وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يُنتسب شعب الصنغي إلى قبيلة زنجية عرفت باسم هذا الشعب، وكان لهذه القبيلة دور بارز واضح المعالم في تاريخ بلاد السودان الغربي، التي يطلق عليها الآن غرب أفريقيا.
وقد قامت إمارة صنغي الأولى في إقليم دندي الذي يقع على نهر النيجر، ويعد هذا الإقليم موطن هذا الشعب، وقد استقبلت مواطن الصنغي هجرات بربريه صنهاجية، إذ هاجر إليها بربر لمطة والطوارق الذين انصهروا مع السكان الأصليين [فاي منصور علي: أسكيا الحاج محمد وإحياء دولة السنغاي الإسلامية ٨٨٩ - ٩٣٥هـ، منشورات كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس، ص ١٣، ١٤].
ويذكر السعيدي هجرة يمنية قدمت إلى هذه المنطقة وأسست أسرة الأزواء الحاكمة، وكان أول حكامها "زا الأيمن" [السعيدي: ملوك السودان أهل صنغي وقصصهم وأخبارهم وسيرهم وغزواتهم، وذكر تنبكت ونشأتها زمن ملكنا من الملوك، طبعة هوداس، مطبعة بردين، مدينة انجى، ١٨٩٨، ص ٣، ٤]، والنسبة إلى العرب أمر مألوف ومشهور عند عدد كثير من الممالك السودانية فقد ادعاها ملك غانة، كما ادعاها ملوك برنو الذين أقاموا مملكتهم قرب بحيرة تشاد[إبراهيم طرخان: إمبراطورية غانة الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، القاهرة، ١٩٧٠، ص٤٩] ، وملوك إمارات الهوسا في شمال نيجيريا الحالية [حسين مراد: دولة كانو الإسلامية تطورها السياسي والحضاري، نشرة دورية محكمة يصدرها معهد البحوث والدراسات الأفريقية، العدد ٤٧ القاهرة ٩٩٧ ١م].
لقد استقبلت منطقة الصنغي هجرات بربرية بالإضافة إلى هجرات من قبائل زنجية من الماندنجو والفولاني.
ويرى البعض أن أول مملكة منظمة ظهرت في منطقة الصنغي ترجع إلى القرن السابع الميلادي، وقد اتخذت من مدينة كوكيا koukya الواقعة على نهر النيجر على بعد مائة كيلو متر إلى الجنوب من مدينة جاو gao [جون هونويك: الإسلام في أفريقيا الاستوائية، ترجمة عبد الرحمن الشيخ، المركز القومي للترجمة، القاهرة، ٢٠١٠، ص٣٧٠]عاصمة لها وقد حكم هذه المملكة من أسرة "زا الأيمن" واحد وثلاثون ملكًا منهم أربعة عشر ماتوا على الوثنية، والباقون كانوا على الإسلام، وأول من أسلم منهم زاكسُي zakossoi وذلك في سنة ٤٠٠هـ /١٠٠٩م.
ويطلق عليه في لغة صنغي مسلم دام، وهذا معناه في لغتهم: أسلم طوعًا بلا إكراه [السعيدي: مصدر سابق ص ٣].
يرجع انتشار الإسلام في صنغي إلى العديد من العوامل:
منها الصِلات التجارية التي ربطت بين بلاد المغرب وبلاد السودان الغربي، تلك الصلات التي ترجع إلى ما قبل الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، يؤكدها العديد من النقوش الصخرية، وتبين هذه النقوش طريقًا يبدأ من وادي درعة بالمغرب الأقصى وينتهي عند الدلتا الداخلية لنهر النيجر [حسين مراد: الصلات بين بلاد المغرب والسودان الغربي خلال القرن ٢ - ٦هـ، مؤتمر الإسلام في أفريقيا، جامعة أفريقيا العالمية، نوفمبر ٢٠٠٦، ص ٣٧٤، ٣٧٥].
وبانتهاء الفتح الإسلامي لبلاد المغرب بدأت القوافل التجارية المغربية تتجه إلى السودان الغربي في أواخر القرن الأول وبدايات القرن الثاني للهجرة / السابع والثامن للميلاد، وواجه التجار صعوبات منها قلة الماء، وهذا ما دفع والي المغرب عبد الرحمن بن حبيب (١٣٠ - ١٣٨هـ) إلى القيام بحفر ثلاثة آبار على طريق القوافل الذي يربط بين مدينة تامدلت جنوب المغرب الأقصى ومدينة أودغست الواقعة الآن جنوب شرق موريتانيا [البكري: المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة، د.ت، ص ١٥٦- ١٥٧].
وقد شارك تجار الإباضية الذين استقروا على أطراف الصحراء في واحات فزان، وجبل نفوسة، وورجلان منذ القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي، في التجارة عبر الصحراء، واتسع نشاطهم عبر الصحراء بقيام الدولة الرستمية في تاهرت عام ١٦٠ هـ/٧٧٦م.
وقد أشرفت هذه الدولة على التجارة الصحراوية واهتمت بها، وحفرت الآبار للقوافل، وأرسلت الجنود صحبة التجار؛ لتأمينهم [محمد ناصر: دور الإباضية في نشر الإسلام بغرب أفريقيا، مكتبة الضامري، سلطنة عمان، د.ت، ص٨]، وكان أكثر المسافرين للتجارة من السودان الغربي في عهد الدولة الرستمية يتجهون إلى مدينة جاو [المرجع السابق]، وقد أسهمت جهود هؤلاء التجار الإباضية في نشر الإسلام في صنغي وتعريف الأهالي به.
كما ارتبطت الدولة الرستمية بعلاقات دبلوماسية مع إمارة صنغي خلال القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، فالمصادر الإباضية تذكر أن الحاكم الثاني للدولة الرستمية عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم (١٧١ - ٢٠٨هـ) قد منع ابنه أفلح من السفر إلى مدينة كوكو kaw kaw (جاو gao) عاصمة الصنغي [الوسياني: سير أبي الربيع الوسياني، مخطوطة بدار الكتب المصرية، رقم ٩١١٣ح، ميكروفيلم ٨٤٥٢، ص٤٩] وهذا يعني أن الصلات الدبلوماسية كانت متزامنة مع الصلات التجارية، وترجع إلى القرن الثاني الهجري، فطلب أفلح بالسفر يعني أن هناك وفودًا رسمية اتجهت إلى صنغي، وأراد أفلح ابن الحاكم أن يرأس أحد هذه الوفود.
وحين آل الأمر في الدولة الرستمية إلى أفلح بن عبد الوهاب (٢٠٨ -٢٥٨هـ) سعى إلى دعم العلاقة مع مملكة صنغي، فأرسل سفارة رسمية إلى تلك البلاد على رأسها محمد بن عرفة الذي تولى مناصب رفيعة في الدولة الرستمية، وقد سُر ملك الصنغي من هذ ا الوفد، وهيئته، وهديته [ابن الصغير: أخبار الأئمة الرستميين، تحقيق محمد ناصر، دار الغرب الإسلامي، بيروت ٩٨٦ ١، ص٧١].
لقد أثمرت هذه المعاملات التجارية والدبلوماسية بين المغاربة والصنغي، والتي ترجع إلى القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي في انتشار الإسلام في تلك البلاد، فظاهرة اقتران الإسلام بالتجارة ظاهرة معروفة في أفريقيا جنوب الصحراء.
فقد ذكر توماس أرنولد في كتابه الدعوة إلى الإسلام أن التجارة والإسلام متلازمان في القارة الأفريقية.
فقد اعتنق تجار مملكة صنغي الإسلام، بالإضافة إلى بعض سكانها قبل الحُكام، ورجال الحاشية؛ نتيجة اتصالهم بأقرانهم من بلاد المغرب، وكان التجار يرون في انتشار الإسلام جنبًا إلى جنب، مع نشاطهم التجاري تدعيمًا لهذا النشاط [١٩٥٩p. ٩٧, Devidson, B: Old Africo, rediscovered, London].
واستمر الانتشار التدريجي للإسلام بين رعايا صنغي.
وحين أصبح المسلمون يشكلون جماعة كبيرة داخل مجتمع صنغي، تحول الملك "زاكسُي" إلى الإسلام في بداية القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي كما ذكرنا من قبل.
وبإسلام هذا الملك أصبح الإسلام دينًا رسميًا في صنغي منذ عام ٤٠٠هـ/١٠٠٩م.
ثم تأتي شهادة البكري التي دونها في كتابه عام ٤٦٠هـ/٠٦٨ ١م؛ لتؤكد تعمق الإسلام بين الحكام والمحكومين، حتى أصبح مرجعًا أساسيًا لنظام الحكم، إذ يقول: "إن مَلِكَهم مُسلم ولا يُملكون غير المسلم" ويعني هذا أن كل أفراد الحكومة الصنغي، وحكام الأقاليم، والمدن كانوا من المسلمين.
وادعى هذا الحاكم ارتباطه بالخلافة العباسية، إذ ادعى أن خليفة بغداد أرسل إليه سيفًا، ودرعًا، ومصحفًا شارة لتوليه الحكم.
وتؤكد شواهد القُبور التي اكتشفت في منطقة ساناي saney والتي تقع على بُعد أربعة أميال من مدينة جاو، على قدم الإسلام في صنغي وانفعال سكانها المسلمين بمظاهر هذا الدين وشعائره.
وأقدم نقش عثر عليه في هذه المنطقة يعود إلى عام ٤٨١هـ/١٠٨٨م لسيدة مسلمة لا تنتمي إلى الأسرة الحاكمة، تُدعى مكية بنت حسن الحاج؛ فاسم صاحبة الشاهد يبين مدى الانفعال بالإسلام، وشعائره. [Fernando, Paolo: Histore contre Memoire Eplgraphic Chroniques, Publications de L(١٥)institut des etudes Africannes, Rabat, ١٩٩٣, ١٨P. ]
فهذا الاسم جاء تيمنًا بمدينة مكة التي تضم بيت الله الحرام قبلة المسلمين، ويتضح من اسم أبيها أنه ظفر بحج بيت الله الحرام بمكة المكرمة، والراجح أنه أنجب ابنته بعد أداء فريضة الحج وأطلق عليها هذا الاسم تبركًا بمكة، وعلى هذا يكون الأب قد أدى فريضة الحج في النصف الأول من القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي تقريبًا وهذا يؤكد ما ذهبنا إليه من قدم الإسلام في صنغي [حسين مراد: الصلات، ص٣٩٦]؛ باعتناق زاكسُي الإسلام أصبحت صنغي دولة إسلامية.
وقد قام هذا الحاكم بتأسيس أول عاصمة لمملكته في مدينة جاو، والتي اشتهرت بعدة إطلاقات في الاسم مثل جاو، وكوكو، وغاو وكاغ، وتقع هذه المدينة عند بداية الثنية الثانية لنهر النيجر، وهو يبعد عنها بأكثر من ستة كيلو مترات [الحميري: الروض المعطار في خبر الأقطار، مؤسسة ناصر الثقافية، بيروت ط٢، ١٩٨٠، ص ٥٠٢، ٥٠٣، محمود كعت: تاريخ الفتاش، باريس ١٩١٣، ص ٤٥].
ويحيط الغموض بتاريخ صنغي منذ اعتناق زاكسُي للإسلام أوائل القرن الخامس الهجري وحتى الربع الثالث من القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي، فقد خضعت صنغي في هذا القرن لدولة مالي الإسلامية.
مرت علاقة صنغي بدولة مالي بمراحل مختلفة تمثلت في الخضوع، ثم التمرد والخروج عن طاعة مالي، ثم العودة إلى الخضوع، وأخيرًا الاستقلال.
وقد خضعت صنغي لمالي في فترة حكم منسا علي (٦٧٠ -٦٨٥هـ / ١٢٥٥ - ١٢٧٩م) دولة مالي [عن ماري جاطة. إبراهيم طرخان: دولة مالي الإسلامية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ١٩٧٣، ص ٣٩ -٤٤]. وقد عُرف منسا علي بالتقوى والصلاح، وقد زار مصر في طريقه للحج عام ٦٥٨هـ/١٢٥٩م زمن الظاهر بيبرس (٦٥٨- ٦٧٨هـ/ ١٢٦٠ - ١٢٧٩م)، ومن أبرز حوادث هذا المنسا بسط نفوذ مالي على دولة صنغي الناشئة، غير أن العاصمة جاو قد امتنعت على مالي.
ولضمان خضوع صنغي لمالي أخذ منسا علي رهائن هما علي كولن وأخوه سلمان نار أبناء ملك صنغي زاياسبي [المرجع السابق ص ٦ -٧].
بعد وفاة منسا علي مرت دولة مالي بفترة من الاضطراب السياسي دامت زُهاء عقدين وانتهت باستيلاء ساكورة zakour على الحكم وهو من موالي الأسرة الحاكمة، ويعد من أعظم سلاطين مالي حيث تمكن في فترة حكمه (٦٨٤ - ٧٠٠هـ/ ١٢٨٥ -١٣٠٠ م) من استرجاع هيبة الدولة، فقام بإخضاع صنغي التي خرجت عن الطاعة في فترة الاضطرابات، واستولى على العاصمة جاو، وهي التي امتنعت على أسلافه [ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر، دار الكتاب اللبناني، بيروت، ١٩٥٦ - ١٩٦١، ج٦، ص٤١٤].
ثم خرجت صنغي مرة أخرى عن طاعة دولة مالي بعد أن خضعت من قبل مرتين في عهد منسا علي وساكورة، وهذا ما جعل منسا موسى (٧١٢ - ٧٣٨هـ/ ١٣١٢-١٣٣٧م) يقوم بإخضاعها من جديد، وكان ذلك عقب عودته من رحلة حجه عام ٧٢٥هـ/١٣٢٥م، ونجح في الاستيلاء على عاصمة صنغي مدينة جاو، واستعاد الرهائن، وأحكم الرقابة عليهما [المرجع السابق ص٦،٥].
تمكن الرهينة الصنغية علي كولن الذي كان يقيم في عاصمة دولة مالي في سنة ٧٣٦هـ/١٣٣٥م من الهرب، والتخلص من التبعية، واتخذ لقبًا جديدًا هو سُني، وقد استمر خلفاؤه في الحكم والتوسع على حساب ممتلكات مالي، التي دب فيها الضعف والانحلال.
وتوسع السُني سليمان دام على حساب ممتلكات مالي، بل دخل عاصمتها وقام بتخريبها.
وتعد أسرة سني هي الأسرة الثانية التي حكمت صنغي بعد أسرة زا الأيمن. [سينكي مودي سيسكو: الصنغي من القرن الثاني إلى القرن السادس الهجري، تاريخ أفريقيا العام، اليونسكو باريس ١٩٩٧، ج٤، ص٢٠٣]
حكم بعد سليمان دام، المؤسس الحقيقي لإمبراطورية صنغي وهو سني على (٨٦٩ - ٨٩٨هـ/١٤٦٤ -١٤٩٢م) وهو من أشهر ملوك صنغي، وهو الملك التاسع عشر في ترتيب ملوك أسرة سني.
سعى سني علي منذ أن تولى مقاليد السلطة إلى إرساء وبناء الدولة، وقام بإنشاء جيش قوي، ومُدرب، ومُجهز بالعدد والعُدة، بالإضافة إلى تجهيز أسطول بحري، وبهذا الجيش والأسطول انتصر في كافة المعارك التي خاضها [محمود كعت: مصدر سابق ص٥].
وتعد غزوات "سني علي" للأقاليم والمقاطعات التي كانت تحت سيادة مملكة مالي من أهم غزواته التوسعية، حيث استطاع ضم معظم ممتلكات مالي. [المصدر السابق، ص ٤٥].
وبهذه التوسعات أصبح سلطانه نافذًا على إمبراطورية كبيرة، محورها نهر النيجر. [سينيكي مودي سيسكو: مرجع سابق، ص ٢٠٤].
كان الإسلام خلال النصف الثاني من القرن التاسع الهجري/ الخامس عشر الميلادي، أي في فترة حكم سني علي، قد أصبح دينًا متغلغلًا في إمبراطورية صنغي، خاصة أن اعتناق أول حكام صنغي للإسلام قد مر عليه أربعة قرون ونصف القرن؛ لذلك حدث صدام قوي بين علماء مدينة تنبكت وسنى علي الذي كان مخلصًا للديانة التقليدية الوثنية لصنغي، ولذلك سعى إلى عمل توازن بين الإسلام والوثنية، فقد كان مسلمًا لكنه لم يحسن إسلامه، ولم يهجر يومًا التقاليد الوثنية لصنغي؛ لهذا الأمر وصفه السعيدي بالظالم الأكبر ويقول أيضًا : "إنه كان فاسقًا متعديًا متسلطًا، تسلط على العلماء والصالحين بالقتل والإهانة والإذلال" [السعيدي: مصدر سابق،ص٦٤]؛ لهذه التصرفات والسلوكيات اعتبره العلماء في عداد الوثنيين".[محمود كعت الفتاش، ص٤٤].
وفى ظروف غامضة توفى سني علي، وبوفاته قام الأمراء وقادة الجيش بتولية ابنه أبى بكر الملقب بسني بار على عرش المملكة عام ٨٩٨هـ/١٤٩٢م، ولم يرق هذا الاختيار أحد القادة البارزين وهو القائد محمد بن أبى بكر الذي كان يرغب في ولاية عرش صنغي؛ لذلك خرج هذا القائد على سني بار بعد شهور قليلة من ولايته لعرش صنغي، متذرعًا بضعف إسلام هذا الملك، ودعاه إلى تصحيح عقيدته [محمود كعت: مصدر سابق، ص ٥٥].
وأمام رفض سني بار لدعوة القائد محمد بن أبى بكر، اندلعت الحرب بينهم، وانهزم جيش حاكم صنغي في موقعة غرب مدينة جاو [محمود كمت: مصدر سابق، ص ٥٣، السعيدي مصدر سابق، ص ۷۱]، وبهذا الانتصار استولى محمد بن أبى بكر على الحكم في صنغي، وانتهت حقبة من تاريخ هذه المملكة، وبدأت حقبة جديدة للمملكة عرفت بحقبة الأساكي حيث حمل محمد بن أبى بكر هو وخلفاؤه لقب أسكيا وظلت أسرة الأساكي تحكم صنغي لمدة قرن (٨٩٨- ١٠٠٠هـ/ ١٤٩٢- ١٥٩١م) حتى مجيء الغزو السعدى الذي أنهى حكم هذه الأسرة، وقضى على مملكة صنغي نهائيًا.
أمضى أسكيا محمد الكبير السنوات الأولى من حكمه في توطيد سلطانه، فقام بتنظيم المملكة، واهتم بالنظام الإداري، وأنشأ مقاطعات ومدنًا جديدة وعين عليها حكامًا، وأنشأ جيشًا وأسطولًا دائمين، واهتم بالقضاء ونصب قضاة في المدن الكبرى، والمراكز، واهتم برعاية العلم والعلماء، وشجع على ازدهار اقتصاد مملكته باهتمامه بالتجارة، ونظم الأسواق، وخفض الضرائب. [محمود كعت مصدر سابق، ص ٥۹].
وبعد أن نظم شئون المملكة، ودعم استقرارها خرج لأداء فريضة الحج عام ٩٠٢هـ/١٤٩٦م، واصطحب معه مجموعة من أعيان كل قبيلة، بالإضافة إلى كبار العلماء والقضاة في دولته، والتقى في أثناء حجه بعلماء مصر خاصة العالم جلال الدين السيوطي الذي نصحه بما يجب أن يكون عليه الحكم.
وفى مكة المكرمة اشترى بساتين أوقفها على الحجاج القادمين من بلاده. [السعيدي: مصدر سابق، ص٧٢- ۷۳].
وبهذه الفريضة عاد إلى مملكته بالسودان الغربي مزودًا بالشرعية الإسلامية، خاصة بعد أن حصل من شريف مكة على لقب خليفة السودان. [المصدر السابق، ص۷۳].
خلفاء أسكيا محمد الكبير (٩٣٥ - ١٠٠٠هـ/١٥٢٩ - ١٥٩١م)
اعتلى عرش صنغي تسعة أساكي من أبناء وأحفاد أسكيا محمد باستثناء الأسكيا محمد مر بنكن ابن أخيه.
وقد آل الحكم في صنغي إلى الأسكيا موسى (٩٣٥ - ٩٣٧هـ/ ١٥٢٩- ١٥٣١م) بعد أن عزل أباه أسكيا الحاج محمد، وشهدت فترة حكمه فتنًا واضطرابات من المعارضين له، ولم تشهد فترة حكمه أية إنجازات على صعيد المملكة، وانتهى حكمه على أيدي إخوته الذين تخلصوا منه بالقتل. [المصدر السابق، ص ٨٦، إبراهيم طرخان: إمبراطورية الصنغي، مجلة كلية الآداب جامعة الرياض، مجلد ٨، الرياض ۱۹۸۱، ص ٣٣، ٣٤]
وتولى عرش المملكة عقب مقتل أسكيا موسى ابن عمه الأسكيا محمد مر بنكن بن عمر كمزاع (٩٣٧ - ٩٤٣هـ/١٥٣١ - ١٥٣٧م).
وقد شهدت صنغي في عهده تطورًا ونهضة في عدة مجالات وخاصة الجيش، فقد كون جيشًا كبيرًا في العدد والعدة [السعيدي: مصدر سابق، ص ٨٦، إبراهيم طرخان: إمبراطورية الصنغي، ص ٣٣، ٣٤]
وانتهى حكم هذا الأسكيا بالعزل، عزله أسكيا إسماعيل بن الحاج محمد الكبير (٩٤٣ - ٩٤٦هـ/١٥٣٧ -١٥٣٩م) ولا توجد أية أحداث تذكر في فترة حكمه التي دامت أقل من ثلاث سنوات. [السعيدي: مصدر سابق، ص ۹۱] وتولى حكم صنغي بعد ذلك أسكيا إسحاق (٩٤٦ - ٩٥٦هـ/١٥٣٩ - ١٥٤٩م) أخو الأسكيا السابق والذي عُد أكثر الأساكي قوةً وشجاعةً، وقد واجه مطامع الدولة السعدية في المغرب بحزم وقوة. [المصدر السابق، ص ١٠٠]
وخلفه في الحكم أخوه الأسكيا داود (٩٥٦ - ٩٩٠هـ/١٥٤٩ – ١٥٨٢م) الذي يعد أكثر الأساكي ثقافةً وعلمًا، فقد كان يتحدث العربية كما كان عارفًا وحافظًا لكثير من سور القرآن الكريم، وتذكر المصادر الكثير عن كرمه وصلاحه. [السعيدي: مصدر سابق، ص ۱۱۵، الأرواني: السعادة الأبدية بالتعريف بعلماء تنبكت البهية، تحقيق الهادي دالي، جمعية الدعوة الإسلامية، طرابلس ۲۰۰۱، ص ٦٦].
برحيل الأسكيا داود تولى ابنه الأسكيا محمد الثالث الحكم (٩٩٠ - ٩٩٥هـ/١٥٨٢ - ٨٦ه١م)، وبداية من فترة حكم هذا الأسكيا بدأت صنغي تعاني من الضعف والانحلال، وعدم الاستقرار، ولم تكن لهذا الأسكيا أية أعمال؛ لذلك عزل، وآلت مقاليد الحكم إلى أخيه الأسكيا محمد بان الذي وافته المنية عام ٩٩٦هـ/١٥٨٨م.
ثم تولى الحكم أخوه إسحاق الثاني (٩٩٦ - ٩٩٩هـ/١٥٨٨- ١٥٩١م) وشهدت فترة حكمه صراعًا على الحكم مع أخيه بلمع محمد الصادق، وقد كلف هذا الصراع مملكة صنغي الكثير من الرجال، والعتاد [السعيدي: مصدر سابق، ص ۱۲۳، ۱۲٥].
وفي ظل هذه الأوضاع الداخلية السيئة واجهت صنغي الغزو السعدى عام ٩٩٩هـ/١٥٩١م بقيادة القائد جودر الذي هزم جيش الأسكيا، وبعد الهزيمة عزل الأسكيا إسحاق الثاني، وتولى مقاليد الحكم الأسكيا محمد كاع الذي اعتقل من قبل الجيش السعدى في عام ١٠٠٠هـ/١٥٩١م [السعيدي: مصدر سابق، ص ١٥٢، أبيتول: نهاية إمبراطورية ال صنغي، تاريخ أفريقيا العام، البنسكو ١٩٩٧، ج ٤، ص ٣٤٥، ٣٤٦].
وبهذا انتهت مملكة صنغي الإسلامية.
مصادر ومراجع للاستزادة:
نشأت إمارة صنغي في غرب أفريقيا على يد قبيلة زنجية، واعتنقت الإسلام بفضل التجارة والعلاقات مع المغاربة، وبعد فترة من الخضوع لدولة مالي، استعادت استقلالها وأسس "سني علي" إمبراطورية قوية. بلغت أوجها في عهد أسرة "الأساكي" قبل أن تسقط نهائيًا عام ١٥٩١م على يد الغزو السعدي.