ويبدأ المؤلف كتابه ـ بعد المقدمة ـ
بالخطة التفصيلية للموضوعات، ثم يقدم استدلاله على جواز إطلاق وصف العشق والمحبة
على الله تعالى، ثم يتحدث عن الجمال وارتباطه بالحب، وفضله، وفضل المحب والمحبوب
والحب، ثم يورد بابًا رابعًا عن سر التسمية، وأصل كلمتي (الحب) و(العشق) في
العربية، مزاوجًا بين أقوال اللغويين وتأويلات الصوفية.
وبعد ذلك يدخل المؤلف في صميم الموضوع،
فيفرد بابًا للكلام في المحبة، فيوضح أصل الحب وماهيته، ويبيِّن الخلاف في حقيقته
ومنبعه ووصفه، ويبيِّن الحب الممدوح، ويفصِّل في منكري الحب، ثم يتكلم عن أثر الحب
وعلاماته، وآراء المحبين في علامات الحب والعشق، وتقسيم الحب إلى أنواع؛ كحبِّ
الله للعبد، وحبِّ العبد لله، وحبِّ العباد في الله، ويتكلم عن علامات كل قسم من
هذه الأقسام، ثم يتكلم عن حبِّ الخواص، وحبِّ العوام، وحبِّ كلِّ ذي روح من إنسان
وحيوان وطير.
ويختم كتابه بالحديث عن كمال الحب،
ويذكر أخبار موت المحبين الإلهيين من الأنبياء والأولياء ـ سلام الله ورضوانه
عليهم أجمعين ـ، وقد يعجب القارئ لهذا الكتاب الذي مضى على تأليفه أكثر من ألف
عام، لما يتسم به من طابعٍ صوفيٍّ ونزعةٍ روحية ـ بطبيعة الحال ـ يتدفقان في
طرافةٍ محبَّبة، وبساطةٍ موحية، ممتزجَيْن بمشاعر حميمة، وملاحظات دقيقة، تنمُّ عن
نفسٍ نبيلة، وعقلٍ متفتح، وتأملٍ طويل، وذاتٍ تكاد تختلط بطبيعة الموضوع.
لا نشك في أنَّ لهذه الترجمة الإنجليزية
من هذين العالمين الجليلين الأثرَ الحميدَ ـ بإذن الله ـ في تجاوب العقول المنصفة
والقلوب النزيهة في الغرب، مع هذا الخطاب الموضوعي المعبِّر في تلقائية وصدق عن
حقيقة ديننا وثقافتنا، بعيدًا عن الخطاب الاعتذاري واللهجة الدفاعية اللذين قلَّما
يستهويان تلك العقول والقلوب.
ولئن كانت الترجمة الإنجليزية قد صدرت ـ
بحمد الله ـ في ثوبها القشيب في (إدنبرة) خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي،
واسمُ الكتاب بالإنجليزية: (A
Treatise on Mystical Love)،
فعسى أن يصدر النص الأصلي العربي عمّا قريب، وقد أنجزه الباحثان على نهج علمي،
بمقدماته وفهارسه وتدقيقاته وتعليقاته الخصبة الغنية ـ بإذن الله ـ في القاهرة،
على نحوٍ يليق بعاصمة الثقافة العربية؛ فتتعانق الجهود، وتتعارف القلوب، وتتَعاطَف
على الضفتين في لقاء فكري وروحي حميم، ببركات الديلمي وشيخه ابن خفيف ـ رحمهما
الله، وفي ذلك الحال يصدق قول الشاعر ابن خفاجة:
فلما اجتمعنا قلتُ من فرحي به * * * من
الشعرِ بيتًا والدموعُ سواقيا
وقد يجمعُ اللهُ الشتيتين بعدما * * * يظنانِ
كلَّ الظنِّ ألَّا تلاقيا
هذا هو العمل الصالح، والكَلِمُ الطيب
الذي يرفعه الله تعالى ويقبله، وهذا نموذج يُحتذى به، عسى أن يدرك كثيرٌ من أصحاب
الطاقات كيف يعملون في صمتٍ على منهجٍ مستقيمٍ في عرض إسلامنا على العالمين، من
غير ضجيجٍ مفتعل ولا صمتٍ مريب.