وهو
يبدأ بالكلام على أن بعض الصفات التي فيها تقدير مثل: العظيم والصغير والطويل
والقصير والكثير والقليل، لا تطلق على الشيء الذي تطلق عليه بالمعنى المطلق المرسل،
بل بالإضافة إلى شيء آخر وبالنسبة إليه، ولو لم يكن ذلك الإطلاق بالإضافة، لأدى
إلى أن يكون الشيء الذي لا نهاية له غير موجود لا بالفعل ولا بالقوة؛ لأنه لا يكون
شيء أعظم من الشيء الذي نسميه عظيما، إن كانت تسميتنا له كذلك بمعنى مرسل، أعنى
غير مقيد بنسبته إلى شيء آخر، لأنه لو كان ثم ما هو أعظم منه بالقوة أو بالفعل، لم
يكن الأول عظيما بالمعنى المرسل؛ لأن تم ما هو أعظم منه.
تم يستنتج الكندي النتيجة
المتناقضة في ذلك:
لو كان الذي هو أعظم منه ليس
أعظم منه لكان:
إما مثله أو أصغر منه، وهذا
يناقض الفرض.
ثم ينتهي من ذلك إلى النتيجة
الآتية:
لا شيء يمكن أن يكون أعظم من
العظيم المرسل، لا بالفعل ولا بالقوة.
وهو يحاول إثبات صحة هذه
النتيجة من طريق بيان ما ينشأ عن ضدها من تناقض.
على النص ولا بد أن أشير إلى
أن استدلال الكندي هنا - على الأقل إذا اعتمده لا يفيد بالنسبة لمن ينكر الأصل،
وهو وجود العظيم المرسل؛ لولا أن الكندي، بحسب ما يؤخذ من كلامه، يعتبر أن العظيم
المرسل أشبه بفكرة في العقل، أو مثال مطلق، هو الأساس للحكم بالعظيم والصغر.
وبما أن الأشياء تتهوى - أعنى
توجد بفعل الواحد الحق، فهي حادثة، والصفات التي يذكرها الكندي للواحد هي في
الحقيقة الصفات التي يرى أن تطلق على الله، وإن كان الكندي لا يذكر اسمه، بل يتكلم
عنه في أواخر الرسالة بقوله: " جل وتعالى ".
ومن أسف أن هذا هو كل ما
عندنا من كتاب الكندي في الفلسفة الأولى: ويظهر أن له بقية؛ لأن المؤلف يقول في
آخر الفن الرابع إنه سيكمل الكلام بما يتلوه تلوًا طبيعيًا، ولكن عناية المتقدمين
وظروف التاريخ لم تجد علينا حتى الآن إلا بهذا الجزء من كتابه.
ولا شك أن مقارنة محتوى هذا
الكتاب بما عند أرسطو، في كتاب ما بعد الطبيعة، هي من الدراسات القيمة بالنسبة
الفلسفة الكندي والفلسفة العربية بوجه عام. [رسائل
الكندي الفلسفية، مرجع سابق، ص٩٢-٩٦].