وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن المتأمل في بنية هذا المصطلح يجد أنه يتألف من شطرين:
المخالفة: تدور حول (المضادة والخلاف) [راجع: الزبيدي، تاج العروس، ج٢٣، ص٢٧٤]، وعدم الموافقة في شيء، كما تشير إلى أن يجيء الشيء خلف الشيء لا على مثاله [انظر: ابن فارس، مقاييس اللغة، ج٢، ص٢١٠].
وأما الحوادث: فهي جمع حادثة، ونقيضها القِدَم، [الزبيدي، تاج العروس، ج٥، ص٢٠٥]، وهي تطلق على كل ما وُجد بعد عدم، فالحوادث هي الأكوان والمخلوقات التي أوجدها الله من العدم.
المخالفة للحوادث اصطلاحًا: تعني سلب الجرمية (الجسمية)، والعرضية، والكلية والجزئية ولوازمها عن ذات الله سبحانه، فالله تعالى منزه عن (التحيز)الذي هو لازم الجرمية وأخذ حيز من الفراغ، ومنزه عن (القيام بالغير) الذي هو لازم العرضية، وعن (الكِبَر والصِغَر الحسي) اللذين هما لوازم الكلية والجزئية [أنظر: البيجوري، تحفة المريد على جوهرة التوحيد، دار السلام للطباعة والنشر، ط١،١٤٢٢-٢٠٠٢، ص١١٠].
وعليه فإن إثبات صفة المخالفة للحوادث يستلزم عقلًا ونقلًا نفي جملة من الأوصاف التي لا تليق إلا بالمخلوقات المحدثة، ويمكن إجمال هذه المقتضيات في النقاط الآتية:
١- نفي العَرَضية والجوهرية: قرر العلماء أن الله تعالى ليس بـعَرَض؛ لأن العَرَض في ماهيته يحتاج إلى جسم يقوم به، والله سبحانه هو خالق الأجسام وموجدها، فكيف يفتقر إليها؟ [انظر: الدردير، شرح الخريدة البهية، ص ٤٥]، كما أنه سبحانه ليس بـجوهر (بالمعنى الكلامي أي: الجزء الذي لا يتجزأ)؛ لأن القول بالجوهرية يوهم التحيز في المكان، ويستلزم ملازمة الأعراض الحادثة كالحركة والسكون، والقديم منزه عن الحوادث [راجع: البجوري، تحفة المريد، ص ١١٠].
٢- نفي الجسمية والتركيب: أنكر الإمام أحمد إطلاق اسم الجسم على الله؛ لأن الأسماء توقيفية، ولأن الجسم لغةً يقتضي الطول والعرض والتركيب، والله منزه عن ذلك [أنظر: ابن أبي يعلى، طبقات الحنابلة، ج٢، ص٢١٢]، فالله تعالى ليس بجسم - خلافًا للمجسمة -؛ لأن الجسم مؤلف من أجزاء وأعراض، والمركب يفتقر لأجزائه، والمحتاج لا يكون إلهًا واجب الوجود، بل الواجب هو الغني عن كل ما سواه [أنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، ج٢٩، ص٣٥٧].
٣- نفي الصورة والأعراض الحسية: يستلزم تنزيه الذات نفي الصورة واللون والرائحة، وكذا عوارض النفس البشرية كاللذة والألم؛ إذ إن هذه الخصائص من لوازم الأجسام المتحيزة والمادة، والذات العلية منزهة عن المادة ولواحقها [أنظر: الدردير، حاشية شرح الخريدة، ص ٤١].
٤- نفي المقدار (الصغر والكبر الحسي): يُسلب عن الله تعالى وصف الصغر والكبر بمفهومهما الحسي المساحي؛ لأن المقادير من خصائص الأجسام، [راجع: البيجوري، هامش تحفة المريد، ص ١١١].
أما ما ورد من وصفه بالكبير كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلۡعَلِیُّ ٱلۡكَبِیرُ﴾ [سبأ: ٢٣]، فالمراد به الكبر المعنوي، أي: العظمة والجلال والجبروت، لا كبر الحجم والمقدار.
٥- نفي التحيز بالمكان والزمان: الحق سبحانه ليس متمكنًا بمكان، ولا يجري عليه زمان؛ لأن المكان والزمان مخلوقان محدثان، وخالق الشيء لا يتقيد به ولا يحل فيه، فالله كان ولا مكان، وهو الآن على ما عليه كان [انظر: أبو يعلى، طبقات الحنابلة، ٢/١٩].
٦- نفي الجهة والحركة: الله تعالى ليس مختصًّا بجهة؛ لأن الجهات الست (فوق، تحت، يمين، شمال، أمام، خلف) أمور اعتبارية حادثة خلقت بخلق الأجسام، والله موجود في الأزل قبلها [أنظر: التحرير والتنوير، جـ٢٥، ص وما بعدها٤٧].
وبناءً عليه، لا تصح في حقه الحركة أو الانتقال؛ لأنها تستلزم الفراغ والجهة، وهو منزه عن ذلك كله.
٧- نفي الاتصال والانفصال والحلول: يجب نفي (الاتصال والانفصال)، وكذا نفي (الاتحاد والحلول) في شيء من خلقه؛ لأن هذه المعاني تقتضي المماسة والمجاورة، وهي من صفات الأجسام المتماثلة، والله تعالى مخالف لجميع خلقه في ذاته وصفاته [أنظر: السنوسي، أم البراهين، ص ٢٨ومابعدها].
وكما قرر الأئمة، فإن الله سبحانه لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، ولا يحله زمان ولا يحويه مكان؛ لأنه خالق الزمان والمكان، وهو الآن على ما عليه كان قبل خلقهما.
يقول الإمام أبو حنيفة موضحًا هذا الأصل: " لا يشبه شيئًا من الأشياء من خلقه، ولا يشبهه شيء من خلقه"؛ لأنه كما يقال أنى يشبه الخالقُ مخلوقَه" [أنظر: أبو حنيفة: الفقه الأكبر ص١٤].
ويؤكد الخطابي: أن الصورة والهيئة منفية عن الله ؛ لأنها تقتضي الكيفية، والكيفية عن الله منفيّة [البيهقي، الأسماء والصفات، ص٢/٣٧٦]، ومن هنا ندرك أن الكيف إذا أطلق في حق الله فالمراد به الحقيقة لا الهيئة الحسية، كما قيل: "فكيف كيفيةُ الجبار في القِدَمِ"[أنظر: الزركشي، البحر المحيط، ج٢، ص١٩٧].
العمدة في هذا الباب هو قوله تعالى: ﴿لَیۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَیۡءࣱۖ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡبَصِیرُ﴾ [الشورى: ١١].
وجه الاستدلال في هذه الآية: أنها جمعت بين نفي المماثلة (رد على المشبهة)، وإثبات الصفات (رد على المعطلة) [أنظر: تفسير السعدي، ص٧٥٤].
قال القرطبي: "فالتوحيد هو إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات، فليس كذاته ذات ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة اللفظ" [أنظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج١٦، ص٨-١٠].
واحتج الرازي بهذه الآية على نفي كونه تعالى جسمًا مركبًا من أعضاء؛ لأنه لو كان جسمًا لكان مثلًا لسائر الأجسام، والآية تنفي المثلية مطلقًا [أنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، ج٢٧، ص٥٨٢].
يستند العقل في إثبات المخالفة إلى مسلكين:
١- برهان التماثل: لو لم يكن الله مخالفًا للحوادث لكان مماثلًا لها، ولو كان مماثلًا لها لكان حادثًا مثلها، ولو كان حادثًا لاحتاج إلى محدث، وهذا يؤدي إلى الدور أو التسلسل، وكلاهما باطل، فثبتت مخالفته للحوادث ضرورة.
٢- قاعدة حكم الأمثال: "حكم الأمثال فيما يجوز ويجب ويستحيل واحد"، فلو ماثل الله الحوادث لوجب له ما وجب لها من الحدوث والافتقار، وهذا يجمع بين متنافيين (القِدَم والحدوث)، وهو محال عقلًا.
٣- الغنى المطلق: لو كان الله جسمًا أو عرضًا لكان مفتقرًا إلى المكان أو المحل، والمحتاج لا يكون إلهًا واجب الوجود [أنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، ج٢١، ص٥٣٢].
٤- حقيقة الكلام: كلام الله ليس بصوت ولا حرف، بل هو معنى نفسي قديم قائم بذاته، وما الحروف إلا دالات محدثة عليه [ابن عساكر، تبيين كذب المفتري، ص٣٠٢].
تصدى علماء أهل السنة لظواهر النصوص التي توهم التشبيه عبر منهجين متكاملين:
١- منهج السلف (التفويض): الإيمان باللفظ كما جاء مع نفي الظاهر الحسي، وتفويض علم الحقيقة إلى الله، كما في قول الإمام مالك: "الاستواء معلوم والكيف غير معقول" [أنظر: ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج٨، ص١٦٣].
٢- منهج الخلف (التأويل): أي صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى يليق بالجلال الإلهي؛ فالاستواء: هو الاستيلاء والملك، والفوقية: هي فوقية القهر والعظمة لا المكان، واليد: هي القدرة والنعمة، والنزول: هو نزول أمره ورحمته [أنظر: الرازي، مفاتيح الغيب، ج٢٧، ص٥٨٤].
إن صفة المخالفة للحوادث هي صمام الأمان الذي يحمي جناب التوحيد من السقوط في وثنية التشبيه، مكرسةً التفرد المطلق للخالق سبحانه وتعالى عما يصفون، وبذلك يظل المسلم عابدًا لربٍ ليس كمثله شيء، منزهًا عن لوازم الفناء والاحتياج، محققًا بذلك أسمى معاني العبودية والإجلال.
علم أصول الدين يعبر عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها قاعدة الإيمان في الدين الإسلامي
علم التوحيد هو الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العقيدة الإسلامية، ويعد من أشرف العلوم وأعلاها مقامًا
العقيدةُ هي ما يعقد عليه القلب والضمير، ويجب أن يكون الاعتقادُ الصحيح قائمًا على الجزم واليقين