لم يكن التوفيق بين الوحي والعقل مجرد ترف فكري عند ابن طفيل، بل كان ضرورة لبيان وحدة الحقيقة رغم تعدد طرق الوصول إليها، ومن خلال قصته الفلسفية، استعرض مراتب الإدراك البشري، محاولًا التوفيق بين التأمل الميتافيزيقي والالتزام الشرعي.
لم يكن التوفيق بين الوحي والعقل مجرد ترف فكري عند ابن طفيل، بل كان ضرورة لبيان وحدة الحقيقة رغم تعدد طرق الوصول إليها، ومن خلال قصته الفلسفية، استعرض مراتب الإدراك البشري، محاولًا التوفيق بين التأمل الميتافيزيقي والالتزام الشرعي.
كان لزامًا على فيلسوفنا ابن طفيل أن يعرض لموضوع التوفيق بين الدين والفلسفة، شأنه في ذلك شأن كثير من مفكري وفلاسفة العرب.
فالدارس للكتب التي تركها لنا هؤلاء المفكرون والفلاسفة، يجد أنهم بوجه عام، قد اهتموا بالبحث في هذا الموضوع، سواء من حيث التوفيق بصورته العامة، بمعنى الدفاع عن الاشتغال بالفلسفة، وبيان أنها لا تتعارض مع الدين، أو من حيث المشكلات نفسها، بمعنى التقريب بين ما يذهبون إليه، متأثرين بهذا الفيلسوف أو ذاك من فلاسفة اليونان، وبين ما أخبرنا به الدين.
ويمكن القول بأن هناك أسبابًا عامة وأسبابًا خاصة، دفعت هؤلاء الفلاسفة إلى التوفيق بين المجالين، ونعنى بالأسباب العامة تلك الأسباب التي إذا كانت دافعة لفيلسوف ما من الفلاسفة إلى القيام بالتوفيق، فإنها تكون دافعة أيضًا للآخر للقيام بالتوفيق.
ومن أمثلة هذه الأسباب العامة التزام هؤلاء المفكرين بالدفاع عن الفلسفة، وضرورة الاشتغال بها، بالإضافة إلى أنهم وجدوا الكثير من الآيات القرآنية التي تحثهم على النظر والتأمل في الكون، ومن هنا لا يكون الدين عقبة في سبيل الفلسفة والتفلسف؛ لأنه فتح الطريق أمامهم لإنشاء بناء للفلسفة الدينية.
وإذا كانت هذه تعد أسبابًا عامة؛ فإن الأسباب الخاصة تعنى أنها إذا دفعت فيلسوفًا من الفلاسفة إلى التوفيق، فإنها قد لا تكون وراء قيام فيلسوف آخر بالتوفيق، إذ إنها أقرب ما تكون إلى الأسباب التاريخية الخاصة بالعصر، والبيئة التي نشأ فيها فيلسوف دون آخر من الفلاسفة.
فإذا قلنا على سبيل المثال، بأن من أسباب قيام ابن رشد بالتوفيق، هجوم الغزالي على الفلسفة والفلاسفة، فإن هذا يعد سببًا خاصًّا؛ إذ لا يمكن بطبيعة الحال القول بذلك بالنسبة للكندي أو الفارابي، فالبيئة غير البيئة، والعصر غير العصر [الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، عاطف العراقي، ص١٦٧].
ونود أن نؤكد من جانبنا قبل تحليلنا لموضوع التوفيق بين الدين والفلسفة، أو بيان مدى اتفاق العقل والشرع عند فيلسوفنا ابن طفيل، والكشف عن الأبعاد الميتافيزيقية في هذا الموضوع، وهو أن المقصد الأساسي الذي سعى إليه ابن طفيل من قصته الفلسفية، لم يكن التوفيق بين الدين والفلسفة، صحيح أن ابن طفيل - كما سنرى - من خلال شخصيات ( حي، وأبسال، وسلامان) قد سعى إلى التوفيق، وصحيح أن ابن طفيل قد سعى إلى التقريب بطريق غير مباشر، بين الجانب الفلسفي والجانب الديني، كما يبدو ذلك في دراسته لمشكلات ميتافيزيقية كمشكلة حدوث العالم وقدمه، وأدلة وجود الله، وغيرهما من مشكلات، ولكن فرق وفرق كبير بين أن يسعى الفيلسوف إلى التوفيق بصورة أو بأخرى، وبين القول بأن الغرض الرئيسي والأساسي الذي سعى إليه ابن طفيل من وراء وضع قصته الفلسفية هو التوفيق. [المرجع السابق، ص١٦٨].
إن ابن طفيل - شأنه في ذلك شأن أي فيلسوف آخر، لم يبدأ من فراغ، بل إنه كان مطلعًا في أغلب الظن على الكثير من الآراء التي سبقته، إما بطريقة مباشرة، أي: من خلال كتب الفيلسوف نفسه، أو بطريقة غير مباشرة، أي: من خلال ما ذكره المؤرخون والمفكرون عن هذا الفيلسوف أو ذاك من الفلاسفة الذين سبقوه، وعند عرض موقف ابن طفيل النقدي تجاه بعض الفلاسفة الذين سبقوه، نجد أنه كان مطلعًا على كثير من الآراء التي قال بها هؤلاء الفلاسفة من أمثال الفارابي وابن سينا، ونريد أن نقف وقفة قصيرة عند بعض الأفكار الرئيسية التي نجدها عند فلاسفة ومفكرين سبقوه في مجال التوفيق، ولا نقصد من ذلك أنه كان بالضرورة مطلعًا على آراء كل هؤلاء المفكرين والفلاسفة، بل قصدنا أن يدرك الدارس بعد تحليل محاولة ابن طفيل، مدى التقارب أو التباعد بين آرائهم وآراء فيلسوفنا ابن طفيل.
فالكندي قد دافع عن الفلسفة والاشتغال بها، وبين لنا أن مقصد الفيلسوف نظريًّا وعلميًّا يعد مقصدًا مشروعًا؛ لأنه يسعى إلى الحق (الجانب النظري)، ويسعى إلى العمل به (الجانب العملي)، كما بين لنا أن من واجبنا شكر الفلاسفة لا ذمهم، [مذاهب فلاسفة المشرق، عاطف العراقي، ص٢٨]، ومن واجبنا أيضًا البحث عن الحقيقة كحقيقة، أي: بصرف النظر عن مصدرها، وسواء جاءت إلينا من بلاد اليونان أو من بلاد العرب، بالإضافة إلى أنه حاول التقريب بين ما يصل إليه الفيلسوف عن طريق العقل والاكتساب والتحصيل، وبين ما يصل إليه النبي عن طريق الوحى، وإذا كنا نجد خلافًا بينهما، فإن الخلاف هو في المصدر، وليس في الآراء.
وحاول الفارابي أيضًا من خلال كثير من كتبه، كآراء أهل المدينة الفاضلة، وكتاب الحروف، التوفيق بين المجالين، وقد ظهر هذا التوفيق في آراء كثيرة، قال بها في مجال دراسته للنبوة، والتفرقة بين العامة والخاصة، والعلم الإلهي، وصلة الله بالعالم، إلى آخر هذه المشكلات، التي تعد في جوهرها مشكلات ميتافيزيقية، والتي بحث فيها الفارابي، وقدم لنا فيها رأيًا، كان يعبر من بعض زواياه وأبعاده عن المزج بين الجانب الديني والجانب الفلسفي. [الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، ص١٦٩].
وما يقال عن الكندي والفارابي وإخوان الصفا، من حيث محاولة كل منهم التوفيق، يقال عن ابن سينا، فيلسوف المشرق العربي، إن الدارس لكتبه كالشفاء، والنجاة، والإشارات، والتنبيهات، يجد من جانبه محاولة للتوفيق، صحيح أنه لا يخصص مبحثًا مستقلًّا لدراسة هذا الموضوع، ولكن التوفيق قد ظهر عنده من خلال تحليله لبعض المشكلات الفلسفية، ومنها : مشكلة العلم الإلهي، ومشكلة النبوة، ومشكلة الخلود.
ونجد أيضًا عند مسكويه أحد مفكري بلاد المشرق العربي، والذي اهتم بمجال الأخلاق اهتمامًا كبيرًا، محاولة من جانبه للتوفيق بين الدين والفلسفة، وذلك عن طريق بيانه حاجة الناس إلى الأنبياء، وتقريبه بين الحقائق التي يصل إليها النبي، والحقائق التي يصل إليها الفيلسوف، برغم أن الطريق أو المصدر عند النبي يختلف عن الطريق أو المصدر عند الفيلسوف.
كما بين لنا مسكويه كيف يقدم الفلاسفة أكثر من دليل على وجود الله، ويثبتون خلود النفس، وسعادتها أو شقاءها في العالم الآخر، وكل هذه جوانب يدعو إليها النبي اعتمادًا على الوحي [الفوز الأصغر، ابن مسكويه، مطبعة السعادة، ١٣٢٥هـ، ص٦٠ ومابعدها]، بل إننا إذا انتقلنا من المشرق العربي إلى المغرب العربي، فإننا لا نعدم وجود مفكرين حاولوا التوفيق بين الدين والفلسفة.
كانت توجد إذن محاولات للتوفيق سابقة لمحاولة ابن طفيل، سواء قام بهذه المحاولات فلاسفة ومفكرون في المشرق العربي، أو قام بها مفكرون عاشوا في البلاد التي عاش فيها فيلسوفنا، بلاد المغرب العربي.
لننتقل الآن إلى تحليل محاولة ابن طفيل في مجال التوفيق بين الدين والفلسفة، تلك المحاولة التي نجدها في الصفحات الأخيرة من قصة " حيِّ بن يقظان".
لقد أراد ابن طفيل أن يبين لنا أن ما توصل إليه "حيِّ بن يقظان" بمفرده، عن طريق التفكير والتأمل في جزيرته التي عاش فيها بمفرده متوحدًا، لا يخالف الدين، كما أراد أن يبين لنا الفرق بين الطريق الذي يعتمد على التأويل، والتأمل في المعاني الروحانية، والطريق الذي يلتزم بالاعتماد على ظاهر الآيات.
ولكي يبين لنا ابن طفيل هذه الجوانب، نجده يتخيل وجود جزيرة قريبة من الجزيرة التي نشأ بها " حيُّ بن يقظان" ، انتقلت إليها ملة من الملل الصحيحة المأخوذة عن بعض الأنبياء المتقدمين.
وكانت هذه الملة تعتمد فيما تعتمد على الأمثال المضروبة، التي تعطى خيالات تلك الأشياء؛ لتقريب المعنى إلى الجمهور، ومازالت تلك الملة تنتشر وتقوى حتى حمل ملك هذه الجزيرة الناس على الالتزام بها.
في هذه الجزيرة نشأ فتيان من أهل الفضل والرغبة في الخير، أحدهما يسمى: " أبسال " ، والآخر يدعى: "سلامان" ، وقد قبلا تلك الملة، والتزما بجميع شرائعها، والمواظبة على جميع أعمالها، واتفق الاثنان على ذلك. [حي بن يقظان، ابن طفيل، ص١٢١].
ويذكر ابن طفيل أن كلًا من " أبسال" و"سلامان" ، كانا يتفقهان أحيانًا في الألفاظ التي وردت في الشريعة، والخاصة بصفات الله تعالى، وملائكته، وعلى أي صورة سيكون الخلود، والثواب والعقاب، بيد أنه كان يوجد خلاف بين كل من " أبسال" و " سلامان" فيما يتعلق بالتأويل، وذلك برغم اتفاقهما معًا على الالتزام بهذا الدين.
إن "أبسال" كان أشد تمسكًا بالتأويل، ومنقبًا عن المعنى الباطني لا الظاهري، وباحثًا عن المعاني الروحانية، وذلك على العكس من "سلامان"، الذي كان أكثر احتفاظًا، وتمسكًا بالظاهر، ومبتعدًا بذلك عن التأويل والتأمل، وكلاهما مجدّ في الأعمال الظاهرة، ومحاسبة النفس، ومجاهدة الهوى. [حي بن يقظان، ابن طفيل، ص١٢٢].
ولما كانت هناك أقوال في الشريعة تحمل على العزلة والانفراد، وكيف أن الفوز والنجاة يرتبطان بهما، وأقوال أخرى تحمل على المعاشرة وملازمة الجماعة، فإننا نجد " أبسال" متعلقًا بطلب العزلة؛ لما كان في طباعه من التمسك بالتفكير، والتأمل في معاني الأشياء، وانفراده يساعده على ذلك.
أما "سلامان" فكان متعلقًا بالجماعة؛ لأنه كان بطبعه بعيدًا عن التأمل والتفكير، وملازمته للجماعة تبعد عنه الشكوك والظنون. [المرجع السابق، ص١٢٣].
ومعنى هذا أن "أبسال" يمثل رجل الدين الملتزم بالتأويل، والتعمق في المعاني الروحانية، أما "سلامان" فكان يمثل الفقيه الذي يبتعد عن التأويل، متمسكًا بذلك بالمعنى الظاهري.
لقد شرع "حيٌّ" في تعليمهم، وأخذ في الترقي عن الظاهر قليلًا، حتى يبين لهم عن طريق التأويل أمورًا غير الأمور التي يفهمونها، وعندئذ أخذوا في الانقباض عنه، والاشمئزاز من الأمور التي يحاول تعليمهم إياها، وأصبحوا ساخطين عليه في قلوبهم، وإن كانوا يتظاهرون بالرضا إكرامًا له؛ لأنه يعد غريبًا بينهم، ومراعاة لحق صديقه "أبسال" الذي كان يعيش معهم قبل رحيله إلى جزيرة "حيّ". [حي بن يقظان، ص١٢٧].
لقد حاول "حيٌّ" مرارًا وتكرارًا أن يبين لهم الحق سرًّا وجهارًا، ولكنهم كانوا ينفرون منه، ويبتعدون عنه، فيئس من إصلاحهم، وفقد الأمل في صلاحهم ؛ لقلة قبولهم ونقص فهمهم.
يقول ابن طفيل: لقد تصفح "حيٌّ " طبقات الناس بعد ذلك، فرأى كل حزب بما لديهم فرحون، قد اتخذوا إلههم هواهم، ومعبودهم شهواتهم، وتهالكوا في جمع حطام الدنيا، وألهاهم التكاثر حتى زاروا المقابر، لا تنجح فيهم الموعظة، ولا تعمل فيهم الكلمة الحسنة، ولا يزدادون بالجدل إلا إصرارًا، وأما الحكمة فلا سبيل لهم إليها، ولا حظ لهم منها، قد غمرتهم الجهالة، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون [المرجع السابق، ص١٢٨]، {خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ} [البقرة: ٧].
والواقع أن "حيًّا" قد رأى بعد محاولاته هذه مع أهل تلك الجزيرة، أنهم لا يتمسكون من ملتهم إلا بالدنيا، وتأكد له على وجه اليقين، أن مخاطبتهم بطريق المكاشفة غير ممكنة، وأن تكليفهم من العمل فوق هذا القدر لا يتفق، وأن حظ أكثر الجمهور من الانتفاع بالشريعة إنما هو في حياته الدنيا؛ ليستقيم له معاشه.
ويبين لنا ابن طفيل على لسان "حيِّ " أنه لا يفوز بالسعادة الأخروية إلا القليل النادر، وأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى.
ولا يخفي علينا ابن طفيل يأسه بالنسبة لمسلك أكثر الناس، وكيف أن أعمالهم يسودها الجانب الحسي.
يقول ابن طفيل: أي تعب أعظم، وشقاوة أطم، ممن إذا تصفحت أعماله من وقت انتباهه من نومه إلى حين رجوعه إلى الكرى، لا تجد منها شيئًا إلا وهو يلتمس بها تحصيل غاية من هذه الأمور المحسوسة الخسيسة، إما مال يجمعه، أو لذة ينالها، أو شهوة يقضيها، أو غيظ يتشفى به، أو جاه يحرزه، أو عمل من أعمال الشرع يتزين به، أو يدافع عن رقبته، وهي كلها ظلمات بعضها فوق بعض، في بحر لجيّ [حي بن يقظان، ص١٢٩].
لقد أدرك "حيٌّ" أحوال الناس، وكيف أن أكثرهم بمنزلة الحيوان غير الناطق، ومن هنا فإن الحكمة كلها والهداية والتوفيق فيما نطقت به الرسل، ووردت به الشريعة، ولا يمكن غير ذلك، ولا يحتمل المزيد عليه، فلكل عمل رجال، وكل ميسر لما خلق له [المرجع السابق، ص١٣٠].
وفي نهاية محاولاته مع الجمهور، نجده يتجه إلى " سلامان" وأصحابه معتذرًا عما تكلم به معهم، وقد عرفهم أنه قد رأى مثل رأيهم، واهتدى بمثل هديهم، وأوصاهم بعدة وصايا، منها:
(أ) التمسك بما هم عليه من التزام حدود الشرع، والأعمال الظاهرة.
(ب) قلة الخوض فيما لا يعنيهم.
(جـ) الإيمان بالمتشابهات، والتسليم بها، والإعراض عن البدع والأهواء.
(د) الاقتداء بالسلف الصالح، وترك الأمور المحدثة.
(هـ) تجنب ما عليه جمهور العوام من إهمال الشريعة، والإقبال على الدنيا. [حي بن يقظان، ص ١٣٠]
لقد ودع " حيُّ بن يقظان" "سلامان" وأصحابه، واتجه هو وصاحبه "أبسال" إلى جزيرتهما، وطلب "حيّ" مقامه الكريم، واقتدى به "أبسال" الذي كان يتمسك - كما قلنا - بالتأمل في المعاني الروحية للدين، وعدم الوقوف عند الظاهر، وقد أخذ كل منهما في عبادة الله تعالى بتلك الجزيرة، حتى أتاهما اليقين.
لقد فرق" حي بن يقظان" كما قلنا بين هذا المسلك- مسلك الفيلسوف-، وبين مسلك رجل الدين، الذي يتخذ التأويل منهجًا له، ويتعمق في المعاني الروحانية، ومسلكه - برغم اختلاف المصدر- يعد قريبًا من مسلك الفيلسوف، ومسلك ثالث هو مسلك الفقيه، الذي يبتعد - على العكس من المسلك السابق - عن التأويل، أي: يكون متمسكًا بالظاهر، أما المسلك الأخير- أي المسلك الرابع- فهو مسلك هؤلاء الناس، الذين حاول "حيٌّ" أن يبين لهم حقائق الأشياء، ولم يوفق في ذلك؛ نظرًا لما هم عليه من التعلق بالجوانب الحسية، ومن هنا نجدهم يؤمنون عن طريق التقليد.
ونود أن نشير إلى أن الغزالي في معرض حديثه عن مراتب الإيمان، قد بين لنا أن هذا الطريق- طريق التقليد- يعد أقل مراتب الإيمان، إذا قارنا هذه المرتبة بمرتبة علماء الكلام ومرتبة الصوفية.
كما فرق لنا ابن رشد بعد ذلك بين المسلك الإقناعي بالنسبة للعامة، والمسلك الجدلي بالنسبة لعلماء الكلام، والمسلك البرهاني بالنسبة للفيلسوف، ولا شك أن محاولة ابن رشد - كما سبق أن أشرنا - تقوم من بعض زواياها على الاستفادة من المحاولة التي قام بها فيلسوفنا ابن طفيل.
أكثر من مسلك، إذن نجد ابن طفيل يشير إليه.
ويمكن القول بأن المسلك الأول يعد مسلك "حيّ ".
والمسلك الثاني: هو مسلك "أبسال"، وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنهما اتفقا في كثير من الجوانب، ورحلا معًا إلى الجزيرة التي كانا يقيمان فيها؛ لكي يتفرغا للتأمل والعبادة، تلك الجزيرة التي كان يقيم فيها "حيّ بن يقظان" بمفرده، قبل أن يرحل إليها " أبسال".[تاريخ الفكر الأندلسي، انخيل بالنثيا، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة الثاقفة،١٩٥٥، ص ٣٥٠].
والمسلك الثالث: هو مسلك سلامان، إذ كان على العكس من صاحبه "أبسال"، متعلقًا بالظاهر، ومتمسكًا به، ومبتعدًا عن الاتجاه إلى التأويل، لقد كان رجلًا اجتماعيًّا يخالط الجماعة، ولا شأن له بشئون الفكر النظري المجرد، ولم يكن بالتالي رجلًا يحب الغربة والتوحد، تلك التي يهواها ويعشقها الفيلسوف؛ لأنها تساعده على التأمل.
أما المسلك الرابع: فهو مسلك الجمهور، كما سبق أن أشرنا.
ولا شك أن الدارس لأبعاد تلك المحاولة - بصرف النظر عن مدى صوابها أو خطئها - يدرك تمام الإدراك الجهد الكبير الذي قام به فيلسوفنا ابن طفيل في تصوير هذا الجانب، الذي يعد جانبًا ميتافيزيقيًّا، ونعنى به جانب التوفيق، كما يدرك مدى اطلاعه على كثير من المحاولات التي سبقته، واستفادته منها بصورة أو بأخرى من صور التأثر والاستفادة [الميتافيزيقا في فلسفة ابن طفيل، ص١٧٨].
يؤكد ابن طفيل أن الحقيقة الفلسفية والدينية منبعها واحد، لكن الاختلاف يكمن في قدرات البشر؛ فبينما يدرك الخواص الحقائق عبر البرهان والتأويل، تظل الشريعة بظاهرها الحصن الضروري لهداية الجمهور، وضبط حياتهم الحسية.
ابن طفيل، الفيلسوف الأندلسي الذي أثرى الفكر الإنساني بقصته الخالدة "حي بن يقظان
تعد مشكلة خلود النفس من أعقد القضايا الميتافيزيقية التي شغلت الفلاسفة والمتكلمين العرب
عد ابن رشد قمة الفكر الفلسفي العربي الذي سعى؛ لترسيخ شرعية النظر العقلي بوصفه واجبًا دينيًا لا ينفصل عن الإيمان