمن فيه، ويلزم من ذلك أنه لا توجد ثمة حدود فاصلة للأشياء كما توهمنا بذلك الحواس، فليست الأجسام ذات سطوح تتماس، والعالم ملاء وليس بداخله خلاء نتيجة لهذا التداخل المطلق، وقد أخطأ أبيقور حينما زعم أن الخلاء ضروري لإمكان الحركة، ونحن هنا بإزاء تفسير لمسألة ميتافيزيقية مهمة في تاريخ الفلسفة، وهي فكرة الفعل من بعد، فليس ثمة بعد في المذهب الرواقي من حيث إن الأشياء يداخل بعضها بعضًا[  Brehier, Emile: Ghrysippe. Paris, Felix Alcan, ١٩١٠, P.١٥٤]، وقد انتظم العالم بجميع أجزائه دفعة واحدة، وبذور الأحياء منطوية بعضها على بعض، أو كامنة بعضها في بعض، بحيث إن كل حي فهو مزاج كلي من ذريته جمعاء، وتخرج الموجودات من كمونها شيئًا فشيئًا، وما تزال تخرج بقانون (لوغوس) ضروري أو قدر [ يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ط ٤، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٩٥٨م، ص ٢٢٧].

رأي الرواقيون في الكمون

وهكذا يرى الرواقيون أن نظريتهم في الكمون أو المداخلة تفسر انتشار الجسم الفاعل خلال الجسم المنفعل، وينتشر العقل خلال المادة، والنفس خلال البدن، فالأشياء لا يؤثر بعضها على بعض تأثيرًا من بعد، بل إن كل جسم هو بوجه عام كامن في جميع الأجسام الأخرى، ماثل في العالم بأسره، والعالم كله حاضر في كل واحد. [ دكتور عثمان أمين : الفلسفة الرواقية، ط ٢، القاهرة، لجنة التأليف والترجمة والنشر، ١٩٥٩م، ص ١٥٨- ١٥٩].

 وعرف بعض مفكري الإسلام نظرية الكمون أو المداخلة الرواقية وتأثروا بها، فيعرف الخوارزمي الكمون بأنه استتار الشيء عن الحس كالزبد الذي في اللبن قبل ظهوره، وكالدهن في السمسم [الخوارزمي، أبو عبد الله محمد: كتاب مفاتيح العلوم، طبع ليدن، ١٨٩٥م، ص ١٤٠].

وقد ظن (الشهرستاني) أن (أنكساجوراس)هو أول من قال بالكمون والظهور، حيث قدر الأشياء كلها كامنة في الجسم الأول، وإنما الوجود ظهورها من ذلك الجسم: نوعًا ومقدارًا وشكلًا وتكاثفًا وتخلخلًا، كما تظهر السنبلة من الحبة الواحدة، والنخلة الباسقة من النواة الصغيرة، والإنسان الكامل الصورة من النطفة المهينة، والطير من البيض [الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم: كتاب الملل والنحل، تخريج الدكتور محمد بن فتح الله بدران، ط ۲].

نظرية الكمون عند الإسلاميين

ويؤكد المستشرق الألماني (هوروفيتز): إن الإسلاميين عرفوا نظرية المداخلة أو الكمون، ويستشهد على ذلك بنص لابن حزم، يقول فيه: ذهب القائلون بأن الألوان أجسام إلى المداخلة، ومعنى هذه اللفظة أن الجسمين يتداخلان، فيكونان جميعًا في مكان واحد، ثم يدلل ابن حزم على فساد هذا القول [  Horovitz's. Uber Den Einfluss Der Griechischen Philosophie Auf Die Entwichung Des. Kalam, Breslau, ١٩٠٩, S. ١٢]، ويلاحظ أن ابن حزم قد أدرك هنا ما بين نظرية المداخلة ومذهب التجسيم الرواقي من صلة وثيقة.

وقد تأثر بعض المتكلمين بهذه النظرية وقبلوها، فقد حكى زرقان عن الهاشمية أصحاب هشام بن الحكم أنهم يقولون بالمداخلة، ويثبتون كون الجسمين اللطيفين في مكان واحد [الأشعري، أبو الحسن: مقالات الإسلاميين، تحقيق محمد محيي الدين القاهرة، مكتبة النهضة المصرية القاهرة، دار الكتب ١٩٢٥م، صه، نفس المصدر: ۱ / ۳۲۷].

 ويقول النظام: إن كل شىء قد يداخل ضده وخلافه، فالضد هو الممانع المفاسد لغيره، مثل الحلاوة والمرارة، والحر والبرد، والخلاف مثل الحلاوة والبرودة، والحموضة والبرد، وزعم أن الخفيف قد يداخل الثقيل، ورب خفيف أقل كيلًا من ثقيل وأكثر قوة منه، فإذا داخله شغله، يعني أن القليل الكيل الكثير القوة يشغل الكثير الكيل القليل القوة، وزعم أن اللون يداخل الطعم والرائحة، وأنها أجسام.

ومعنى المداخلة أن يكون حيز أحد الجسمين حيز الآخر، وأن يكون أحد الشيئين في الآخر، ثم يبطل الأشعري قول النظام بالمداخلة، ويرده إلى المذاهب الثنوية [نفس المصدر: ۱ / ۳۲۷].

وقد استفاد النظام بنظرية المداخلة، وهو الذي وافق الرواقيين في تصور النفس على أنها جسم لطيف مداخل للبدن، كما فسر بهذه النظرية رأيه في كيفية سماع الأصوات، فذكر ابن الراوندي قول النظام في الأصوات وأنها تسمع بالمداخلة. [الخياط، أبو الحسين عبد الرحيم: كتاب الانتصار، تحقيق دكتور نيرج القاهرة، مكتبة النهضة المصرية].

أما الإيجي فقد تشكك في حقيقة نسبة نظرية المداخلة والكمون إلى النظام، فقال في كتابه المواقف إن الجواهر يمتنع عليها التداخل لذاتها بالضرورة.... وأما النظام فقيل: إنه جوزه، والظاهر أنه لزمه ذلك، فيما صار إليه، وأما أنه التزمه وقال به، فلم يعلم، وإن صح كان مكابرًا [الإيجي، عبد الرحمن بن أحمد: المواقف في علم الكلام، نشره إبراهيم الدسوقي عطية وزميله القاهرة مطبعة العلوم، ١٣٥٧ هـ، ص ٢٥١].

وأرجع الطوسي قول النظام بالتداخل إلى إنكاره كالرواقيين تناهي الجسم في التجزؤ، فقال: "لما التزم النظام القول بوجود الجواهر الفردة غير المتناهية في الجسم المتناهي، لزمه القول بتداخل الجواهر [الطوسي: تلخيص المحصل بذيل كتاب المحصل للفخر الرازي، ص ٤٩].

أما الأشعري فقد أرجعه إلى جعل نظام الأعراض أجسامًا [الأشعري: المقالات، مصدر سابق: ٢ /٣٤٧]، وهذان التفسيران- فيما أرى - صادقان، إلا أنهما غير كافيين، وذلك أن تسيم الأعراض، وإنكار تناهي الجواهر الفردة يؤديان حقًّا إلى القول بالتداخل، ولكن يجمع هذه الأفكار الثلاث نظرية أساسية ذات مصدر خارجي، وهذا ما فعله المستشرق هورتن، حيث ذهب إلى أن التداخل عند النظام: إما مأخوذ من الرواقيين، وإما أن يكون النظام قد توصل إليه بتأمله الخاص في آراء أنكساغوراس، فاتفق النظام مع نظرية الرواقيين من غير أن يأخذ منهم [دكتور محمد عبد الهادي أبو ريدة: إبراهيم بن سيار].

وكما استطاع الرواقيون - كما ذكرنا - تفسير مسألة الفعل من بعد بفكرة المداخلة استطاع أيضا أتباعهم في العالم الإسلامي القائلون بالمداخلة أن يقدموا حلًّا للمسألة ذاتها، فقال أصحاب هشام بن الحكم - فيما حكاه زرقان: إن الجسم يكون في مكان، ثم يصير إلى المكان الثالث من غير أن يمر بالثاني [الأشعري: المقالات، مصدر سابق: ١/١٢٦].

ويبدو أن هشام بن الحكم كان أول من ابتدع فكرة الطفرة في العالم الإسلامي [دكتور علي سامي النشار: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ط. الإسكندرية، دار المعارف، ١٩٦٥ م: ٢۷/٢٤٩].

وقد تابعة النظام في هذه الفكرة [الأشعري: المقالات، مصدر سابق: ۲/ ۳۲۱ وكذلك ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد: كتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل، القاهرة المطبعة الأدبية، ۱۳۱۷ - ١٣٢١ هـ: ٥ / ٦٤: وكذلك دكتور أبو ريدة: النظام، مرجع سابق، ص ۱۳۱].

وكان أحمد بن خابط من أصحاب النظام، فقال أيضًا بالطفرة [الإسفراييني، أبو المظفر: التبصير في الدين..... تحقيق محمد زاهد الكوثري القاهرة، مكتبة الخانجي ١٩٥٥م، ص ٢٢٠].

ويذهب الدكتور علي سامي النشار إلى أن فكرة النظام في الطفرة تتفق مع فكرته عن الحركة، فالأجسام عنده كلها متحركة، وهي تتحرك في الوقت الذي نحسبها فيه ساكنة، ثم يقول الدكتور النشار: إن أثر الرواقيين ظاهر تمامًا؛ فحركة الاعتماد هي حركة التوتر عند الرواقيين [دكتور النشار، مرجع سابق: ١/٥٧٠].

ولكن ما المقصود بحركة الاعتماد؟ يعرض الأشعري لنا فيما يلي فكرة النظام عن الحركة..

قال النظام: الأجسام كلها متحركة، والحركة حركتان: حركة اعتماد وحركة نقلة، فالأجسام كلها متحركة في الحقيقة وساكنة في اللغة.

والحركات هي الكمون لا غير، ثم يخبرنا الأشعري بأنه قرأ في كتاب يضاف إلى النظام أنه قال: لا أدري ما السكون، إلا أن يكون يعني كان الشيء في المكان وقتين، أي تحرك فيه وقتين، وزعم أن الأجسام في حال خلق الله سبحانه وتعالي لا متحركة حركة اعتماد [الأشعري: المقالات: ٢/٣٢٤-٥۲۱].

تأثير الرواقيين على النظام

وقد رفض الدكتور أبو ريدة بشدة ما قرره هوروفيتز من أن كلمة الاعتماد هي ترجمة موفقة للكلمة اليونانية تونوس أي التوتر، وأن فكرة الاعتماد عند النظام ترجع إلى حركة التوتر عند الرواقيين، فقال الدكتور أبو ريدة: ولا شك أن التعامل ظاهر فيما يقرره هوروفيتز، وأن فكرة التوتر عند الرواقيين فكرة فلسفية لا نجد عند النظام في حركة الاعتماد ما يشبهها ولو من بعيد، ومعرفة النظام بآراء الرواقيين، وإن كانت جائزة من طريق مناظراته مع الديصانية، أو من غير ذلك الطريق، فإن معرفة النظام لها وانتفاعه بها إلى هذا الحد أمر مشكوك فيه [دكتور أبو ريدة: النظام، ص ١٣٩-١٤٠].

ومن الواضح أن الدكتور أبو ريدة حاول أن يخلع على النظام أصالة فكرية لم يخلعها عليه أحد من مؤرخي الفرق من قبل، ولم يوافقه في أقواله معظم المعتزلة أنفسهم، بما في ذلك أستاذه العلاف.

ومما يرجح تأثر النظام بالرواقيين بنظريتهم في الكمون ما يحكيه: (الشهرستاني) عنه أنه زعم أن الله تعالى خلق الموجودات كلها من بشر وبهائم ونبات ومعادن في وقت واحد، أو في دفعة واحدة، ولم يتقدم خلق آدم - عليه السلام - خلق أولاده، ولا يتقدم خلق الأمهات على خلق الأولاد، غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض، فالتقدم والتأخر، إنما يقع في ظهورها من مكامنها.

وبعد أن عرض الشهرستاني لنظرية الكمون عند النظام قال: وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة، وأكثر ميله أبدًا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين [الشهرستاني : الملل والنحل : ١/٥٨]، وهكذا لا ينسب الشهرستاني فكرة الكمون عند النظام إلى أنكساغوراس الذي ذكرت - منذ هنيهة - أن الشهرستاني عده أول من قال بمذهب الكمون والظهور وإنما نسب فكرة النظام إلى الفلاسفة الطبيعيين، ويستنكر الدكتور: (فهمي جدعان) قول الشهرستاني أن يكون الفلاسفة الطبيعيون هم مصدر نظرية الكمون لدى النظام، وإنما يجب إرجاعها إلى نظرية الرواقيين في الأسباب البذرية، وهي النظرية التي تقوم عليها فكرتهم عن القدر [   F hmi Jadaane: L'influence du Stoisme Sur La Pensee Musulmane Beyrouth, Dar El-Machreg. ١٩٦٨.pp. ١٤٤-١٤٥.]، ويعرض الخياط لما قاله ابن الروندي عن نظرية النظام في الكمون، وهو عين ما ذكره الشهرستاني وعبد القاهر البغدادي صاحب كتاب الفرق بين الفرق، إلا أن ابن الرواندي يضيف إلى هذه النظرية رأى النظام في القدرة الإلهية والقدر؛ إذ يلزم من نظرية الكمون عند النظام أن يكون محال عنده - في قدرة الله -أن يزيد في الخلق شيئًا أو ينقص منه، وبذلك أدت نظرية الكمون عند النظام - كما أدت عند الرواقيين من قبل - إلى القول بجبرية صارمة، وقدر لا يلين ولا يستطيع أحد منه فكاكًا، حتى الله تعالى.

 ولكن الخياط يبرئ النظام مما نسبه ابن الرواندي إليه، فيقول: وهذا كذب على إبراهيم (أي النظام)، والمعروف من قول إبراهيم أن الله - عز وجل - ذكره كان يقدر أن يخلق أمثال الدنيا وأمثالهما لا إلى غاية ولا نهاية، وكان مع قوله: إن الله خلق الدنيا جملة، يزعم أن آيات الأنبياء - عليهم السلام - لم يخلقها الله إلا في وقت ما أظهرها على أيدي رسله [الخياط: الانتصار، مصدر سابق، من ٥١-٥٢].

وواضح من هذا النص أن الخياط لا ينفي أن يكون النظَّام قد قال بالفعل: إن الله قد خلق الدنيا ضربة واحدة، مخالفًا بذلك ما ورد في التنزيل الحكيم بأنه تعالى خلق المخلوقات في ستة أيام. ويستبعد هوروفيتز رد نظرية النظام إلى عقيدة اليهود بأن المخلوقات كلها خلقت في اليوم الأول، على الرغم من افتراضه بأن هذا الرأي وغيره مما ورد في التلمود قد عرفه الإسلاميون، وذلك لأن ثمة فرقًا بين ما يعتقده اليهود وما يقوله النظام، والمرجح عند هوروفيتز أن مذهب الكمون عند النظام وما يلزم عنه من القول بخلق الدنيا جملة، إنما يرجع إلى العلة البذرية عند أصحاب الرواق، وهو أن الأشياء برمتها كانت كامنة في الموجود الأول أو العقل على هيئة بذور، وأنها تظهر منه ظهورًا ضروريًا كظهور الحيوان أو النبات من البذرة.

أما هورتن فقد ذهب إلى أن نظرية النظام ترجع إلى فلسفة أنكساغوراس، وأن بينهما تطابقًا تامًا، ويستنكر أن يكون لنظرية النظام أصل رواقي، إلا أن هورتن لا ينكر أن يكون النظام قد استعان بقول أهل الرواق الذي يشبه مذهب أنكساغوراس شبهًا ظاهريًا فقط.

وبعد أن قدم لنا الدكتور أبو ريدة رأي كل من: (هوروفيتز، وهورتن) في مصدر فكرة النظام عن الكمون، أنكر كلا الرأيين، وأبطل القول بتأثر النظام بنظرية الكمون الرواقية والإنكساغورية على السواء [دكتور أبو ريدة: النظام، ص ١٤٤١٤١].

١-شرح الجاحظ لمذهب النظام في الكمون

وقد أفاض الجاحظ في شرح مذهب أستاذه النظام في الكمون، فذهب إلى أن أبا إسحاق النظام قد ألزم من أنكر أن في الحجر والعود نارًا، بالقول بأن ليس في السمسم دهن، ولا في الزيتون زيت، بل ليس في الإنسان دم، وإنما يخلق الدم عند الشرط، إن مثل منكري الكمون كمثل الذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء، وإن وجدوها باللمس ثقيلة قالوا: إنما يخلق الماء عند حل رباطها، فلماذا لا يقولون في الشمس والقمر والكواكب عندما تغيب عن أبصارهم إنها غير موجودة؟ لقد أنكر ضرار بن عمرو القول بالكمون، وبذلك وقع في الكفر والمعاندة في نظر النظام، لأنه كان يزعم أن التوحيد لا يصح مع إنكار الكمون.

ولئن ادعى أحد من الناس أن النار لا تكون كامنة في العود، لأنه وجد النار أعظم من العود، ولا يجوز أن يكون الكبير في الصغير، فإنه قد أخطأ، وإلا فليزعم أن الدخان لم يكن في الحطب، ومن الواضح أن الدخان أعظم حجمًا من الحطب، واحتراق الحطب عند النظام إنما هو خروج نيرانه منه، وليس نارًا جاءت من مكان خارجي فعملت في الحطب، فالنار كامنة فيه، وكان النظام يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئًا من الدهن ولم تشربه، فالنار لا تأكل ولا تشرب، ولكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان والنار الكامنين فيه [الجاحظ : الحيوان القاهرة، مطبعة الترقي ١٩٠٦م : ٨/٥-٩].

وقد كان فريق من خصوم النظام والمعارضين له يأخذ العود فينقيه، ويقول: أين تلك النار الكامنة؟ مالي لا أراها، وقد ميزت العود قشرًا بعد قشر؟! وكان النظام يرد بأن لكل نوع من الأشياء الكامنة نوعًا من الاستخراج، وضربًا من العلاج، فالعيدان مثلًا تخرج نيرانها بالاحتكاك، واللبن يخرج زبده بالمخض.. وهكذا [السابق ٥/ ١٩].

ولعل فكرة النظام بأن لكل نوع من الأشياء الكامنة نوعًا من الاستخراج [السابق ٥/ ١٩] هي مصدر قول جابر بن حيان ( توفي في أواخر القرن الثالث أو أوائل القرن الرابع الهجري،  فإن في الأشياء كلها وجودًا للأشياء كلها، ولكن علي وجوه من الاستخراج، فإن النار في الحجر كامنة ولا تظهر، وهي له بالقوة، فإذا زند أروى فظهرت، وكذلك الشمع في النحل، ولو أخذنا مائة ألف نحلة ثم عصرناها وطبخناها ودبرناها تدبيرنا للعسل الذي فيه الشمع، لم يخرج منه دانق شمع، ولكن النحل إذا تغذى غذاء معتدلًا، وعملت له الكوى التي يأوي فيها، وعمل العسل؛ واجتنى ذلك العسل خرج منه الشمع، وأمثال ذلك [جابر بن حيان: مختار رسائل جابر بن حيان نشرها بول كراوس القاهرة، مكتبة الأنجلو، ١٩٦٣م، ص ٦].

وقد مزج جابر بن حيان فكرة الكمون والظهور بفكرة القوة والفعل الآرسطوطاليسية، كما يلاحظ في هذا النص، وأرجع جابر بن حيان في كتابه الخواص الكبير القول بالكمون والظهور إلى المنانية الذين قالوا بكمون بعض الأشياء في بعض وظهورها كظهور الجنين من النطفة، والشجرة من الحبة، وما شاكل ذلك [السابق، ص ٢٩٩-٣٠٠].

الخلاصة

يرى الرواقيون أن كل شيء يحتوي بالقوة على صفات تظهر عند توفر الشروط، دون خلق جديد أو تأثير من بُعد، وقد أخذ النظام بهذا المفهوم ورفض السببية التقليدية، مؤكدًا أن الصفات لا تُحدث بل تظهر من كمونها.

موضوعات ذات صلة

تعتبر الحركة أهم لواحق الأجسام الطبيعية، وهي محور لدراسة علل الموجودات الطبيعية، وضدها السكون وهو الوقوف والثبات في مكان واحد زمانين.

مفهوم التكوين متعدد بين اللغة والفلسفة والكلام، وهو صفة إلهية تحمل في طياتها نقاشات طويلة حول أزلية الصفات وحداثة المخلوقات،

علم الطبيعة علم يختص بتفهم الظواهر الطبيعية التي تحدث في الكون معتمدًا على الملاحظات التجريبية والقياسات الكمية

موضوعات مختارة