يقول الفارابي
في أول سطر من كتاب: "آراء أهل المدينة الفاضلة":
الموجود الأول:
هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها، ا.هـ.
وعنه سبحانه
وتعالى وجد العالم، ولكن: "وجود الأشياء عنه لا عن جهة قصد يشبه قصودنا، ولا
يكون له قصد الأشياء، ولا صدور الأشياء عنه على سبيل الطبع، من دون أن يكون له
معرفة ورضا بصدورها وحصولها، وإنما ظهرت الأشياء عنه، لكونه عالما بذاته، وأنه
مبدأ لنظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه، فإذن علمه، علة لوجود الشيء
الذي يعلمه. [عيون المسائل،
الفارابي، ص٨٦].
ولكن السؤال
الذي يختلج في الأفئدة هو:
إذا كان الله
سبحانه، وتعالى، واحدًا من كل وجه، وأحديته مطلقة، فكيف يمكن أن يصدر عنه العالم
في كثرته وتنوعه؟
إن الواحد
المطلق لا يصدر عنه الكثير، فكيف وجد العالم المتكثر عن الله الواحد؟ رأى "الفارابي"
حلًا لهذه المشكلة:
إن الله سبحانه،
وتعالى، صدر عنه - أول ما صدر - العقل الأول، واستنجد "الفارابي" ببعض
الأحاديث، منها: «أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ... إلخ» [قال
العراقي في المغني عن حمل الأسفار (بهامش الإحياء) ١/ ٨٣: أخرجه الطَّبَرَانِيّ
فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أبي أُمَامَة وَأَبُو نعيم من حَدِيث عَائِشَة
بِإِسْنَادَيْنِ ضعيفين].
والعقل الأول،
وإن كان واحدًا، إلا أن وحدته ليست مطلقة، إنها ليست كوحدة الله، عن هذا العقل،
صدر عقل ثان، هو أقل في أحديته، من العقل الأول.
واستمرت سلسلة
العقول وكل منها، أقل، في الوحدة، ممن سبق، وهكذا إلى العقل العاشر.
ومن الخطأ البين
الواضح، بل القبيح المستنكر - فيما يرى "الفارابي": ظن بعض الناس: أن
أفلاطون، يقول بحدوث العالم، وأن "أرسطو" يقول بقدمه، ذلك أن أرسطو -
حسبما يرى " الفارابي ": مثله كمثل: أفلاطون في القول بحدوث العالم.
أما ما جاء في
كتاب: أرسطو المسمى: السماء والعالم، من أن: الكل (أي العالم) ليس له بدء زماني،
إنما معناه: أن العالم لم يتكون تدريجيًا، شيئًا فشيئًا، وأولًا فأولًا، وجزءًا
جزءًا، كما يتكون البيت والحيوان. فتسبق الأجزاء بعضها بعضا بالزمان... كلا، وإنما
تكون العالم "عن إبداع الباري" جل جلاله، إياه دفعة بلا زمان، وعن حركته
حدث الزمان.. ألم يقل "أرسطو" في كتاب الربوبية:
إن الهيولي [الهيولي مرادفة للمادة، والفرق
بينها: أن المادة تقال لكل موضوع يقبل الكمال، باجتماعه إلى غيره، ووروده يسيرًا
يسيرًا، على حين أن الهيولي على الإطلاق هي المادة الأولى، وإطلاقها على باقي الأقسام
إنما يكون بالتقييد، فيقال ثانية وثالثة ورابعة. ينظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا
٢/ ٥٣٦-٥٣٧] أبدعها الباري لا عن شيء، وأنها تجسمت عنه، وعن إرادته، ثم
ترتبت في مراتبها؟
يتفق "أفلاطون"
و"أرسطو" إذن على أن: "العالم مبدع من غير شيء".
ويوفقها "الفارابي"
على ذلك، بل وينتقد أفكار أهل الملل في منطقهم الذي لا يحسم الأمر حسمًا جازمًا: "فقولهم
بوجود ماء عنه نشأ هذا العالم، لا يدل على أن العالم نشأ عن لا شيء ".
وهذه القضية
أيضًا تخالف الفكرة العامة عن الفلاسفة من أنهم يقولون بأزلية العالم. [التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود،
ص٢٥٩].