Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

حقيقة الفروسية الروحية في ضوء الإيمان

الكاتب

فضيلة أ.د/ على جمعة

حقيقة الفروسية الروحية في ضوء الإيمان

حين تتزاحم مفاهيم الحرية والإبداع في عالمٍ مضطرب، يبرز سؤال عميق: هل كل جديدٍ يُعد إبداعًا؟ أم أن الإبداع الحقيقي لا يولد إلا من قلبٍ ممتلئٍ بالإيمان، منضبطٍ بمشيئة الله؟ هنا تتجلى فكرة الفروسية الروحية بوصفها طريقًا لصناعة الإنسان المتوازن، الذي ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر في العالم.

ما العلاقة بين الإبداع والحرية في ضوء الإيمان؟

"لتكن مشيئة الله" هذا عنوان كتاب للأديبة الإيرانية ليلى بختيار، صدر في نسخته الإنجليزية تحت عنوان God's Will Be Done، تتكلم فيه عن الفروسية الروحية، وهي فكرة من الأفكار الإبداعية التي تصدر عندما يمتلئ القلب إيمانًا، لا عندما يشوش العقل بأشكال وصور لا علاقة لها بالإيمان؛ فتتزاحم تلك الأشكال والصور، وتشوش على الإنسان حياته، ويظن المسكين أنه قد أبدع، ويشعر بالحرمان إذا مُنع من هذا التشويش، أو أزيل عنه شيء من الغبش.

ما الفرق بين الحرية والتفلت؟

إنها مشكلة في علاقة الإبداع بالحرية، وفي علاقة الإبداع بالتفلت، والإبداع لا بد فيه من معاناة، ولا بد فيه من أن ينشئ شيئًا جميلًا نافعًا يرتبط ارتباطًا روحيًّا بقضية عمارة الأرض، وليس الإبداع هو الإرهاب الفكري، ولا هو أن يضيق الناس الذين يدعون إلى الحرية بآراء الآخرين؛ ولذلك نراهم قد فشلوا في بلادنا، وبعد مائة وخمسين سنة من التجربة الليبرالية، في اكتساب جماهير الناس، فالجماهير لديها حس فطري يتجاوز حالة العلم وحالة الجهل معًا، تشعر بالصادق مع نفسه، بغض النظر عن نوع هذا الصدق ومضمونه.

ولما كان الذين يدعون إلى الحرية من أجل الإبداع لا يعرفون معنى الحرية، ولا يطبقونها في كلامهم مع الآخرين، فيصفون المخالف بالتخلف، والظلامية، والرجعية، إلى آخر هذه القائمة الجاهزة لوصف من خالفنا في الرأي؛ فإن الجماهير تشعر بعدم صدقهم، حتى ولو لم تستطع أن تعبر عما يجيش في نفوسها من هذا الشعور الغريب، الذي يمتزج فيه القرف من هذا التصرف مع الاشمئزاز من الألفاظ المستعملة في الحوار والنقاش، خاصة إذا كانت سوقية.

والفرق بين الحرية والتفلت هو الالتزام؛ فإن الحرية والمسؤولية وجهان لعملة واحدة، ولذلك فإن عنصر الالتزام يتوفر فيما نسميه حرية، في حين أن التفلت يخلو من الالتزام؛ لأنه بطبيعته يخلو من المسؤولية، والتفلت قد ينشئ شيئًا جديدًا، ولكنه أبدًا لا يسمى إبداعًا، فعندما يخرج الشاعر ليستعمل فن الشعر في سب الإله، وعندما يستخدم الرسام فرشاه للعبث بالقيم والأخلاق، أو لإقرار مبادئ الفوضى في نفوس الناس، أو في استعمال مجموعة من السب والقذف يرصها بجوار بعضها في تشنج ظاهر؛ فإنه لا يكون بذلك مبدعًا، وإن أتى بشيء جديد من قلة الأدب والحياء،.

ما مفهوم الفروسية الروحية؟

ذكرتني ليلى بختيار في كتابها الماتع لتكن مشيئة الله بهذا المعنى من معاني الإبداع والحرية؛ حيث أتت بفكرة جديرة بالنظر والتأمل، ومحاولة التلبس بها، وهي فكرة الفروسية الروحية، وملخصها أن الإنسان في نفسه هو الفارس، وهو العدو، وهو أرض المعركة في آن واحد.

فالله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهذا يجعله مهيأً لأن يكون فارسًا نبيلًا، بل لأن يصل إلى مرحلة الكمال في خلقه، وفي سلوكه، وفي رؤيته، وفي علاقاته بنفسه، وبالكون من حوله، وبالآخرين، وأصل ذلك كله علاقته بخالقه، فالله فطره مهيأً لذلك، قال تعالى: {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: ٣٠]، وقال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: ١٠]، وقال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: ٧-١٠].

فالفروسية الروحية حقيقتها أن الإنسان، بقدر ما يحسن، أيًّا كان مدى إحسانه -أو بعبارة أخرى- إن حقيقة الفروسية هي الإحسان، وحقيقة الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، ويبدو من هذا أنه لا فروسية إلا بالإيمان.

والفارس يحتاج إلى تدريب حتى يصل إلى مرتبة الفروسية؛ لأنه لا يقتصر على الخلق الكريم، بل إنه يكون حماية للآخرين، ويكون ملاذًا لهم، وهو الأمر الذي يحتاج، مع الخلق، إلى قوة لا تتأتى بالأماني، وإنما تتأتى ببذل المجهود في تدريب قد يكون شاقًّا ومستمرًّا.

والفارس لا تغيب عيناه عن عدوه؛ لأنه يستشعر دائمًا حاجته إلى النصر على ذلك العدو، لكن اللطيف في الموضوع أن عدوك هو نفسك التي بين جنبيك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» [الزهد الكبير للبيهقي]، فالعدو إذن ليس بعيدًا عنك، ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول» [رواه مسلم وابن حبان]، ويقول: «يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع في عينه» [رواه ابن حبان في صحيحه].

والفارس يقاتل عدوه الأقرب قبل أن يشتغل بعدوه الأبعد؛ لأن الخطر كامن في الأقرب أكثر مما هو كامن في الأبعد.

وأرض المعركة هي ذات الإنسان أيضًا؛ فما دام الإنسان له نجدان، وما دام فيه طريق الخير وطريق الشر، وما دام فيه الفارس والعدو، فإن أرض المعركة هي نفس الإنسان أيضًا، والفارس يحتاج دائمًا إلى معرفة أرض المعركة بطبيعتها وتركيبها حتى يستطيع الفوز على عدوه؛ ولذلك فمعرفة تضاريس النفس مهمة في هذا المجال، وكما قالوا قديمًا: من عرف نفسه فقد عرف ربه.

لماذا لا تتحقق الفروسية الروحية دون الإيمان بالله؟

عندما تستشعر الروح بأنها قد دخلت في نطاق الفروسية، فإنها تستشعر حاجتها الشديدة إلى الإيمان بالله، وسترى حينئذ أن الذين لم يؤمنوا بالله، والذين أرادوا أن ينحوا الإله من حياتهم ومن حياة الناس، والذين نسوا الله، حتى وإن اعترفوا به في عقولهم، أو احتاجوه بين الفينة والفينة في نفوسهم؛ لا يمكن أن يكونوا من الفرسان النبلاء، ولا أن يمارسوا الفروسية الروحية، وحينئذ فإن ظاهرة عجيبة تحدث، وهي أن يُوسَّد الأمر إلى غير أهله، وظاهرة أشد عجبًا من هذا، وهي أن الإنسان يفقد الكفاءات المهارية والروحية معًا، ويترتب على ذلك مزيد من الصراع في هذا الكون الذي نحياه، صراع غبي يجعل سلوك الإنسان من نوع الجهاد في غير وَغًى.

وهنا يدخل الإنسان في الوهم الكبير، قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: ١٠٣-١٠٤].

ولكن لتكن مشيئة الله عنوانًا على الفروسية الروحية؛ هذا العنوان الذي يُلهم الفارس الصبر الجميل، والذي يُرجع كل ما في كون الله إلى خلقه سبحانه، فيؤدي ذلك إلى الرضا القلبي، وإلى الاطمئنان الروحي، وإلى شفافية العقل والنفس... آمنت بالله.

سؤال وجواب

س: ما جوهر الفروسية الروحية؟

ج: الإحسان المنضبط بالإيمان.

الخلاصة

الفروسية الروحية ليست فكرة نظرية، بل منهج حياة يقوم على مجاهدة النفس، وتحقيق الإحسان، وضبط الحرية بالالتزام، وربط الإبداع بمقاصد الخير، وعبارة "لتكن مشيئة الله" ليست مجرد شعار، بل مفتاح التوازن بين الروح والعقل، وبين الحرية والمسؤولية، وبين الإنسان وربه.

موضوعات ذات صلة

الجمال في الإسلام، قيمة دينية وكونية، وتجربة وجدانية، يتجلّى في العقيدة والتشريع

من معالم الطريق إلى الله الجمع بين تعظيم كتاب الله، ولزوم سنة رسوله ﷺ، وتزكية الباطن مع إحكام الظاهر

نجد في حكم الإمام الرفاعي ميزانًا دقيقًا يجمع بين انضباط العقل وتطلع الروح، مبينًا كيفية النجاة من فخاخ المادية

تتضافر سبل جلاء القلوب من رين الغفلة عبر أنوار الاستغفار والذكر، كما رسم معالمها أهل الطريق في قبساتهم النورانية

التصوف الإسلامي هو ظاهرةٌ روحيةٌ إنسانيةٌ عامة، تعتمد على القلب وتستعصي على الفهم العقلاني

موضوعات مختارة