الخير كله يكمن في اتباع نهج السلف الصالح، وأسمى مراتب السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالاقتداء الكامل والعمل بشريعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الذي يمثل أعلى مراتب الرسالة الإنسانية.
الخير كله يكمن في اتباع نهج السلف الصالح، وأسمى مراتب السعادة في الدنيا والآخرة تتحقق بالاقتداء الكامل والعمل بشريعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، الذي يمثل أعلى مراتب الرسالة الإنسانية.
قال صاحب الجوهرة [إبراهيم بن إبراهيم بن حسن اللقاني، أبو الإمداد، برهان الدين تـ ( ١٠٤١) هـ]:
فَكُلُّ خَيْرٍ فِي اتَّبَاعِ مَنْ سَلَفْ *** وَكُلُّ شَرٍّ فِي ابْتِدَاعِ مَنْ خَلَفْ [عمدة المريد شرح جوهرة التوحيد: ٢/٢٢١٧]
وقد أتيت بكلمات لطيفة في كتابي "ضوء الشمس" نظمتها من كلمات السلف الصالح مُصدَّرة بحديث نبوي جليل المفاد، ولمناسبتها لهذا المقام أوردتها بحروفها، وهي: "لَمَّا مَنَّ الله على البرية، بوصول نوبة البعثة إلى نبينا المعظم صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انطمس شهاب نار الكفر، ولمع شعاع نور الذكر، وتم ببركته عليه الصلاة والسلام ما نقص من مكارم الأخلاق، وانتشر بهمته المحمدية علم العدل والصلاح في الآفاق؛ لكونه جمع ما تفرق في إخوانه النبيين والمرسلين من الهمم والشيم، والأخلاق العلية الزكية، والأوصاف الحميدة المرضية، فلم يبق خصلة محمودة إلا أوصل إليها ودلّ عليها، ولم يترك خصلة مذمومة إلا نهى عنها وحذر منها، وجمعت شريعته الطاهرة شتات الأحكام الصالحة، فصارت تجارة الخلق ببركة رسالته رابحة، وسرى سر خلافته في العوالم، وعَلِمَ الثَّقلان أنه عليه الصَّلاة والسلام أشرف نائب عن الربوبية، وأعدل حاكم".
فإذا فهمت ذلك علمت ما للنوع الإنساني من التكرمة عند الله، وأدركت أنَّ أشرف أنواع الخلق الإنسان، وأعلى مراتب الإنسان خلافة الله، وأعلى مراتب خلافة الله: الرسالة.
وأعلى مراتب الرسالة مرتبة أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وأعلى مراتبهم وأجمعها دعوة، وأعظمها شرفا، وأجلها قدرا، وأرفعها ذكرا، وأطولها سنامًا، وأشمخها مقامًا الرسالة المحمدية التي اختص الله بها سيد البرية، فهو قطب الدائرة، ومفتاح باب سعادة الدنيا والآخرة، وهو ختم الختم، ومحل الإفشاء والكتم، فكمال غيره كمال عن نقص، وكماله كمال عن كمال، أوتي جوامع الكلم، وانقطعت به نبوة التشريع، وقد أرْسل وكان نبيا، وآدم بين الماء والطين، وغيره ما كان نبيا إلا بعد تحصيل شرائط النبوة، فجميع النبوات والرسالات والولايات مدرجة في نبوته، وولايته، ورسالته.
وقد تبين لك أنَّ الإنسان ثمرة العالم، وأن عين الإنسان وعين إنسانه نبينا المعظم صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وهو رسول الله إلى الخلق كافة، والأصل في رسالته بالنسبة إلى الخلق الدلالة على الله، والإرشاد إلى الله، وقَوْدُ الخلق إلى مكارم الأخلاق، ولهذا المعنى نزلت الكتب، وشُرعت الشرائع والسنن، وضُربت الأمثال والمواعظ، واحتيج إلى الأنبياء، والملوك، والعلماء، والوزراء، والأعوان، والإخوان، والأصدقاء، ونُدِب الاقتداء؛ ولولا ذلك لم يحتج أحد إلى أحد، بل اكتفى كل أحد بنفسه، وعلى هذا المعنى: ترتب الجزاء والعقاب، والمدح والذم، فما رأيناه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أثنى على أحد إلا بعمل، ولا ذم أحدا إلا بعمل، ولا أوعد إلا على العمل، وقال تعالى: {فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ} [الأحقاف: ٢٠]، {وَمَن یَقۡتُلۡ مُؤۡمِنࣰا مُّتَعَمِّدࣰا فَجَزَاۤؤُهُۥ جَهَنَّمُ} [النساء : ٩٣]، {وَمَن یَتَّقِ ٱللَّهَ یَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجࣰا} [الطلاق: ٢].
جعل التقوى سببًا لذلك؛ وهي عمل، وقال تعالى أيضًا: {لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ} [البقرة: ٢٨٦)، وقال: {إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ} [محمد: ٧].
ومن معنى الندب على الاقتداء، قوله تعالى: {فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ} [الأنعام: ١٩٠، وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ [آل عمران: ١٥٩]، {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ} [الكهف:٢٨]، وغير ذلك من الآيات الكريمة.
ومن هذه المعاني، قول النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ، مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا، ثُمَّ تَمَنَّى عَلَى اللَّهِ» الأَمَانِيّ. [الترمذي: ٢٤٥٩، وابن ماجه: ٤٢٦٠، وأحمد: ١٧١٢٣].
وقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لا تُجَالِسُوا كُلَّ عَالِمِ إِلَّا عَالِمًا يَدْعُوكُم مِنْ خَمْسٍ إِلَى خَمْسٍ: مِنَ الشَّكَ إِلَى اليَقِيْنِ، وَمِنَ الكِبْرِ إِلَى التَّوَاضُعِ، وَمِنَ الرِّيَاءِ إلى الإخلاص، ومِنَ الرَّغْبَةِ إِلَى الزَّهْدِ، وَمِنَ العَدَاوَةِ إِلَى النَّصِيحَةِ» [رواه عن جابر أبو نعيم في الحلية: ۷۲/۸، والخطيب البغدادي في تاريخه: ٢١٠٥،
وابن عساكر في تاريخه: ۲۳ / ۱۳۲، والديلمي في الفردوس: ٧٤٤٩].
فمن ذلك يُعلم لديك، أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كانت رسالته الرسالة الجامعة، وشريعته الشريعة الناسخة، وهو المبعوث لتكميل مكارم الأخلاق أوضح الطرق، وفتح الأبواب، ومهد المناهج، وسهل الأسباب، ولزم على كل ذي طبع كريم، وقلب سليم: أن يتمسك بحبل شريعته، وأن يتشبث بذيل طريقته، وأن ينحرف عن صحبة الجاهلين، ويجتنب مودة الفاسقين على أنَّ الطبع البشري سراق، قريب المأخذ، كالماء يتلون بلون إنائه، ويتشبه بكل رفقائه، ومن هذا قول عليٍّ أمير المؤمنين كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ ورَضِيَ اللهُ عنه:
فلا تصحب أخا الجَهْلِ *** وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى *** حكيمًا حين آخـاه
يقاس المرء بالمرء *** إذا ما هو ماشاه
وللشيء على الشيء *** مقاييس وأشباه
وله كَرَّمَ اللهُ وجهَهُ:
ولا تصحب الكسلان في حالاته *** كم صالح بفساد آخر يفسد
عدوى البليد إلى الجليد سريعة *** والجمر يوضع في الرماد فيخمد
فأحكم النظر في مقصدك، واعمل واعلم أنَّ العمل هو السبب، والسبب الباب لنيل سعادتي الدارين
شعر:
ألم تر أنَّ اللهَ قال لمريم *** وهزي إليكِ الجِذْعِ يَسَّاقَطُ الرُّطَب
ولو شاءَ أَحْنَى الجِذْعَ مِنْ غَيْرِ هَزهَا *** ولكنما الأشياءُ يَجْرِي لها السبب
ولا تكمل السعادة إلا بكمال الاقتداء به صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومن رام حصول السعادة الأبدية ولم يقتد به صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فمثله كمثل أولاد الفقهاء يريدون التصدر للتدريس، والإفتاء، والتقدم على النظراء من غير تحصيل، ولا خدمة للعلماء، ويصعب عليهم الوضع من منازلهم عند أقرانهم؛ وأولاد الشيوخ يريدون التظاهر بأحوال آبائهم بلا مجاهدة ولا عبادة؛ وأولاد التجار يريدون التشبه بآبائهم في الإنفاق مع ترك الاكتساب، فتسرع أموالهم إلى الذهاب، فكل من فعل ذلك فهو ظالم في طريقه إلى مقصده، قال تعالى: {لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ} [البقرة : ١٢٤] فهم لا محالة يُعدمون العقول، ويُحرمون الوصول لتضييع الأصول في ارتكاب المشاق، ومعالجة السباق في اكتساب الأموال والأحوال، ومبارزة الرجال الأبطال، ومع الحداثة في السن والرأي، قد استولت عليهم العزة التي بها يحصل تكذيب الصادق، وتصديق الكاذب، والرفع من مقداره، والوضع من مقدار غيره، والتكبر حيث ينبغي التواضع، وعكسه، والمحبة بإفراط، والبغض بإفراط لا لسبب، وتقريب وتقديم مَن الأَوْلَى تأخيره وإبعاده وبالعكس، والغرة بالسلامة على طريق الاستقامة، وكذا كل سالك إلى مقصد بأمثال ذلك، فمن لم ينتفع بالإشارة لم ينتفع بالقناطير المقنطرة.
فذو النهاية كرب أرض كريمة، فعمرها وبذرها، فأدركتها السعادة بالإمداد والسلامة من الآفات، حتى حصد الثمار، وأحرزها، ولم يبق عليه إلا حفظها من العدو والانتفاع بها.
وذو البداية: لم يحرث أرضه، فهو يرجو طيبها، يبذر فيها بلا تعب، وله أعداء ينازعونه، ويمنعونه، ومن كان كذلك فقد رام الحصاد قبل الزراعة أو قبل الحرث أو قبل حصول الأرض؛ فهو الظالم لنفسه، قال صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تُعْطُوا الْحِكْمَةَ غَيْرَ أَهْلِهَا فَتَظْلِمُوهَا» [الزهد للإمام أحمد: ٤٧٩].
فَمِن ثَمَّ عُلِمَ: أَنَّ كمال الاقتداء بالحضرة المحمدية، عين السعادة الكلية، فَمَنْ فاته كل الاقتداء به عليه الصَّلاة والسلام في حركاته وسكناته وأقواله وأفعاله، فعليه أن يلزم تعظيم أمره صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعمل الَّذي لا بد منه من العبادات المفروضات، والانتهاء كل الانتهاء عما نهى عنه من المعاصي، والخطيئات، والتخلق بأخلاقه الكريمة على قدر الإمكان، وإعمار أمر الدنيا والدين بسلوك طريقته المؤيدة عليه من الله أكمل الصلاة وأشرف التسليم. انتهى.
وغير مجهولٍ أنَّ العِلمَ يُشَرِّف قدر صاحبه في الدنيا، وإذا عمل به العلم فلا شبهة في أن الله يكتبه من أهل العزة في الآخرة؛ لحرمة اتباعه لنبيه صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ.... الآية} [التحريم: ٨].
الخير كله في اتباع السلف الصالح، وأعلى مراتب السعادة هي بالاقتداء الكامل والعمل بشريعة سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، فهو صاحب الرسالة الجامعة، وخاتم الأنبياء، فرسالته جاءت للدلالة على الله وإرشاد الخلق إلى مكارم الأخلاق، وقد ترتب الجزاء والعقاب في الشريعة على الأعمال؛ لذا وجب التمسك بحبله الشريف والابتعاد عن صحبة الجاهلين.
العلم منزلته رفيعة في الدنيا والآخرة، وهناك نصوص شرعية تحث على طلبه وتوضح فضله.
مع حكم الإمام الرفاعي نأخذ العبرة من حقيقة الدنيا، مُبينةً أن حبها علامة على الحجب.
التعلق بزينة الدنيا الفانية هو علامة الحجب والجهل بمقام العبودية الحقيقي.