تجاوزت مسألة الإخوة الثلاثة حدود الإلزام والمناظرة الشفهية، لتترك
وراءها ثلاثة تحولات منهجية حاسمة غيّرت وجه الفكر الإسلامي وعلم الكلام:
أولًا: إسقاط حاكمية العقل المطلقة للمعتزلة
تركت هذه المسألة برهانًا عقليًا أفحم المعتزلة في عقر دارهم
(العقل)؛ حيث أثبتت أن قواعدهم العقلية متناقضة:
فالجبائي عندما قرر أن الله أمات
الطفل صغيرًا لأن ذلك هو الأصلح له حتى لا يكبر ويعصي فيدخل النار، لزمه
عقلًا وجوب إماتة الأخ الثاني (العاصي) في صغره أيضًا، ليكون ذلك أصلح له فلا يدخل
النار، فلما عجز الجبائي عن التوفيق بين الحالتين، تركت المسألة حقيقة
علمية؛ وهي أن العقل البشري قاصر عن الإحاطة بحكمة الله المطلقة، وأن قياس أفعال
الخالق (الغائب) على أفعال المخلوق (الشاهد) قياس فاسد طالما تهافت عند أول اختبار
عقلي.
ثانيًا: تأسيس المذهب الأشعري والتحول التاريخي لعلم الكلام
تركت هذه المسألة نقطة تحول تاريخية
كبرى في خارطة المذاهب الإسلامية، حيث كانت هذه المناظرة هي السبب المباشر والعلة
الحقيقية وراء اعتزال الأشعري لشيخه الجبائي، وخروجه من عباءة الفكر
الاعتزالي بعد أن ظل فيه أربعين سنة.
وبعد أن بهت الجبائي، انصرف الأشعري
وأتباعه إلى هدم مقولات المعتزلة بأدواتهم المنهجية ذاتها (الاستدلال العقلي)،
ممتطين صهوة النقل والعقل معًا لإثبات ما وردت به السنة ومضى عليه السلف، فكانت
هذه المسألة بمثابة شهادة الميلاد للمذهب الأشعري.
ثالثًا: تحرير صفة الاختيار الإلهي المطلق
على الصعيد العقدي المحض، تركت هذه
المسألة تأصيلًا حاسمًا لنفي الوجوب على الله عند أهل السنة من (الأشاعرة
والماتريدية)؛ حيث أثبتت المسألة أن الله تعالى فعال لما يريد لا يجب عليه شيء عقلًا؛
فلو كان الصلاح والأصلح واجبًا عليه سبحانه، لكان مقهورًا تحت سلطان هذا الوجوب
(وهو مذهب الفلاسفة المانع للاختيار).
كما تركت المسألة إثبات أن أفعال
الحق سبحانه جارية على وفق المشيئة المطلقة والحكمة البالغة التي قد تظهر للعباد
وقد تخفى عليهم، فالعدل الإلهي ليس محكومًا بتقديرات العقول الناقصة، وإنما بكونه
سبحانه المالك المطلق للكون والتصرف
[راجع: أحمد الدردير، الشرح الكبير على الخريدة البهية في العقائد التوحيدية طبعة
بصيلة، القاهرة، ص ١٠٠-١٠١].