ضبط المأمول في إطار المشروع هو جوهر التوازن بين الطموح والجموح؛ فالإسلام يهذب النفس البشرية لترتقي نحو معالي الأمور بضوابط شرعية تضمن نجاح الفرد وسعادة المجتمع.
ضبط المأمول في إطار المشروع هو جوهر التوازن بين الطموح والجموح؛ فالإسلام يهذب النفس البشرية لترتقي نحو معالي الأمور بضوابط شرعية تضمن نجاح الفرد وسعادة المجتمع.
جُبِلَت النفس البشرية على التطلع إلى المستقبل، والطموحِ إلى المراتب الأعلى دائمًا، وهو ما حدا بالبعض إلى الجموح لتحقيق أهدافه وأحلامه، مستندًا إلى مبدأ: (الغاية تبرر الوسيلة)، دون نظرٍ إلى ما تمثله تلك الوسيلة من خيرٍ أو شرٍّ، وهو أمرٌ شديد الخطورة يؤثر بالسلب على الفرد والمجتمع.
والطموح هو السعي باتجاه الوصول إلى أعلى الأهداف، وحتى يصل الإنسان إلى ما تطمح إليه نفسه، في ظل الالتزام بالمبادئ التي قررها الإسلام، يجب أن يكون لديه الدافع المحاط بالأخلاق التي حددها القرآن الكريم والسنة النبوية، وإلا أصبح الطموح جموحًا يوشك أن يودي بصاحبه ويدمره.
ولقد أوضح لنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -الطموح الصحيح في أسمى صوره، وزرع فينا حبَّ التميز والتفوق والحصول على أسمى المراتب في كل مكان نعمل فيه؛ فالتواضع والزهد في الدنيا لا يعنيان أبدًا أن يقبل المسلم الحد الأدنى، أو ينزوي وراء الآخرين ويكون في ذيلهم، ولذلك حثنا رسول الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم - على العمل لبلوغ الغاية والهدف الأسمى لكل مسلم، فقال: «إِذَا سَأَلتُمُ الله تَعَالَى فَسْلَوهُ الْفِردَوسَ، فَإِنَّهُ سِرُّ الْجَنَّةِ» [الكبير للطبراني]، كذلك علَّمنا أن نعظم من رغباتنا عند الدعاء، فقال - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمِ الْمَسْأَلَةَ، وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ» [مسلم].
والإسلام -كما دعا إلى الطموح لنيل المنزلة العليا في ظل مبادئه السامية- جاء - أيضًا - ليهذب النفس البشرية عن جموحها، ويقوم سلوكها، ويهديها سبيل الرشاد؛ فالنفس مائلة بطبعها إلى التوجه إلى السيئ، كما أكد القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوۤءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّیۤۚ﴾ [يوسف: ٥٣]، وهي غالبًا ما تتبع الهوى بغية إشباع رغباتها، ومن هنا جاء الإسلام ليعلمنا كيف نكبح جماح تلك النفس حتى تستكين، وتعود إلى جادة الصراط المستقيم، وسبيلُ ذلك تربيةُ النفس على طاعة الله ورسوله في كل شيء.
ولقد وازن الإسلام بين الواجبات التي فرضها على المسلم وبين ما تطمح إليه نفسه البشرية، فعمل على ألَّا تكون فروض الدين شاغلةً أمره كله، وداعيةً لترك دنياه، بل أمره بالجد والسعي في طلب الرزق وإعمار الأرض، قال تعالى: ﴿وَٱبۡتَغِ فِیمَاۤ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡءَاخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِیبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡیَاۖ وَأَحۡسِن كَمَاۤ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَیۡكَۖ﴾ [القصص: ٧٧]، فالاستغراق في المأمول بلا حدود هو الطموح الزائد الذي ينقلب إلى جموح، وهو أمر مرفوض في الإسلام، قال الله - عز وجل: ﴿وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولࣰا﴾ [الإسراء: ٣٧]، أما إذا أعاد الإنسان ضبط هذا المأمول في إطار المشروع، وفي إطار ما أحله الله وأباحه، ودون الخروج عن الهدي النبوي الكريم، وبما لا يخالف النظام العام، فسوف يصل إلى هدفه، ويحقق طموحه الذي يأمله، ويكون بهذا قد حقق التوازن والاتساق بين ما تطمح إليه نفسه وبين ما يأمره به ربه.
الإسلام لم يأت لكسر همّة الإنسان، بل لجعل (المُطلق) قبلةً لطموحه، فيرتقي للفردوس الأعلى بقلب يرفض خديعة (الغاية تبرر الوسيلة)، الجموحُ شتات والطموحُ انضباط بضوابط الشرع؛ حيث تتحول الحركة في الدنيا إلى عبادة بالنية الصالحة، ليتحقق الاتساق بين أشواق النفس وأوامر الحق في توازنٍ فريد.
الجنة دار المتقين الخالدة ونعيمها رؤية الله.
تذلل لله وشكر لنعمه وتوحيد في عبادته.
زهد المصطفى ترفعٌ عن الدنيا وتعليمٌ للبشرية.