Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

المجتمع المثالي أو المدينة الفاضلة عند الفارابي

الكاتب

هيئة التحرير

المجتمع المثالي أو المدينة الفاضلة عند الفارابي

تعد (المدينة الفاضلة) عند الفارابي جوهر مشروعه الفلسفي، فهي تجسيد لمثالية الفلسفة التي تسعى لتغيير الواقع وتوجيه الفطرة الإنسانية نحو نيل السعادة الحقيقية، وتتجلى عبقرية الفارابي في الربط بين الترابط الكوني والانتظام الاجتماعي، معتبرًا أن الاجتماع البشري ضرورة فطرية، لتحقيق الكمال الذي يعجز الفرد عن بلوغه منفردًا.

الفلسفة والواقع

ليس هناك - في المنطق السليم - فلسفة واقعية، وإنما هناك أدب واقعي، أو وصف واقعي، فالأدب - في قسم من أقسامه - هو وصفي، يحاول تصوير الواقع في دقة كدقة آلة التصوير، أما الفلسفة فإنها كلها مثالية.

ولعل من الأسباب التي جعلت الناس يخطئون في التعبير، وفي الفكرة، فيتحدثون عن فلسفة واقعية، هو التفرقة القديمة بين نزعة "أفلاطون" ونزعة "أرسطو"، وإطلاقهم على أفلاطون أنه مثالي، وعلى "أرسطو" أنه واقعي.

وكان سبب هذه التفرقة هو قول "أفلاطون" بعالم المثل، وحفزه الهمم إلى استشرافه والتطلع إليه، وأن يكون سلوك الإنسان في نفسه، وسلوك الجماعة في نظمها وقوانينها متمشيًا مع ثمار المعرفة بهذا العالم؛ عالم المثل.

بينما ينقض (أرسطو) هذه النظرية، ويعمل - ما استطاع - على هدمها وتقويض دعائها.

ولكن مما لا شك فيه أن "أرسطو" - مثله في ذلك- مثل" أفلاطون" كان يريد أن يرقى بالمجتمع، وأن يسمو به إلى آفاق من السعادة، والخلق، والسلوك، لا يستمتع بها في واقعه.

إنه كان يرسم، في نظرياته السياسية، والأخلاقية، مثلًا عليا، وأهدافًا سامية لا تمت، أو لا تكاد تمت، بصلة إلى الواقع، إنه مثالي في نظرياته السياسية، وفي مذهبه الأخلاقي، وكل فلسفة إنما هي محاولة لتغيير الواقع في الآراء وفي السلوك، في المعتقدات وفي الأخلاق، إنها تصوير لفكرة الفيلسوف عن المثل الأعلى للفرد وللإنسانية، كل فلسفة إذن هي مثالية بهذا الاعتبار.

وإذا كانت الفلسفة في جميع عصورها مثالية - أو يجب أن تكون كذلك - ؛ فإن الأذهان تنحرف حينما تقرب بين كلمة "مثالي"، وكلمة "خيالي، أو وهمى".

ذلك أن المذهب الذي يرسمه الفيلسوف إنما هو: مذهب يؤمن الفيلسوف كل الإيمان بأنه من الممكن تحقيقه. وإذا لم يأخذ الناس به، فليس ذلك لأن المذهب مستحيل التحقيق، وإنما لعوامل أخرى ليست هي المذهب في نفسه.

ومثل الإنسانية بالنسبة لمذاهب الفلاسفة مثلها بالنسبة للأديان، ومثلها بالنسبة لكل فكرة تدعو إلى الخير والأخوة والسلام.

ترى الإنسانية بعقلها أن الأديان السماوية في صفاتها الأصلية تحقق لها السعادة، ولكن الإنسانية تجرى وراء غرائزها فتقع في الشفاء، وتتجرع الآلام.

وترى الإنسانية بعقلها أن السلام والأخوة يحققان لها أسمى ما تطمح إليه من أمن وتعاون، ولكنها بغرائزها الحيوانية تنغمس في التغالب، والاغتصاب، والأثرة؛ فتجر على نفسها الكوارث والملمات، وما ظلمتهم الفلسفة، وما ظلمتهم الأديان، وما ظلمتهم أفكار الخير؛ ولكن الناس أنفسهم يظلمون.[التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود،ص٢٤٥-٢٤٦].

مدينة الفارابي

نقول هذا بمناسبة البدء في الحديث عن مدينة "الفارابي" الفاضلة، أو عن فكرته عن المجتمع المثالي، وهي فكرة تعتبر مركز الدائرة في فلسفته، أو هي فكرة جمعت فلسفته.

ذلك أن الفارابي، في هذه المدينة، لا يرسم نظامًا سياسيًّا فحسب، وإنما يبين آراء أهل المدينة الفاضلة.

إنه يبين معتقداتهم، فيما يتعلق بما وراء الطبيعة، ويرسم أدلتهم على المعتقدات، إنه يبين معتقدهم في الله وفي النبوة، في المبدأ والمصير، في الهدف والغاية.

ويبين نظام سلوكهم كأفراد، ونظام سلوكهم كجماعة، ونظام صلتهم بالرئيس، ويبين الأساس الذي ينبني عليه السلوك.

ويبين الضلال الذي تنهار فيه المدن: أسبابه وعلله، ظواهره ومظاهره، نتائجه وثمراته.

وفي خلال ذلك يتحدث عن الترابط الكوني؛ سمائه وأرضه، وعن الترابط الاجتماعي بين الرئيس والمرءوسين.

ولا عجب بعد ذلك إذا قلنا: إن مدينة " الفارابي" جمعت على التقريب فلسفته [المرجع السابق، ص٢٤٧].

اهتمام الفارابي بالمدينة الفاضلة

وقد اهتم "الفارابي" اهتمامًا بالغًا بموضوع المدينة الفاضلة، فقد ألف فيها كتابًا أسماه: آراء أهل المدينة الفاضلة، وأهمية هذا الكتاب ترجع إلى ناحيتين:

أما أولًا: فلأنه أحاط بالموضوع من جميع أطرافه، أي من ناحية الاعتقادات، ومن ناحية النظام، ومن ناحية السلوك.

وأما ثانيًا: فلأنه من آخر ما ألف "الفارابي"؛ إذا لم يكن آخر كتاب ألفه، وهو إذًا يعتبر تصويرًا لرأى "الفارابي" الأخير.

يقول ابن أبي أصيبعة: إن" الفارابي" ابتدأ بتأليف كتاب" المدينة الفاضلة" والمدينة الجاهلة، والمدينة الفاسقة، والمدينة المتبدلة، والمدينة الضالة ببغداد، وحمله إلى الشام في أواخر سنة ٣٣٠، وتممه بدمشق في سنة ۳۳۳، وحرره، ثم نظر في النسخة بعد التحرير، فأثبت فيها الأبواب. ثم سأله بعض الناس أن يجعل له فصولًا تدل على قسمة معانيه، فعمل الفصول بمصر سنة ٣٣٧.

ومن المعروف أن "الفارابي" توفي سنة ۳۳۹، فكان آخر عهده بهذا الكتاب إذن قبل وفاته بعامين.

على أن "الفارابي " قد ألف في الموضوع نفسه كتاب:" السياسات المدنية".

ثم إن كتابيه" تحصيل السعادة"، و"التنبيه على سبيل السعادة " إنما هما بيان لبعض جوانب المدينة الفاضلة.

على أنه من الأهمية بمكان أن نذكر أن كتاب الفارابي "الجمع بين رأيي الحكيمين: أفلاطون وأرسطو"، الذي يسخر منه الكثيرون يعتبر كتابًا حاسمًا في بيان بعض آراء الفارابي نفسه [تاريخ الفلسفة الإسلامية، دى بور، ترجمة محمد عبد الهادي أبو ريدة، ص١٤٥].

من عوامل الاجتماع الانساني

الناس يجتمعون؛ لأن كل واحد من الناس مفطور على أنه محتاج في قوامه، وفي أن يبلغ أفضل كمالاته، إلى أشياء كثيرة؛ لا يمكنه أن يقوم بها كلها هو وحده، بل يحتاج إلى قوم يقوم له كل واحد منهم بشيء مما يحتاج إليه، وكل واحد من كل واحد بهذه الحال.

فلذلك لا يمكن أن ينال الإنسان الكمال، الذي لأجله جعلت له الفطرة الطبيعية، إلا باجتماعات جماعة كثيرة متعاونين، يقوم كل واحد لكل واحد ببعض ما يحتاج إليه من قوامه، فيجتمع مما يقوم به جملة الجماعة لكل واحد، جميع ما يحتاج إليه في قوامه، وفي أن يبلغ الكمال.

ولهذا كثرت أشخاص الإنسان، فحصلوا في المعمورة من الأرض، فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية. [آراء أهل المدينة الفاضلة، الفارابي].

فمنها: الكاملة، ومنها غير الكاملة.

والكاملة: ثلاث: عظمى، ووسطى، وصغرى.

فالعظمى: اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة.

والوسطى: اجتماع أمة في جزء من المعمورة.

والصغرى: اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة.

ويلاحظ الدكتور على عبد الواحد أن الاجتماع الأول الذي ذكره "الفارابي"، وجعله أكمل المجتمعات الكاملة جميعًا لم يذكره أحد من قبله، بل لم يخطر ببال فلاسفة اليونان، فهؤلاء لم يفكروا إلا فيما كان يقع تحت مشاهدتهم، وهو الدويلات الصغيرة التي تتألف كل دولة منها من مدينة وتوابعها، أو من بعض مدن وتوابعها، ولعل ذلك يرجع إلى تأثر الفارابي بتعاليم دينه، إذ إن الإسلام يهدف إلى سعادة أهل الأرض كلهم. [فصول من آراء أهل المدينة الفاضلة، الدكتور على عبد الواحد وافي].

وإذا كان "الفارابي" يتحدث عن مجتمع المدينة الفاضلة، فليس معنى ذلك أن كلامه خاص بالمدينة، ذلك أن كلامه يصدق على المجتمع الأكبر الذي هو العالم كله، وعلى المجتمع المتوسط الذي هو القطر، وعلى المجتمع الأصغر الذي هو المدينة، وما يحيط بها من قرى تابعة لها.

وبما أن أعمال الإنسان اختيارية، وكان شأن الخير في الحقيقة ينال بالاختيار والإرادة، وكذلك الشر، كانت الغاية من الاجتماع إما الاتجاه إلى الشر، وإما الاتجاه إلى الخير.

والمدينة الفاضلة إنما هي المدينة التي يقصد بالاجتماع فيها التعاون على الأشياء التي تنال بها السعادة في الحقيقة، والاجتماع الذي يتعاون به على نيل السعادة، هو الاجتماع الفاضل. والأمة التي تتعاون مدنها كلها على ما تنال به السعادة، هي الأمة الفاضلة.

وكذلك المعمورة الفاضلة، إنما تكون إذا كانت الأمم التي فيها يتعاونون على بلوغ السعادة، والسعادة الحقيقية إذن إنما هي هدف الاجتماع الفاضل.

وهذه السعادة إنما تكون ثمرة لمعتقدات، ولنظم معينة محددة [التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود، ص٢٥٠-٢٥١].

الخلاصة

إن نظرية الفارابي في الاجتماع الإنساني تتجاوز حدود "المدينة" اليونانية الضيقة لتشمل آفاقًا عالمية تعاونية؛ تهدف إلى السعادة ثمرةً للمعتقدات الحقة والنظم الأخلاقية، فالمدينة الفاضلة هي نموذج عقلاني، يؤمن الفيلسوف بإمكانية تحقيقه متى غلبت الإرادة الواعية على الغرائز الحيوانية؛ لتظل فلسفته مرآة تعكس التوازن بين واقعية الاحتياج ومثالية الغايات.

موضوعات ذات صلة

تعد محاولة الفارابي للتوفيق بين أفلاطون وأرسطو تجسيدًا لوحدة الحقيقة الفلسفية وتجاوزًا لظواهر الاختلاف الصوري نحو جوهر معرفي موحد.

يمثل مفهوم الألوهية حجر الزاوية في النسق الفلسفي للفارابي، حيث تتشابك البراهين العقلية مع مقتضيات التنزيه الديني لإرساء دعائم "الموجود الأول".

يُعتبر أبو نصر الفارابي من أعظم الفلاسفة والعلماء الموسوعيين في التاريخ الإسلامي، حيث جمع بين الفلسفة، الموسيقى، والعلوم المختلفة. 

موضوعات مختارة