Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الألوهية ونظام الوجود عند الفارابي من إثبات الواجب إلى فيض العقول

الكاتب

هيئة التحرير

الألوهية ونظام الوجود عند الفارابي من إثبات الواجب إلى فيض العقول

يمثل مفهوم الألوهية حجر الزاوية في النسق الفلسفي للفارابي، حيث تتشابك البراهين العقلية مع مقتضيات التنزيه الديني لإرساء دعائم "الموجود الأول"؛ فالله عنده ليس مجرد خالق، بل هو علة نظام الوجود بأكمله، ومبدأ الفيض الذي يربط الوحدة المطلقة بكثرة العالم وتنوعه.

وجود الله

وأول المعتقدات، وأهمها، هو طبعا، الاعتقاد في وجود الله، والاعتقاد في وجود الله يبنيه الفارابي، على دليلين:

أما أحدهما، وهو المشهور عنه، والمعروف به، فهو: دليل الوجوب والإمكان، وهو الدليل الذي أخذه عنه ابن سينا، واشتهر به الفلاسفة من بعد "الفارابي".

وأساس هذا الدليل أن الموجودات على ضربين:

أحدهما: إذا اعتبرت ذاته لم يجب وجوده، ويسمى ممكن الوجود.

والثاني: إذا اعتبرت ذاته وجب وجوده، ويسمى واجب الوجود.

وممكن الوجود هو: ما استوى في أمره الوجود والعدم، فلا غنى إذن، لوجوده عن علة، وهذه العلة: إما أن تكون ممكنة فلابد لها من علة، ولا يجوز فيما يتعلق بالأشياء الممكنة: أن تمر بلانهاية في كونها علة ومحلولة، ولا يجوز كونها على سبيل الدور، بل لابد من انتهائها إلى شيء واجب هو الموجود الأول، وذلك هو الله تعالى. [عيون المسائل، الفارابي، مطبعة الخانجي (د.ت)، ص٦٦].

وأما الدليل الثاني: فهو دليل الإتقان في صنع هذا العالم والعناية به، وأن كل شيء من أجزاء العالم وأحواله موضوع بأوفق المواضع وأتقنها، على ما تدل عليه كتب التشريحات، ومنافع الأعضاء، وما أشبهها من الأقوال الطبيعية. [الجمع بين رأي الحكيمين، الفارابي، ص١٠٣].

صفات الله

والفارابي، فيما يتعلق بصفات الله: يذهب إلى التنزيه المطلق، ويصل في أمر التنزيه إلى أقصى غايته، ويحقق المعنى العام الشامل الكلي، في أوسع معانيه وأبعد أهدافه، لقول الله تعالى: {لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ} [الشورى: ١١]، ولقوله عزوجل: {سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ} [الصافات: ١٨٠].

وربما أخذ عليه بعض الناس الإغراق في التنزيه، ولكننا لا نفهم حقيقة كيف يؤخذ على الفارابي ذلك، أو كيف يمكن أن يوصف الفارابي، بالإغراق في أمر أتى به الإسلام؟

ومادام الفارابي يثبت اللهَ -جل جلاله- حقيقةً موجودة؛ فإن كل ما يقوله بعد ذلك في التنزيه، لا يمكن أن يؤخذ عليه. [التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود، ص٢٥٣-٢٥٤].

أسماء الله

أما فيما يتعلق بالأسماء التي ينبغي أن يسمى بها الله سبحانه وتعالى فيقول الفارابي: "هي الأسماء التي تدل في الموجودات التي لدينا، ثم في أفضلها عندنا، على الكمال وعلى فضيلة الوجود، من غير أن يدل شيء من تلك الأسماء فيه هو، على الكمال والفضيلة، التي جرت العادة أن تدل عليها تلك الأسماء في الموجودات التي لدينا وفى أفضلها، بل على الكمال الذي يخصه هو في جوهره، وأيضًا فإن أنواع الكمالات التي جرت العادة أن يدل عليها بتلك الأسماء الكثيرة، كثيرة، وليس ينبغي أن نظن بأن أنواع كمالاته التي يدل عليها بأسمائه الكثيرة، أنواع كثيرة، ينقسم الأول إليها، ويتجوهر بجميعها، بل ينبغي أن يدل بتلك الأسماء الكثيرة على جوهر واحد، ووجود واحد غير منقسم أصلًا" [آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها، الفارابي، ص٢٥].

إدراكنا لله

وينتهي الفارابي، إلى أن الأول، أي: الله -جل جلاله- وهو في الغاية من كمال الوجود، فكان ينبغي لذلك أن يكون المعقول منه في نفسنا على نهاية الكمال أيضًا، ولكننا نجد الأمر غير ذلك -على حد تعبير الفارابي- فما هو السر في عسر تصورنا له؟

يجيب الفارابي، عن ذلك بقوله:

"فينبغي أن نعلم أنه من جهته غير معتاص الإدراك؛ إذ كان في نهاية الكمال، ولكن لضعف قوى عقولنا نحن، ولملابستها المادة والعدم، يعتاص إدراكه، ويعسر علينا تصوره" [آراء أهل المدينة الفاضلة ومضاداتها، الفارابي، ص١٧].

إذ كلما قربت جواهرنا منه؛ كان تصورنا له أتم وأيقن وأصدق، وذلك أنا كلما كنا أقرب إلى مفارقة المادة - كان تصورنا له أتم، وإنما نصير أقرب إليه بأن نصير عقلًا بالفعل، وإذا فارقنا المادة على التمام يصير المعقول منه في أذهاننا أكمل ما يكون. [المرجع السابق، ص١٨].

صفة العلم

ويهمنا، على الخصوص أن نتحدث عن رأي والفارابي، في صفة العلم، فإن هذه الصفة؛ قد أثارت خصومة عنيفة، بين رجال الدين ورجال الفلسفة، ومن مظاهرها: هذا النزاع على تحديدها الذي حدث بين الغزالي وابن رشد.

لقد جعلها الغزالي من المسائل التي كفر بها الفلاسفة، إذ يقولون: - حسبما يرى - بعلم الله بالكليات فحسب، وينكرون علمه بالجزئيات.

أما "ابن رشد" فإنه يخطئ الإمام "الغزالي" في شرحه لآراء الفلاسفة، ويرى: أن الفلاسفة يقولون بعلم الله بالكليات والجزئيات على السواء، ونريد هنا أن نبين رأي "الفارابي" في هذا الموضوع؛ مقتبسين في ذلك نصوصًا له، وسيتضح من ذلك: أن كلام "ابن رشد " أدق في التعبير عن رأي "الفارابي" من كلام الإمام الغزالي، وأن كلام "الغزالي" صادق فيما يتعلق، بأرسطو، وأتباعه، والفلسفة اليونانية على وجه العموم.

يقول الفارابي: إن الباري -جل جلاله- مدبر جميع العالم، لا يعزب عنه مثقال حبة من خردل، ولا يفوت عنايته شيء من أجزاء العالم، على السبيل الذي بيناه في العناية، من أن العناية الكلية شائعة في الجزئيات، وأن كل شيء من أجزاء العالم وأحواله موضوع بأوفق المواضع وأتقنها، على ما يدل عليه كتب التشريحات، ومنافع الأعضاء، وما أشبهها من الأقاويل الطبيعية. [الجمع بين رأي الحكيمين، الفارابي، ص١٠٣].

ويقول: الفارابي، في كتاب الفصوص: " علمه الأول لذاته، لا ينقسم، وعلمه الثاني عن ذاته، إذا تكثر لم تكن الكثرة في ذاته، بل بعد ذاته: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" من هناك يجرى القلم في اللوح المحفوظ جريانا متناهيا إلى يوم القيامة.

ولا يجوز أن يكون الإنسان مبتدئًا فعلًا من الأفعال من غير استناد إلى الأسباب الخارجية التي لیست باختياره، وتستند تلك الأسباب إلى الترتيب، والترتيب يستند إلى التقدير، والتقدير يستند إلى القضاء، والقضاء ينبعث عن الأمر، وكل شيء مقدر.

ونختم هذه الكلمة بقول الدكتور: محمد عبد الهادي أبو ريدة:

"ومن المعروف أن "أرسطو" ينكر علم الذات الإلهية بالجزئيات، وهنا يخالفه الفارابي مخالفة صريحة، فيقول: إن الله هو المدبر الجميع العالم، ويقرر الفارابي هنا، أن الأقاويل الشرعية في ذلك صحيحة، وعلى غاية السداد". [تاريخ التفكير الفلسفي في الإسلام، ص١٤٧].

خلق العالم

يقول الفارابي في أول سطر من كتاب: "آراء أهل المدينة الفاضلة":

الموجود الأول: هو السبب الأول لوجود سائر الموجودات كلها، ا.هـ.

وعنه سبحانه وتعالى وجد العالم، ولكن: "وجود الأشياء عنه لا عن جهة قصد يشبه قصودنا، ولا يكون له قصد الأشياء، ولا صدور الأشياء عنه على سبيل الطبع، من دون أن يكون له معرفة ورضا بصدورها وحصولها، وإنما ظهرت الأشياء عنه، لكونه عالما بذاته، وأنه مبدأ لنظام الخير في الوجود على ما يجب أن يكون عليه، فإذن علمه، علة لوجود الشيء الذي يعلمه. [عيون المسائل، الفارابي، ص٨٦].

ولكن السؤال الذي يختلج في الأفئدة هو:

إذا كان الله سبحانه، وتعالى، واحدًا من كل وجه، وأحديته مطلقة، فكيف يمكن أن يصدر عنه العالم في كثرته وتنوعه؟

إن الواحد المطلق لا يصدر عنه الكثير، فكيف وجد العالم المتكثر عن الله الواحد؟ رأى "الفارابي" حلًا لهذه المشكلة:

إن الله سبحانه، وتعالى، صدر عنه - أول ما صدر - العقل الأول، واستنجد "الفارابي" ببعض الأحاديث، منها: «أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ... إلخ» [قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار (بهامش الإحياء) ١/ ٨٣: أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث أبي أُمَامَة وَأَبُو نعيم من حَدِيث عَائِشَة بِإِسْنَادَيْنِ ضعيفين].

والعقل الأول، وإن كان واحدًا، إلا أن وحدته ليست مطلقة، إنها ليست كوحدة الله، عن هذا العقل، صدر عقل ثان، هو أقل في أحديته، من العقل الأول.

واستمرت سلسلة العقول وكل منها، أقل، في الوحدة، ممن سبق، وهكذا إلى العقل العاشر.

ومن الخطأ البين الواضح، بل القبيح المستنكر - فيما يرى "الفارابي": ظن بعض الناس: أن أفلاطون، يقول بحدوث العالم، وأن "أرسطو" يقول بقدمه، ذلك أن أرسطو - حسبما يرى " الفارابي ": مثله كمثل: أفلاطون في القول بحدوث العالم.

أما ما جاء في كتاب: أرسطو المسمى: السماء والعالم، من أن: الكل (أي العالم) ليس له بدء زماني، إنما معناه: أن العالم لم يتكون تدريجيًا، شيئًا فشيئًا، وأولًا فأولًا، وجزءًا جزءًا، كما يتكون البيت والحيوان. فتسبق الأجزاء بعضها بعضا بالزمان... كلا، وإنما تكون العالم "عن إبداع الباري" جل جلاله، إياه دفعة بلا زمان، وعن حركته حدث الزمان.. ألم يقل "أرسطو" في كتاب الربوبية:

إن الهيولي [الهيولي مرادفة للمادة، والفرق بينها: أن المادة تقال لكل موضوع يقبل الكمال، باجتماعه إلى غيره، ووروده يسيرًا يسيرًا، على حين أن الهيولي على الإطلاق هي المادة الأولى، وإطلاقها على باقي الأقسام إنما يكون بالتقييد، فيقال ثانية وثالثة ورابعة. ينظر: المعجم الفلسفي، جميل صليبا ٢/ ٥٣٦-٥٣٧] أبدعها الباري لا عن شيء، وأنها تجسمت عنه، وعن إرادته، ثم ترتبت في مراتبها؟

يتفق "أفلاطون" و"أرسطو" إذن على أن: "العالم مبدع من غير شيء".

ويوفقها "الفارابي" على ذلك، بل وينتقد أفكار أهل الملل في منطقهم الذي لا يحسم الأمر حسمًا جازمًا: "فقولهم بوجود ماء عنه نشأ هذا العالم، لا يدل على أن العالم نشأ عن لا شيء ".

وهذه القضية أيضًا تخالف الفكرة العامة عن الفلاسفة من أنهم يقولون بأزلية العالم. [التفكير الفلسفي في الإسلام، عبد الحليم محمود، ص٢٥٩].

الخلاصة

قدم الفارابي رؤية توفيقية عميقة تثبت وجود الله عبر دليلي الوجوب والإتقان، مع التأكيد على تنزيهه المطلق وعلمه المحيط بالجزئيات والكليات خلافًا لما نُسب للفلاسفة، كما عالج إشكالية صدور الكثرة عن الواحد من خلال "نظرية العقول العشرة"، مبرهنًا على أن العالم مبدع دفعة واحدة بلا زمان، في محاورة فلسفية تجمع بين برهان أرسطو وإشراق أفلاطون.

موضوعات ذات صلة

يُمثل الفارابي حلقة الوصل المركزية في تاريخ الفكر الإنساني، حيث استطاع بعبقريته الفذة التوفيق بين صرامة العقل اليوناني وروحانية المشرق الإسلامي.

هي عند الفارابي جوهر مشروعه الفلسفي، فهي تجسيد لمثالية الفلسفة التي تسعى لتغيير الواقع وتوجيه الفطرة الإنسانية نحو نيل السعادة الحقيقية.

يعرف ابن سينا الفاعل بأنه العلة التي تفيد وجودًا مباينا لذاتها، أي تعطي شيئًا ما وجودًا يخالف وجودها.

موضوعات مختارة