Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

أسرار الحب الإلهي عند الديلمي في كتابه : عطف الألف المألوف على اللام المعطوف

الكاتب

فضيلة أ.د/ على جمعة

أسرار الحب الإلهي عند الديلمي في كتابه : عطف الألف المألوف على اللام المعطوف

كيف يمكن لحرفين بسيطين – الألف واللام – أن يختزلا سر العلاقة بين الخالق والمخلوق؟ في كتاب "عطف الألف المألوف على اللام المعطوف" الفريد يكشف أبو الحسن الديلمي عن رؤية صوفية عميقة تجعل من الحروف رموزًا للحب الإلهي، فتتحول اللغة إلى مدخل لفهم أسمى معاني الوجود.

من هو الديلمي؟ وما خلفيته العلمية والصوفية؟

"عطف الألف المألوف على اللام المعطوف" هذا عنوان كتاب لأبي الحسن الديلمي من رجال القرن الرابع الهجري؛ فهو نصٌّ قديم مضى عليه أكثر من ألف عام، يتناول مسألة الحب الإلهي والحب بوجه عام، فيقاربها مقاربة بارعة، ويدرسها درسًا مستوعبًا، ويحلِّل بدقة ظاهرة الحب.

أبو الحسن الديلمي عالمٌ صوفيٌّ سنّي، مجهول تاريخ الميلاد والوفاة، ولكنه عاش أكثر أعوام حياته ـ إن لم يكن كلَّها ـ في القرن الرابع الهجري، وتربَّى في مدرسة شيخ شيراز الكبير أبي عبد الله محمد بن خفيف، الذي توفي عام (٣٧١هـ / ٩٨٢م)، وكان الديلمي قد التقى بابن خفيف سنة (٣٥٢هـ)، ومكث معه عشرين عامًا يتلقى منه الأخلاق الكريمة بتربية صافية قد افتقدناها في حياتنا الثقافية والروحية ـ نرجو الله أن تعود ـ.

ما الجذور العلمية التي شكَّلت فكر الديلمي؟

وقد تتلمذ العلَّامة ابن خفيف ـ أستاذ الديلمي ـ على شيخ الشافعية ابن سريج المتوفى عام (٣٠٦هـ)، ودرس العقيدة على الإمام أبي الحسن الأشعري المتوفى عام (٣٢٤هـ)، ولبس خرقة التصوف على يد شيخه رويم، وهو أبو الحسن رويم بن أحمد، وقيل: ابن محمد بن يزيد بن رويم البغدادي، شيخ الصوفية، توفي عام (٣٠٣هـ)، وصحب الجريري المتوفى عام (٣٤٤هـ)، وأبا العباس بن عطاء المتوفى عام (٣٠٩هـ)، وكان صديقًا للحلَّاج المتوفى عام (٣٠٩هـ)، لكنه نصح مريديه أن يسلِّموا له حاله ولا يقتدوا به في شطحاته.

كتب الديلمي سيرةَ شيخه ابن خفيف، وقد فُقِدت النسخة الأصلية التي كتبها بالعربية، وبقيت النسخة المترجمة إلى الفارسية التي ترجمها ابن جنيد الشيرازي، ونُشرت بتركيا عام ١٩٥٥ على يد الأستاذة المنصفة الألمانية (آنه ماري شيمل)، ثم نقلها إلى العربية عن نشرتها الدكتور إبراهيم الدسوقي شتّا رحمه الله في القاهرة عام ١٩٧٧.

ورث الديلمي عن شيخه ابن خفيف مذهبه الفقهي فكان شافعيًّا، ورأيه الاعتقادي فكان أشعريًّا، ومشربه الصوفي المعتدل، واهتمامه العميق بموضوع (المحبة)، ونزعته القوية إلى السياحة والرحلة، وعاش بين فارس والعراق وغيرهما من أقطار العالم الإسلامي في هذا القرن الزاهر الذي بلغت فيه الحضارة الإسلامية أوج ازدهارها إلى أخريات القرن الرابع.

كما صحب الفيلسوف أبا حيان التوحيدي المتوفى سنة (٤٠٠هـ)، وروى عنه في كتاب (العطف)، والطبيب أبا عبد الله البيطار المتوفى سنة (٣٨٣هـ)، والعديد من شيوخ الصوفية، وكتب خمسة مؤلفات لم يصلنا منها إلا كتاب (العطف) الذي نتكلم عنه، وترجمة كتاب (السيرة) الذي كتبه في سيرة شيخه، وذكرناه آنفًا.

ما سر كتاب: "عطف الألف المألوف على اللام المعطوف"؟

وقد ترك الديلمي ومؤلفاته، وخاصة كتابه (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف)، أثرًا واضحًا في التقاليد الروحية لمدرسة شيراز الصوفية، من خلال الشيخين البارزين: ابن بكران الشيرازي الذي روى كتاب (العطف) عن الديلمي، ثم المقاريضي المتوفى عام (٥٠٩هـ) الذي رواه عن ابن بكران ـ حسب السند المثبت على المخطوطة الوحيدة الباقية من الكتاب في مكتبة جامعة توبنجن بألمانيا ـ، ورواه بعدهما الصوفي الشهير روزبهان البقلي الشيرازي المتوفى سنة (٦٠٦هـ)، الذي تمتلئ مؤلفاته الثلاثة المتداولة (مِبْهَج العاشقين، وشرح الشطحيات، ومشرب الأرواح) بالاقتباسات والنقول عن كتب الديلمي، وبخاصة كتابه (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف (عطف الألف المألوف على اللام المعطوف)، قد يبدو عنوان الكتاب غريبًا، وهو نتاج تقليد متداول حينذاك في التعبير الرمزي عن علاقة الخالق ـ عز وجل ـ بخلقه؛ وهي علاقة المحبة والتعاطف، فالألف رمز للذات الإلهية التي هي معدن الحب الحقيقي والجمال الخالص، واللام ـ عندهم ـ رمز للوجود الإنساني أو الكون الجامع المتمثل في آدم أو الإنسان، والعلاقة المتبادلة بين الجانبين يُرمز إليها بالألف واللام، أو بـ(اللام ألف) «لا»، وهي علاقة الألفة والتعاطف والمحبة في أكمل صورها وأصفاها، وهي التي تتجلَّى في نفوس العارفين، وتملأ حقائقُها أفئدتَهم، حين يجذب الرب زمام إرادة العبد إليه ـ وذلك هو العطف ـ فيشغله به عمَّا سواه، وإن كان يتذوَّق في الوقت نفسه مظاهر الجمال في كل شيء، ويعيش الحبَّ بمستوياته وأبعاده الكونية المتعددة، والحبُّ دومًا هو للحبيب الأول سبحانه، والحنين إنما هو لأول منزل (في الجنة)، كما قال أبو تمام:

نَقِّلْ فؤادَكَ حيثُ شِئتَ من الهوى * * * ما الحُبُّ إلَّا للحبيبِ الأوَّلِ

كم منزلٍ في الأرضِ يَألفُه الفتى * * * وحنينُه أبدًا لأولِ منزلِ

لقد بقيت هذه الدُّرَّة الثمينة في أصدافها، حتى كشف عن جوهرها باحثٌ فرنسي هو الأستاذ (فاديه)، فأخرج الكتاب للناس في أوائل الستينيات من القرن الماضي بالقاهرة، دون تحقيق علمي للنص العربي، ثم أصدر ترجمةً فرنسية له في مطلع الثمانينيات، ثم اشتغل الباحثان: الأمريكي (جوزيف بِل) ـ أستاذ اللغة العربية بجامعة برجن بالنرويج ـ، والمصري الدكتور (حسن الشافعي) ـ الأستاذ بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وعضو مجمع اللغة العربية (مجمع الخالدين) بمصر، ورئيس الجامعة الإسلامية بباكستان سابقًا ـ بترجمة الكتاب إلى الإنجليزية، فتوافرت لخدمة نصِّه النفيس خبراتٌ تعرف طبيعة الموضوع في أبعاده الروحية، ولغته الفنية، ومضامينه الفكرية معرفةً عميقة، وتملك حساسيةً عالية في التذوُّق والتعبير عن ذلك كله في ترجمة إنجليزية رائقة صافية ـ كما يقول النقاد المتخصصون.

كيف عالج الديلمي مفهوم الحب في كتابه؟

ويبدأ المؤلف كتابه ـ بعد المقدمة ـ بالخطة التفصيلية للموضوعات، ثم يقدم استدلاله على جواز إطلاق وصف العشق والمحبة على الله تعالى، ثم يتحدث عن الجمال وارتباطه بالحب، وفضله، وفضل المحب والمحبوب والحب، ثم يورد بابًا رابعًا عن سر التسمية، وأصل كلمتي (الحب) و(العشق) في العربية، مزاوجًا بين أقوال اللغويين وتأويلات الصوفية.

وبعد ذلك يدخل المؤلف في صميم الموضوع، فيفرد بابًا للكلام في المحبة، فيوضح أصل الحب وماهيته، ويبيِّن الخلاف في حقيقته ومنبعه ووصفه، ويبيِّن الحب الممدوح، ويفصِّل في منكري الحب، ثم يتكلم عن أثر الحب وعلاماته، وآراء المحبين في علامات الحب والعشق، وتقسيم الحب إلى أنواع؛ كحبِّ الله للعبد، وحبِّ العبد لله، وحبِّ العباد في الله، ويتكلم عن علامات كل قسم من هذه الأقسام، ثم يتكلم عن حبِّ الخواص، وحبِّ العوام، وحبِّ كلِّ ذي روح من إنسان وحيوان وطير.

ويختم كتابه بالحديث عن كمال الحب، ويذكر أخبار موت المحبين الإلهيين من الأنبياء والأولياء ـ سلام الله ورضوانه عليهم أجمعين ـ، وقد يعجب القارئ لهذا الكتاب الذي مضى على تأليفه أكثر من ألف عام، لما يتسم به من طابعٍ صوفيٍّ ونزعةٍ روحية ـ بطبيعة الحال ـ يتدفقان في طرافةٍ محبَّبة، وبساطةٍ موحية، ممتزجَيْن بمشاعر حميمة، وملاحظات دقيقة، تنمُّ عن نفسٍ نبيلة، وعقلٍ متفتح، وتأملٍ طويل، وذاتٍ تكاد تختلط بطبيعة الموضوع.

لا نشك في أنَّ لهذه الترجمة الإنجليزية من هذين العالمين الجليلين الأثرَ الحميدَ ـ بإذن الله ـ في تجاوب العقول المنصفة والقلوب النزيهة في الغرب، مع هذا الخطاب الموضوعي المعبِّر في تلقائية وصدق عن حقيقة ديننا وثقافتنا، بعيدًا عن الخطاب الاعتذاري واللهجة الدفاعية اللذين قلَّما يستهويان تلك العقول والقلوب.

ولئن كانت الترجمة الإنجليزية قد صدرت ـ بحمد الله ـ في ثوبها القشيب في (إدنبرة) خلال الأشهر الأخيرة من العام الماضي، واسمُ الكتاب بالإنجليزية: (A Treatise on Mystical Love)، فعسى أن يصدر النص الأصلي العربي عمّا قريب، وقد أنجزه الباحثان على نهج علمي، بمقدماته وفهارسه وتدقيقاته وتعليقاته الخصبة الغنية ـ بإذن الله ـ في القاهرة، على نحوٍ يليق بعاصمة الثقافة العربية؛ فتتعانق الجهود، وتتعارف القلوب، وتتَعاطَف على الضفتين في لقاء فكري وروحي حميم، ببركات الديلمي وشيخه ابن خفيف ـ رحمهما الله، وفي ذلك الحال يصدق قول الشاعر ابن خفاجة:

فلما اجتمعنا قلتُ من فرحي به * * * من الشعرِ بيتًا والدموعُ سواقيا

وقد يجمعُ اللهُ الشتيتين بعدما * * * يظنانِ كلَّ الظنِّ ألَّا تلاقيا

هذا هو العمل الصالح، والكَلِمُ الطيب الذي يرفعه الله تعالى ويقبله، وهذا نموذج يُحتذى به، عسى أن يدرك كثيرٌ من أصحاب الطاقات كيف يعملون في صمتٍ على منهجٍ مستقيمٍ في عرض إسلامنا على العالمين، من غير ضجيجٍ مفتعل ولا صمتٍ مريب.

سؤال وجواب

س: هل يقتصر مفهوم الحب عند الديلمي على الجانب الروحي فقط؟

ج: لا، بل يعالج الحب بوصفه ظاهرة شاملة، تمتد من العلاقة بالله إلى العلاقات الإنسانية والكونية.

س: ما سر خلود هذا الكتاب رغم قِدمه؟

ج: لأنه يجمع بين العمق الروحي والتحليل العقلي والصدق الوجداني، مما يجعله متجددًا عبر العصور.

الخلاصة

يُعد كتاب "عطف الألف المألوف على اللام المعطوف" نموذجًا فريدًا في التراث الصوفي، حيث نجح الديلمي في تقديم رؤية متكاملة للحب بوصفه جوهر العلاقة بين الخالق والمخلوق؛ فهو ليس مجرد تأملٍ روحي، بل مشروع فكري يجمع بين اللغة، والفلسفة، والتجربة الوجدانية، مما يجعله شاهدًا على عمق الحضارة الإسلامية وقدرتها على التعبير عن أسمى معاني الوجود، وما أحوجنا اليوم إلى استحضار مثل هذه النماذج التي تخاطب العقل والقلب معًا، وتبني جسور الفهم بين الإنسان وربه، وبين الإنسان والإنسان.

موضوعات ذات صلة

الجمال في الإسلام، قيمة دينية وكونية، وتجربة وجدانية، يتجلّى في العقيدة والتشريع

من معالم الطريق إلى الله الجمع بين تعظيم كتاب الله، ولزوم سنة رسوله ﷺ، وتزكية الباطن مع إحكام الظاهر

نجد في حكم الإمام الرفاعي ميزانًا دقيقًا يجمع بين انضباط العقل وتطلع الروح، مبينًا كيفية النجاة من فخاخ المادية

 تتضافر سبل جلاء القلوب من رين الغفلة عبر أنوار الاستغفار والذكر، كما رسم معالمها أهل الطريق في قبساتهم النورانية

التصوف الإسلامي هو ظاهرةٌ روحيةٌ إنسانيةٌ عامة، تعتمد على القلب وتستعصي على الفهم العقلاني

موضوعات مختارة