وقد تأمل العلماء حركة الفكر والقصد، فجعلوا لها خمس مراتب:
الهاجس، ثم الخاطر، ثم حديث النفس، ثم الهم، ثم العزم أو النية المؤكدة، وقيل:
مراتبُ القصدِ خمسٌ: هاجسٌ ذكروا ** فخاطرٌ، فحديثُ النفسِ، فاستمعَ
يلــيه هــمٌّ، فعــزمٌ، كلُّــها رُفعــت ** سوى الأخـير، ففــيه الأخـذ قـد وقـعَ
فأول هذه المراتب هو الهاجس، وهو مرور الفكرة أمام النفس بسرعة؛ فإذا أهملها الإنسان انتهى أمرها، وإن لم يهملها انتقلت إلى المرتبة الثانية، وهي الخاطر.
وفي مرحلة الخاطر تقف الفكرة قليلًا أمام النفس لتتأملها وتنظر إليها، فإن أهملها الإنسان انتهت، وإن استرسل معها انتقلت إلى المرتبة الثالثة، وهي حديث النفس.
وفي حديث النفس ينشأ حوار بين الإنسان ونفسه: هل يُقدم على الفعل أم يتركه؟ فإن قطع هذا الحديث انتهى الأمر، وإن استرسل معه انتقلت الفكرة إلى المرتبة الرابعة، وهي الهم.
والهم مرتبة قريبة من الإصرار؛ ففيها يتخذ الإنسان قرارًا لا يزال يشوبه بعض التردد، ولكنه يكون قد أوشك على اتخاذ القرار النهائي والإقدام على الفعل.
فإذا كانت الفكرة ذنبًا، ثم تركها الإنسان في هذه المرتبة، عفا الله عنه، بل قد يكتب له حسنة؛ وكتابة الحسنة ليست لمجرد التفكير في الذنب، وإنما لتركه بعد التفكير فيه، فتنبه.
أما إذا لم يترك الإنسان الفكرة، واستمر معها حتى انتقلت إلى المرتبة الخامسة والأخيرة، وهي العزم أو النية المؤكدة، فإن النفس تُقبل على الفعل، ويقع الذنب؛ لاقتران الإصرار بأول الفعل.
إذن، فالهاجس، والخاطر، وحديث النفس، والهم، كلها -والحمد لله- مرفوعة عن الإنسان ما لم تتحول إلى عزم وإقدام، بل إن الله سبحانه وتعالى يكرم العبد ويثيبه إذا وقف عند حد الفكرة ومنع نفسه من المعصية.