الناس يجتمعون؛
لأن كل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته،
إلى أشياء كثيرة؛ لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل
واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال.
فلذلك لا يمكن
أن ينال الإنسان الكمال، الذي لأجله جعلت له الفطرة الطبيعية، إلا باجتماعات جماعة
كثيرة متعاونين، يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه من قوامه، فيجتمع مما
يقوم به جملة الجماعة لكل واحد، جميع ما يحتاج إليه في قوامه، وفي أن يبلغ الكمال.
ولهذا كثرت
أشخاص الإنسان، فحصلوا في المعمورة من الأرض، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية. [آراء أهل المدينة الفاضلة، الفارابي].
فمنها: الكاملة،
ومنها غير الكاملة.
والكاملة: ثلاث:
عظمى، ووسطى، وصغرى.
فالعظمى:
اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة.
والوسطى: اجتماع
أمة في جزء من المعمورة.
والصغرى: اجتماع
أهل مدينة في جزء من مسكن أمة.
ويلاحظ الدكتور
على عبد الواحد أن الاجتماع الأول الذي ذكره "الفارابي"، وجعله أكمل
المجتمعات الكاملة جميعًا لم يذكره أحد من قبله، بل لم يخطر ببال فلاسفة اليونان،
فهؤلاء لم يفكروا إلا فيما كان يقع تحت مشاهدتهم، وهو الدويلات الصغيرة التي تتألف
كل دولة منها من مدينة وتوابعها، أو من بعض مدن وتوابعها، ولعل ذلك يرجع إلى تأثر
الفارابي بتعاليم دينه، إذ إن الإسلام يهدف إلى سعادة أهل الأرض كلهم. [فصول من آراء أهل المدينة الفاضلة، الدكتور على عبد الواحد وافي].
وإذا كان "الفارابي"
يتحدث عن مجتمع المدينة الفاضلة، فليس معنى ذلك أن كلامه خاص بالمدينة، ذلك أن
كلامه يصدق على المجتمع الأكبر الذي هو العالم كله، وعلى المجتمع المتوسط الذي هو
القطر، وعلى المجتمع الأصغر الذي هو المدينة، وما يحيط بها من قرى تابعة لها.
وبما أن أعمال
الإنسان اختيارية، وكان شأن الخير في الحقيقة ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك
الشر، كانت الغاية من الاجتماع إما الاتجاه إلى الشر، وإما الاتجاه إلى الخير.
والمدينة
الفاضلة إنما هي المدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال
بها السعادة في الحقيقة، والاجتماع الذي يتعاون به على نيل السعادة، هو الاجتماع
الفاضل. والأمة التي تتعاون مدنها كلها على ما تنال به السعادة، هي الأمة الفاضلة.
وكذلك المعمورة
الفاضلة، إنما تكون إذا كانت الأمم التي فيها يتعاونون على بلوغ السعادة، والسعادة
الحقيقية إذن إنما هي هدف الاجتماع الفاضل.
وهذه السعادة
إنما تكون ثمرة لمعتقدات، ولنظم معينة محددة [التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود،
ص٢٥٠-٢٥١].