Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أبو نصر الفارابي: المعلم الثاني الذي جمع بين حكمة اليونان وروحانية الإسلام

الكاتب

هيئة التحرير

أبو نصر الفارابي: المعلم الثاني الذي جمع بين حكمة اليونان وروحانية الإسلام

يُمثل الفارابي حلقة الوصل المركزية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث استطاع بعبقريته الفذة التوفيق بين صرامة العقل اليوناني وروحانية المشرق الإسلامي، لم يكن مجرد شارحٍ للفلسفة، بل كان فيلسوفًا صوفيًّا؛ بحث عن الحقائق الكلية وراء الحجب، ليؤسس نموذجًا فريدًا للحكيم الذي يجمع بين العلم والزهد.

التعريف بالفارابي

هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان، ويعرف بالفارابي، نسبة إلى ولاية فاراب، وهي إقليم كبير وراء نهر جيحون، على تخوم بلاد الترك.

أكان فارسيًا أم تركيًا؟

إن أكثر المترجمين لحياته يذكرون: أنه تركي، ولكن ابن أبي أصيبعة، في كتاب: "طبقات الأطباء" يذكر: أن أباه كان فارسي الأصل، تزوج من امرأة تركية، وأصبح قائدًا في الجيش التركي.

ويصمت التاريخ صمتًا تامًّا عن فترة الطفولة وفترة الشباب لفيلسوفنا، فلا يحدثنا بشيء عنهما، بل يغفل أيضًا ذكر ميلاده، ولولا أن ابن خلكان ذكر أنه توفي سنة ٣٣٩ هـ، وقد ناهز ثمانين سنة، لما أمكن استنتاج تاريخ مولده إلا ظنًّا؛ وكلمة ابن خلكان إذ، يؤخذ منها أنه ولد حوالي سنة ٢٥٩ هـ.

مكانة الفارابي الاجتماعية

أما مكانته الاجتماعية: فقد تضاربت فيها أقوال المؤرخين، ولا سبيل إلى القول فيها بالقطع، والذي نميل إليه هو أنه نشأ في أسرة على جانب كبير من الرخاء؛ إذ كان أبوه قائد جيش كما يذكر ابن أبي أصيبعة.

وكان - كما يذكر ليون الأفريقي-: شريف النسب، معدًّا لحياة البذخ".

ثم واتته الدنيا، وواتاه الجاه، فاشتغل بالقضاء في بلدته [التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود، ص٢٣٨].

دراسة الفارابي للفلسفة

لقد كانت نفسه تتطلع إلى معرفة الغيب، واختراق الحجب، والكشف عن المساتير؛ بيد أن دراسته الفقهية وعمله في القضاء الذي كان ثمرة لهذه الدراسة، لم يؤهلاه إلى ما يطمح إليه، فضلًا عن أن بيئته، وما يستلزمه عمله من مخالطة واتصالات لا تترك له فراغًا، كل ذلك كان يحول بينه وبين ما يطمح إليه.

وها هي ذي السنون تمضي، الواحدة تلو الأخرى، ويزداد شوق الفارابي إلى معرفة الحقائق الخاصة بما وراء الطبيعة.

وفي فترة من فترات التحمس الشديد، عدل فجأة عما هو فيه - وقد ناهز الأربعين تقريبًا - فمال راضيًا مغتبطًا، إلى حياة التأمل والتفكير الفلسفي الصوفي، فغادر بلدته قاصدًا بغداد، وهي إذ ذاك مصدر الثقافة والمعرفة.

لم يدرس "الفارابي" إذن، الفلسفة في مبدأ حياته، والذي يدعونا إلى القول بهذا أن الفارابي بدأ يحضر دروس المنطق في بغداد على أبي بشر بن متى، ثم تابع دراسة المنطق على يوحنا بن حيلان في حران، وأكبّ منذ دخوله بغداد على دراسة الفلسفة، على وجه العموم، في شغف زائد وشوق بالغ، ولا شك أن ذكاءه وشوقه كانا كفيلين ببلوغه من تعلمها إلى ما يطمح إليه في فترة قصيرة من الزمن، خصوصًا وأنه كان في مرحلة النضج العقلي الكامل.

كانت نفس الفارابي إذ ذاك متطلعة إلى استكشاف المجهول، وكان من وسائل إرضائها في هذا الجانب الرحلات والأسفار [فيلسوف العرب والمعلم الثاني مصطفي عبد الرازق باشا، دار إحياء الكتب العربية، ١٩٤٥، ص٦١].

معرفة الفارابي باللغات والموسيقى

أما مبدأ اتصاله بـ"سيف الدولة" فتروى فيه حكاية لا شك أنها من اختراع متخيل، بيد أنه لم يُين التخيل فيها على غير أساس، وهي إذا جردناها من المبالغات فيها، تعطينا ثلاثة جوانب في حياة والفارابي، وهي في الواقع حقائق:

الجانب الأول: معرفته باللغات، ولا شك أن الفارابي كان يعرف أكثر من لغة، منها على كل حال: العربية، والتركية، والفارسية.

والجانب الثاني: معرفته بالموسيقى؛ لقد كان يعرف الموسيقى نظريًا وعمليًا.

أما الجانب الثالث فهو: عزة نفسه [انظر بتصرف، وفيات الأعيان، لابن خلكان، ج٥، ص١٥٣].

نمط حياة الفارابي

والمترجمون لحياة الفارابي مجمعون على أنه كان يعيش معيشة الزاهدين في العالم، وكان يميل إلى العزلة والتأمل.

ويصف الشيخ: مصطفي عبد الرازق، نمط حياته فيقول: وقد عاش "الفارابي" عيشة الزهاد حياته كلها، فلم يقتن مالًا، ولا اتخذ صاحبة ولا ولدًا!

وكان يستطيع أن يستمتع برفه العيش، خصوصًا في شيخوخته أيام استظلاله بظل الملك الجواد " سيف الدولة بن حمدان "، لكنه:\ لم يتناول من "سيف الدولة" إلا أربعة دراهم فضة في اليوم، يخرجها فيما يحتاجه من ضرورة العيش. وهو الذي اقتصر عليها لقناعته، ولو شاء زيادة لوجد مزيدًا. [فيلسوف العرب والمعلم الثاني، مصطفى عبد الرازق، ص٦٤].

ويصفه "ابن خلكان" بأنه كان يعيش عيشة قدامى الفلاسفة.

وقد تحدث كثيرون عن نزعة "الفارابي" الزهدية، والصوفية، سواء أكان ذلك في حياته الشخصية، أم في مذهبه الفلسفي.

ويحدثنا "كارا دي فو" عن هذه النزعة الفارابية، وعن الفرق بينها وبين موقف ابن سينا من التصوف، فيقول:

التصوف لا يظهر في مذهب "ابن سينا" إلا في آخره كتاج يتوّجه، وهو جزء منفصل تمام الانفصال عما عداه من أجزاء مذهبه، وقد عالجه بمهارة فائقة على أنه فصل من فصول فلسفته التي كان عليه أن يبسطها من جهة موضوعية بحتة. والأمر على نقيض ذلك عند " الفارابي"؛ فالتصوف يتخلل جميع مذهبه، وعبارات المتصوفة شائعة تقريبًا في كل أقواله. وكأنما التصوف عنده ليس نظرية من النظريات، وإنما هو حالة ذاتية [دائرة المعارف الإسلامية، الترجمة العربية، " مادة: أبو نصر الفارابي"].

ثقافة الفارابي وكتبه

قال القاضي صاعد في كتاب "التعريف بطبقات الأمم" :

إن "الفارابي" أخذ صناعة المنطق عن "يوحنا بن حيلان" المتوفي بمدينة السلام في أيام المقتدر، فبذّ جميع أهل الإسلام فيها، وأربى عليهم في التحقق بها، فشرح غامضها، وكشف سرها، وقرب تناولها، وجمع ما يحتاج إليه منها في كتب صحيحة العبارة، لطيفة الإشارة، فنبه على ما أغفله الكندي وغيره من صناعة التحليل وأنحاء التعاليم، وأوضح القول فيها عن مواد المنطق الخمس، وأفاد وجوه الانتفاع بها، وعرف طرق استعمالها، وكيف تصرف صورة القياس في كل مادة منها، فجاءت كتبه في ذلك الغاية الكافية، والنهاية الفاضلة.

ثم له بعد هذا كتاب شريف في إحصاء العلوم والتعريف بأغراضها؛ لم يسبق إليه، ولا ذهب أحد مذهبه فيه، ولا يستغنى طلاب العلوم كلها عن الاهتداء به، وتقديم النظر فيه، وله كتاب في أغراض فلسفة "أفلاطون" و"أرسطو طاليس"؛ يشهد له بالبراعة في صناعة الفلسفة، والتحقق بفنون الحكمة، وهو أكبر عون على تعلم طريق النظر، وتعرف وجه الطلب، اطلع فيه على أسرار العلوم وثمارها علمًا علمًا. [التعريف بطبقات الأمم" صـ ٥٣- المطبعة الكاثوليكية للآباء اليسوعيين - بيروت]

وكتب "الفارابي" كثيرة؛ بلغ بها بعضهم إلى مائة وثمانية وعشرين كتابًا ورسالة، وهي في كل فنّ تقريبًا.

ثم إنها تنقسم طبيعيًّا إلى قسمين:

(أ) قسم: هو شرح، أو تعليق، أو بيان لآراء "أفلاطون" و"أرسطو".

(ب) وقسم: هو تأليف شخصي للفارابي، ومن أشهر كتبه ما يلي:

١- رسالة فيما يجب معرفته قبل تعلم الفلسفة.

٢- رسالة في مسائل متفرقة.

٣- رسالة في إثبات المفارقات.

٤- رسالة في العقل.

٥- رسالة فيما ينبغي أن يقدم قبل تعلم الفلسفة.

٦- عيون المسائل.

٧- إحصاء العلوم.

٨- ما يصح وما لا يصح من أحكام النجوم.

٩- تحقيق غرض " أرسطوطاليس" في كتاب ما بعد الطبيعة.

۱٠- مقالة في أغراض ما بعد الطبيعة.

۱١- شرح رسالة " زينون الكبير اليوناني".

۱٢- التعليقات.

١٣- كتاب الجمع بين رأيي الحكمين: "أفلاطون وأرسطو ".

١٤- كتاب تحصيل السعادة.

١٥- كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة.

١٦- کتاب السياسة المدنية.

۱٧- کتاب الموسيقى الكبير.

۱٨- التنبيه على سبيل السعادة.

١٩- فضيلة العلوم والصناعات.

٢٠- الدعاوى القلبية.

ويقول "كارا دي فو":

وكان غرض "الفارابي" شأن غيره من فلاسفة مدرسته: أن يحيط بجميع العلوم، ويظهر أنه كان رياضيًّا بارعًا، وطبيبًا لا بأس به، وكتب كذلك في العلوم الخفية، كما كان إلى جانب هذا موسيقيًّا متفننًا، ندين له بأهم رسالة عن نظرية الموسيقى الشرقية، وكان يؤلف الألحان.

وقد أثارت عبقرتيه إعجاب "سيف الدولة"، ولا يزال دراويش المولوية يحفظون أغاني قديمة تنسب إليه [التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود، ص٢٤٢-٢٤٤].

وفاة الفارابي

وفي سنة ٣٣٩ هـ اصطحبه " سيف الدولة" في حملته على دمشق، فتوفي هناك في السنة نفسها، وقد بلغ من العمر ثمانين عامًا، وصلى عليه "سيف الدولة" في نفر خاصته، ودفن بظاهر دمشق خارج الباب الصغير.

أما صلاة "ابن حمدان" في بعض خواصه على "أبى نصر" التي عنى المؤرخون بتسجيلها، فهي آية مودة وتكريم من "سيف الدولة" لرجل آتاه الله حكمة تتعالى عن عقول العامة وقلوبهم [التفكير الفلسفي في الإسلام، مرجع سابق، ص٢٤٥، فيلسوف العرب والمعلم الثاني، مصطفى عبد الرازق، ص٦٣].

الخلاصة

يخلص المقال إلى أن الفارابي (المتوفي ٣٣٩هـ) استحق لقب "المعلم الثاني"؛ لإسهاماته الجوهرية في المنطق والموسيقى والسياسة المدنية، متميزًا بمنهجٍ توفيقي بين أفلاطون وأرسطو، وتكشف سيرته عن شخصية زاهدة، آثرت التأمل على رغد العيش، تاركةً إرثًا معرفيًّا يتجاوز مائة مؤلف، صاغت وجدان الفلسفة الإسلامية.

موضوعات ذات صلة

تعد محاولة الفارابي للتوفيق بين أفلاطون وأرسطو تجسيدًا لوحدة الحقيقة الفلسفية وتجاوزًا لظواهر الاختلاف الصوري نحو جوهر معرفي موحد.

المدينة الفاضلة عند الفارابي جوهر مشروعه الفلسفي، فهي تجسيد لمثالية الفلسفة التي تسعى لتغيير الواقع وتوجيه الفطرة الإنسانية نحو نيل السعادة.

يُعتبر أبو نصر الفارابي من أعظم الفلاسفة والعلماء الموسوعيين في التاريخ الإسلامي، حيث جمع بين الفلسفة، الموسيقى، والعلوم المختلفة. 

موضوعات مختارة