ثم
قال الإمام الرفاعي رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنهُ:
(مَنْ تَطَاوَلَ عَلَى الخَلْقِ، قَصُرَ عِنْدَ الخَالِقِ؛ مَنْ
تَعَالَى عَلَى العِبَادِ، سَقَطَ مِنْ عَيْنِ الْمَعْبُودِ).
لا
يخفى أنَّ الحكمة الأولى مأخوذة مِنْ سرّ قوله صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: «الظُّلْمُ ثَلاثَةٌ فَظُلْمٌ لَا يَغْفِرُهُ
اللَّهُ وظلم يغفره الله وَظُلْمٌ لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ فَأَمَّا الظُّلْمُ
الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَالشِّرْكُ، وَقال اللَّهُ: {إِنَّ
ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: ١٣]؛ وَأَمَّا الظُّلْمُ
الَّذِي يَغْفِرُهُ اللَّهُ فَظُلْمُ الْعِبَادِ لأَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ
وَبَيْنَ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الظُّلْمُ الَّذِي لا يَتْرُكُهُ اللَّهُ فَظُلْمُ
الْعِبَادِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا حَتَّى يَدِينَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ»
[الطيالسي: ٢٢٢٣، والبزار: ٦٤٩٣ واللفظ له] .
ولا
يخفى أنَّ التطاول هو الامتداد والارتفاع، ولا يتم امتداد يده إلى الناس، وارتفاعه
عليهم إلا بالقوة القاهرة، وهذا هو الظلم بعينه، وفيه الكبر أيضًا على الخلق.
والرسول
المعظم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: «مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا فِي
رَأْسِهِ
حَكَمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ارْفَعْ
حَكَمَتَهُ، وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حَكَمَتَهُ» [الطبراني:
١٢٩٣٩عن ابن عباس رضي الله عنهما، والبيهقي في الشعب: ٧٧٩٣ عن أبي هريرة رض الله
عنه].
والحَكَمة
هنا بفتح الحاء والكاف: شأن المرء وأمره، كما في القاموس.
والتعالي
على العباد مخالفة أمر الله تعالى في شأنهم، ورعاية حقوقهم، وهذا - والعياذ بالله
- من موجبات الطرد من باب الله.
ألا
ترى إبليس لما تعالى وتكبر، وامتنع مِنَ السُّجود لآدم الله كيف قال الله تعالى له
مُوَبِّخًا: {قَالَ
يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ
أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ} [ص: ٧٥]؛ أي: من المخالفين لأمري، كما
ذكر ذلك ابن عباس.
والعلو:
العتو، والتكبر بالمال، كما قاله ابن عباس - رضي اللهُ تَعَالَى عنهما – في تفسير
قوله تعالى: {تِلۡكَ
ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ}؛ أي: الجنة {نَجۡعَلُهَا}؛ أي: نعطيها {لِلَّذِينَ
لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا} عُتُوًّا وتكبرًا {فِي الْأَرْضِ وَلَا
فَسَادًا وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ} [القصص: ۸۳].
وقد
علمت أن تعالي إبليس أسقطه من نظر رحمة الله، وأحله دار البوار، والغضب المؤبد،
وكذلك من ينهج منهج إبليس يحصل له من الجزاء والمقت الإلهي ما يناسب حال اقتدائه
بإبليس.
وقد
صرح الحجة الإمام الفخر الرازي في تفسيره على هذه الآية بما يؤيد هذا المعنى،
فقال: "أما قوله: {تِلۡكَ
ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ} فتعظيم لها، وتفخيم لشأنها؛ يعني: تلك
التي سمعت بذكرها، وبلغك وصفها، ولم يُعلّق الوعد بترك العلو والفساد، ولكن بترك
إرادتهما، وميل القلب إليهما.
وعن
علي -عليه السلام: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْجِبُهُ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ أَنْ
يَكُونَ أَجْوَدَ مِنْ شِرَاكِ صَاحِبِهِ، فَيَدْخُلُ تَحْتَها" [تفسير
الطبري: ١٩/ ٦٣٨].
وذكر صاحب الكشاف أن من العلماء من يجعل العُلو: لفرعون؛ لقوله: {إِنَّ
فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ} [القصص: ٤]، والفساد: لقارون؛ لقوله: {وَلَا
تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ} [القصص: ٧٧]، ويقول: مَنْ لم يكن مثل
فرعون وقارون فله: {تِلۡكَ
ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ}، ولا يتدبر قوله: {وَٱلۡعَٰقِبَةُ
لِلۡمُتَّقِينَ} كما تدبره علي بن أبي طالب والفضيل وعمر.
انتهى.
وقول
المؤلف: سقط من عين المعبود، أوضح معناه الفخر أيضًا في تفسيره قول الله تعالى: {وَلِتُصۡنَعَ
عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} [طه:٣٩] بما نصه: "قوله: {وَلِتُصۡنَعَ
عَلَىٰ عَيۡنِيٓ}، قال القفال: لِتُرى على عيني، أي على
وفق إرادتي، ومجاز هذا أن من صنع لإنسان شيئًا وهو حاضر ينظر إليه ، صَنَعَهُ لَه
كَمَا يُحِبُّ، ولا يمكنه أن يفعل ما يخالف غرضه، فكذا ها هنا.
وفي
كيفية المجاز قولان:
الأول:
المراد من العين العلم؛ أي: تُرى على علم مني، ولما كان العالم بالشَّيء يحرسه
مِنَ الآفات، كما أنَّ الناظر إليه يحرسه عن الآفات، أطلق لفظ العين على العلم
لاشتباههما من هذا الوجه.
الثاني:
المراد من العين الحراسة؛ وذلك لأنَّ الناظر إلى الشيء يحرسه عما يؤذيه، فالعين
كأنها سبب الحراسة، فأطلق اسم السبب على المُسبَّبِ مَجازًا، وهو كقوله تعالى: {إِنَّنِي
مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ} [طه:٤٦].
ويقال:
عين الله عليك إذا دعا لك بالحفظ والحياطة.
قال
القاضي: "ظاهر القرآن يدل على أنَّ المراد من قوله: {وَلِتُصۡنَعَ
عَلَىٰ عَيۡنِيٓ} الحفظ والحياطة؛ كقوله تعالى: {إِذۡ
تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ
فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ} [طه: ٤٠] فصار ذلك كالتفسير لحياطة
الله تعالى له". انتهى.