Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التصوف في الإسلام بين الحقائق والانحرافات

الكاتب

أ. د/ عبد الحميد مدكور

التصوف في الإسلام: بين الحقائق والانحرافات

التصوف هو بُعد روحي وأخلاقي في التجربة الإسلامية، يعبر عن نزعة الإنسان نحو السمو على المادة والسعي إلى الصفاء الروحي. وقد تعددت تفسيرات نشأته واسمه، ورأى فيه بعض المسلمين وسيلة للارتقاء في العبادة، بينما اتخذه آخرون موضع نقد بسبب بعض الانحرافات والمفاهيم الوافدة. ورغم ذلك، قدّم التصوف الإسلامي إسهامات بارزة في تهذيب النفس، ونشر الإسلام عالميًا، ويبقى التصوف ميدانًا غنيًا بالمعاني الروحية والأخلاقية، إذا التُزم فيه بالكتاب والسنة وابتعد عن الشوائب.

مدخل إلى التصوف مفهوم إنساني وروحي عالمي

يمثل التصوف نزعة إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت في كل الحضارات على نحو من الأنحاء، وهو يُعبّر عن شوق الروح إلى التطهّر، ورغبتها في الاستعلاء على قيود المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحي والكمال الأخلاقي. ولم يكن المسلمون استثناءً من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم.

أصل التسمية لماذا سُمّي التصوف بهذا الاسم؟

وقد قدّم الصوفية تفسيرات متعددة لهذه النسبة التي تميزوا بها عن غيرهم من الفرق والطوائف التي ظهرت في المجتمع الإسلامي، ومن هذه التفسيرات ما يلي:
* إن التصوف مأخوذ من صفاء الأسرار ونقاء الآثار.
* إنه نسبة إلى الصف الأول في الصلاة.
* إنه نسبة إلى عمل أهل الصُّفة من صحابة الرسول . وقد لاحظ القشيري أن هذه التفسيرات ليست صحيحة من الناحية اللغوية.
* إن التصوف نسبة إلى صوفة القفا.
* إنه منسوب إلى رجل كان يُجاور بمكة قبل الإسلام يُسمّى صوفة بن بشر، وعلّق ابن تيمية بأن النسبة إلى هذا الرجل أو إلى قبيلته نسبة ضعيفة "... لأن غالب من تكلّم باسم الصوفي لا يعرف هذه القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافًا إلى قبيلة في الجاهلية، ولا وجود لها في الإسلام".
* إن هذه التسمية نسبة إلى الصوف، الذي هو زيّ الأنبياء، وشعار الصالحين والأولياء، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله، وهم يتميزون به عن أهل الرغبة في الدنيا.
ولا يرفض القشيري هذا التفسير، ولكنه لا يقبله قبولًا تامًّا، وفي ذلك يقول: "فأما من قال: إنه من الصوف؟ ولهذا يقال: تصوّف إذا لبس الصوف كما يقال تَقَمَّص إذا لبس القميص؟ فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس الصوف". ومع ذلك يبقى أن هذا التفسير هو أقرب التفسيرات إلى القبول، وإن كان شيوخ التصوف قد أوضحوا أن التصوف يهتم بالجوهر قبل المظهر، ويعنى بالحقائق والأعمال أكثر من عنايته بالرسوم والأشكال.

تعريفات التصوف وتعددها بين الذوق والحال

وأما تعريفات التصوف فإنها كثيرة جدًّا، وقد ذكر السهروردي أن له أكثر من ألف تعريف، بل ذكر الشيخ زروق أنها تبلغ نحو الألفين، وترجع هذه الكثرة إلى أن كل واحد ممن عرّفوا التصوف كان يعبّر عن ذوقه ووجده وحاله، ولهذا اختلفت العبارات، لأن الطرق إلى الله تعالى بعدد النجوم أو بعدد أنفس السالكين.

أنواع التعريفات الصوفية السلوك، الأخلاق، المعرفة

ويمكن تصنيف هذه التعريفات إلى أنواع بحسب الطابع الغالب عليها:
(أ) فبعضها يركّز على الجانب العملي، الذي يهتم بمجاهدة النفس ومقاومة شهواتها، وذلك كالذِّكر والمراقبة، ومحاسبة النفس والزهد في الدنيا، ومن نماذج هذه التعريفات:
* التصوف: قلة الطعام، والسكون إلى الله تعالى، والفرار من الناس.
* التصوف: ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك، وهكذا.
(ب) وبعضها يتجه إلى ملاحظة الجانب الأخلاقي، الذي هو من أهم أركان التصوف، ومن هذه التعريفات:
* التصوف: هو الدخول في كل خُلقٍ سَنِيّ، والخروج من كل خُلقٍ دَنِيّ.
* التصوف: خُلُق، فمن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الصفاء.
* وقال الهروي الأنصاري: "واجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم أن التصوف هو الخُلق".
(ج) وكان بعضها يهتم بجانب المعرفة، وهي المعرفة الإلهامية الذوقية التي هي موضع اعتزاز الصوفية وفخرهم. ومن هذه التعريفات ما قاله العطار عن علم التصوف الذي هو "ثمرة للعمل والحال، وليس نتيجة للحفظ والقال، وإنه من العِيان لا من البيان، ومن الأسرار لا من التكرار، ومن العلم اللدني لا من العلم الاكتسابي...".
(د) ومن التعريفات ما يجمع هذه الجوانب كلها، ويضيف إليها ضوابط للسلوك المقبول عندهم بما يدفع التهم عن طريق الصوفية، ومن هذه التعريفات تعريف ابن خفيف للتصوف.

البيئة التي نشأ فيها التصوف الإسلامي

وقد نشأ التصوف عند المسلمين لأسباب متعددة، بعضها من داخل البيئة الإسلامية، وبعضها من خارجها. وكان الزهد هو البيئة الطبيعية التي نشأ فيها التصوف، وكان الزهد نفسه ثمرة لعوامل دينية واجتماعية، حيث طرأ على الحياة عند المسلمين أنماط من العيش وصور من السلوك لم تكن مألوفة في حياة الصدر الأول من المسلمين، الذين كانوا يتميزون بالبساطة والقناعة، والبعد عن التَّفنُّن في مطاعمهم ومشاربهم، أخذًا بالورع وخشية من الحساب. ولكن الحياة تحوّلت فيما بعد، وعند أهل الترف والغنى، إلى نماذج من السَرَف الفاحش الذي يستثير أهل الفقر والمسكنة، المتمسكين بما كان عليه السلف من زهد وبساطة. وكان ذلك من دواعي نشأة التصوف عند المسلمين، كما يقول ابن خلدون: "وأصل هذه الطريقة العكوف على العبادة ... والإعراض عن زخرف الدنيا، والزهد فيما يُقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه ... وكان ذلك عامًا في الصحابة والسلف، فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة"..

التأثيرات الخارجية على التصوف بعد الفتوحات

على أن التصوف لم يَخلُ من التأثر ببعض المؤثرات الوافدة من نُظم صوفية أخرى، جاءت من خارج البيئة الإسلامية، بسبب الترجمة أحيانًا أو بسبب اتصال المسلمين بعد الفتوحات بشعوب أخرى كان لها قدم راسخة في التصوف كالهند وفارس. وقد كان بعض الصوفية من أصول ترجع إلى هذه الشعوب، وليس ببعيد أن يكون لبعض أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون بين المسلمين بعض التأثير أيضًا. وكان من آثار هذه العوامل كلها أن ظهر لدى بعض الصوفية أقوال ونظريات مشابهة لبعض ما ظهر في النظم الصوفية الأخرى.

مواقف المسلمين من التصوف بين التأييد والرفض

وأدّى ذلك إلى أن تتفاوت نظرة المسلمين إلى التصوف، وقد انقسموا حوله إلى أنصار يرون في التصوف طريق الولاية، وسبيل الصفاء والعرفان، ونيل الكرامات وخرق العادات، وهؤلاء هم الصوفية ومن ارتضى طريقتهم. وإلى خصوم يرون التصوف بدعة وضلالة، واستعلاء على الشريعة بدعوى الحقيقة، وإعلاء للباطن على حساب الظاهر، وترويجًا للأفكار والمذاهب الدخيلة التي تتحدث عن إسقاط التكاليف، ووقوعًا في أسر البطالة والتواكل والجمود والسلبية، والإعراض عن العلم بدعوى العلم اللدني.

الموقف الوسط في رؤية التصوف

وكان من بين المسلمين من اتخذ موقفًا وسطًا بين هؤلاء وهؤلاء، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه ابن تيمية (٧٢٨هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية (٧٥١هـ)، وقد أشار كل منهما إلى مواقف الفريقين، وذكر ابن تيمية أن "الصواب هو الإقرار بما فيها، وفي غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفي غيرها من مخالفة الكتاب والسنة".

وإذا طبقنا هذا المعيار فسنجد أنه يوجد بين الصوفية: السابقون المقرّبون، والمقتصدون الذين هم من أهل اليمين، وفيهم من هو ظالم لنفسه، وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة، ولكن المحققين من الصوفية يتبرّؤون منهم وينكرونهم. ولعل هذا الموقف هو أولى الآراء بالقبول، لأنه أقرب إلى الموضوعية والإنصاف، وأبعد من التعميم والتعصّب المذموم.

بل إن السادة الصوفية الأوائل كانوا يقولون: "علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة؛ فإذا رأيتم الرجل يطير في الهواء، ويمشي على الماء، فلا تصدقوه حتى يعمل بالكتاب والسنة".

دور التصوف في الأخلاق ونشر الإسلام عالميًا

وينبغي ونحن نتحدث عن التصوف ألا نَغْفل عما حفل به التصوف من تربية أخلاقية وتحليلات نفسية كانت موضع إعجاب الدارسين في الشرق والغرب، وقد كان للصوفية المسلمين دورهم في نشر الإسلام في كثير من بقاع الأرض في آسيا وإفريقيا قديمًا، وفي أوروبا حديثًا، وهو دور معروف لدى المؤرخين.

الخلاصة

التصوف هو نزعة إنسانية وروحية عالمية تسعى إلى تطهير النفس وتحقيق الكمال الأخلاقي. نشأ في الإسلام كرد فعل على الترف الاجتماعي، وتطور ليصبح طريقًا للعبادة يعتمد على الزهد والمجاهدة. تعددت تعريفاته ما بين السلوك، والأخلاق، والمعرفة الذوقية. وقد واجه التصوف مواقف مختلفة بين مؤيد يرى فيه سبيلًا للولاية، ومعارض يراه بدعة، بينما اتخذ موقف وسطي يُقيم التصوف بناءً على مدى توافقه مع الكتاب والسنة.

موضوعات ذات صلة

نشأ التصوف كحركة روحية مميزة في منتصف القرن الثاني الهجري، وازداد انتشاره بعد ذلك.

الغربة عند الصوفية هي خروجهم عن أوطانهم وغيابهم عن أنفسهم، ليس بالبعد الجسدي فقط، بل بالانفصال عن الشهوات والملذات من أجل التقرب إلى الله.

يعد التصوف الإسلامي أحد أرقى أشكال التعبّد والتزكية في الإسلام، لكنه لم يخلُ من بعض الأدعياء من المنحرفين عن المنهج الصوفي الصحيح في الفكر والممارسة.

موضوعات مختارة