Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الصلاح والأصلح بين المعتزلة وأهل السنة

الكاتب

هيئة التحرير

الصلاح والأصلح بين المعتزلة وأهل السنة

تُمثّل أطروحة الصلاح والأصلح مدارًا حرجًا في الفكر الكلامي بين إيجاب المعتزلة لرعاية مصالح العباد، ونفي أهل السُّنّة للوجوب؛ فهل توصف أفعال الحق سبحانه بالوجوب والتعليل العقلي إلزامًا، أم إنها جارية على طلاقة المشيئة والفضل المحض تنزيهًا؟ إن تحرير هذا النزاع يمس جوهر صفات الألوهية ومفهوم العدل في إدارة الوجود

تحرير محل النزاع في مسألة الصلاح والأصلح

إن فكرة الصلاح والأصلح تُعد من الأصول المنهجية الحاكمة التي ابتنت عليها المعتزلة فلسفتها في العدل الإلهي؛ حيث ذهبوا إلى أن حكمته تعالى تقتضي تعليل أفعاله بالوجوب، مما يلزم عنه عقلًا رعاية مصالح العباد، وقد تباينت عباراتهم في تحرير هذا الوجوب على مسلكين:

  •   وجوب الصلاح: والمراد به ما قابل الفساد (كالإيمان في مقابلة الكفر)، فإذا كان هناك أمران أحدهما صلاح والآخر فساد، أوجبوا على الله فعل الصلاح دون الفساد.
  •   وجوب الأصلح: وهو ما قابل الصلاح (ككون المؤمن في أعلى الجنان في مقابلة كونه في أسفلها)، فإذا كان هناك أمران أحدهما صلاح والآخر أصلح منه، أوجبوا عليه سبحانه فعل الأصلح [البيجوري، حاشية الإمام البيجوري على جوهرة التوحيد، ط٤ دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع، ص ١٨٢].

الخلاف الداخلي بين المعتزلة

لم تكن المعتزلة على قلب رجل واحد في تصوّر هذا الوجوب وحدوده، بل انقسموا إلى مدرستين رئيسيتين:

  •    معتزلة بغداد

أوجبوا مراعاة الصلاح والأصلح للعباد في أمور الدين والدنيا معًا، وفسروا الأصلح بـ (الأوفق في الحكمة والتدبير).

  •    معتزلة البصرة

قصروا الوجوب على أمور الدين فقط دون الدنيا، وفسروا الأصلح بـ (الأنفع للعبد) [اللقاني: هداية المريد لجوهرة التوحيد، دار البصائر، القاهرة، ٢٠٠٩م، ص ١٧٠].

وقد حكى الإمام الشهرستاني عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم قولهما: "ليس الأصلح هو الألذ، بل هو الأعود في العاقبة، والأصوب في العاجلة، وإن كان ذلك مؤلمًا مكروهًا كالحجامة وفصد العروق"[الشهرستاني، نهاية الإقدام في علم الكلام، ص ١٣٨].

أدلة أهل السنة الأشاعرة والماتريدية في إبطال الصلاح والأصلح

يتفق أهل السنة من الأشاعرة والماتريدية على ركيزة عقدية أساسية، وهي: أنه لا يجب على الله تعالى شيء عقلًا، وأن رعاية الصلاح والأصلح ليست واجبة عليه، بل هو سبحانه فعال لما يريد، يحكم ما يشاء بلا قاهر ولا ملزم، وقد ساقوا لإبطال الوجوب أدلة عقلية ونقلية متظافرة:

  •       الأدلة النقلية

تميز الإمام أبو منصور الماتريدي بمزاوجة فريدة بين العقل والنقل لتهديم أصل المعتزلة؛ مستدلًا بآيات التخصيص والمشيئة:

قوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ یَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن یَشَاۤءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِیمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، فلو كان للكل أصلح واجب في الدين، لبطل معنى الاختصاص والفضل الإلهي.

أن الإفضال الحقيقي هو بذل العطاء تبرعًا ومنةً دون وجوب سابق؛ فلو كان فعل الصلاح والأصلح واجبًا على الله تعالى عقلًا لكان ذلك عديدًا في باب العدل والقضاء لا في باب الفضل والامتنان، وهو ما يبطل مقولة المعتزلة ويثبت صفة الفضل المطلق لله سبحانه في اختصاص من يشاء برحمته [راجع: الماتريدي، تأويلات أهل السنة، دار الكتب العلمية - ٢٠٠٥م، ١ / ٥٣٠].

قوله تعالى: ﴿وَإِذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ سُوۤءࣰا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ﴾ [الرعد: ١١]، مما يدل على أن الله قد يريد السوء ببعض العباد عقوبة لهم، وهو ليس صلاحًا لهم في دينهم، فبطل قولهم إن الله لا يريد إلا الصلاح [الماتريدي، تأويلات أهل السنة، ٦ /٣١٧].

  •       الأدلة الواقعية والوجودية

لو كان الأصلح واجبًا على الله تعالى في حق العباد لما شهد الواقع ما يلي:

١- وقوع المحن والبلايا: ولما خُلق الكافر الفقير المعذب في الدنيا بالفقر وفي الآخرة بالنار، إذ كان الأصلح له عدم خلقه، أو إماتته صغيرًا.

٢- آلام الأطفال والحيوانات: وقوع الآلام للأطفال غير المكلفين، وإصابة البهائم بالضعف والبلاء، ينافي وجوب الأصلح بمفهوم المعتزلة.

٣- تعطيل الدعاء والقدرة: لو وجب الأصلح، لما كان لطلب الهداية أو كشف الضر معنى (لأن الله سيفعله تلقائيًا بالوجوب)، ولما بقي في قدرة الله شيء آخر يفعله لعباده لكونه قد أتى على غاية وسعه، وهو محال [الصاوي، حاشية الصاوي على شرح الخريدة البهية، مجموع الحواشي السنية، ص ٥٢٣-٥٢٤].

تهافت المذهب الاعتزالي في مناظرة الإخوة الثلاثة

تُعد مسألة الإخوة الثلاثة القاصمة التاريخية التي أدت إلى انشقاق الشيخ أبي الحسن الأشعري عن شيخه أبي هاشم الجبائي، وإبطال مذهب المعتزلة من أساسه، وتتلخص المناظرة في فرضية طرحها الأشعري على شيخه في درسه، وهي ما تقول في ثلاثة إخوة، مات أحدهم كبيرًا مطيعًا، والآخر كبيرًا عاصيًا، والثالث صغيرًا؟

فأجاب الجبائي بموجب أصوله: "المطيع في الجنة، والعاصي في النار، والصغير في منزلة سلامةٍ لا ثواب فيها ولا عقاب".

فوجّه الأشعري إلزامَه الأول بلسان الصغير: "يا رب، لِمَ أمتني صغيرًا ولم تبقني حتى أطيعك فأدخل الجنة؟".

فأجاب الجبائي محتميًا بالعلم الإلهي: "يقول الرب: علمتُ أنك لو كبرت لعصيت فدخلت النار، فكان الصلاح لك أن تموت صغيرًا".

وهنا ألقى الأشعري إلزامَه القاتل الذي هدم أصل الوجوب بلسان الأخ العاصي: "يا رب فكما علمتَ حاله علمتَ حالي، فَلِمَ لَمْ تمتني صغيرًا مثله لتنقذني من المعصية ودخول النار؟!".

عند هذا الإلزام بُهِتَ الجبائي وعجز عن الجواب؛ لأن مملكته الكلامية القائمة على وجوب الأصلح انهارت؛ إذ لم يفعل الله بالأخ الثاني العاصي ما هو الأصلح له، فترك الأشعري مذهبهم واشتغل بإبطاله وتثبيت ما وردت به السنة ومضى عليه الجماعة [اللقاني: هداية المريد لجوهرة التوحيد، دار البصائر، القاهرة، ٢٠٠٩م، ص ١٧٢].

من التهافت إلى البناء

تجاوزت مسألة الإخوة الثلاثة حدود الإلزام والمناظرة الشفهية، لتترك وراءها ثلاثة تحولات منهجية حاسمة غيّرت وجه الفكر الإسلامي وعلم الكلام:

أولًا: إسقاط حاكمية العقل المطلقة للمعتزلة

تركت هذه المسألة برهانًا عقليًا أفحم المعتزلة في عقر دارهم (العقل)؛ حيث أثبتت أن قواعدهم العقلية متناقضة:

فالجبائي عندما قرر أن الله أمات الطفل صغيرًا لأن ذلك هو الأصلح له حتى لا يكبر ويعصي فيدخل النار، لزمه عقلًا وجوب إماتة الأخ الثاني (العاصي) في صغره أيضًا، ليكون ذلك أصلح له فلا يدخل النار، فلما عجز الجبائي عن التوفيق بين الحالتين، تركت المسألة حقيقة علمية؛ وهي أن العقل البشري قاصر عن الإحاطة بحكمة الله المطلقة، وأن قياس أفعال الخالق (الغائب) على أفعال المخلوق (الشاهد) قياس فاسد طالما تهافت عند أول اختبار عقلي.

ثانيًا: تأسيس المذهب الأشعري والتحول التاريخي لعلم الكلام

تركت هذه المسألة نقطة تحول تاريخية كبرى في خارطة المذاهب الإسلامية، حيث كانت هذه المناظرة هي السبب المباشر والعلة الحقيقية وراء اعتزال الأشعري لشيخه الجبائي، وخروجه من عباءة الفكر الاعتزالي بعد أن ظل فيه أربعين سنة.

وبعد أن بهت الجبائي، انصرف الأشعري وأتباعه إلى هدم مقولات المعتزلة بأدواتهم المنهجية ذاتها (الاستدلال العقلي)، ممتطين صهوة النقل والعقل معًا لإثبات ما وردت به السنة ومضى عليه السلف، فكانت هذه المسألة بمثابة شهادة الميلاد للمذهب الأشعري.

ثالثًا: تحرير صفة الاختيار الإلهي المطلق

على الصعيد العقدي المحض، تركت هذه المسألة تأصيلًا حاسمًا لنفي الوجوب على الله عند أهل السنة من (الأشاعرة والماتريدية)؛ حيث أثبتت المسألة أن الله تعالى فعال لما يريد لا يجب عليه شيء عقلًا؛ فلو كان الصلاح والأصلح واجبًا عليه سبحانه، لكان مقهورًا تحت سلطان هذا الوجوب (وهو مذهب الفلاسفة المانع للاختيار).

كما تركت المسألة إثبات أن أفعال الحق سبحانه جارية على وفق المشيئة المطلقة والحكمة البالغة التي قد تظهر للعباد وقد تخفى عليهم، فالعدل الإلهي ليس محكومًا بتقديرات العقول الناقصة، وإنما بكونه سبحانه المالك المطلق للكون والتصرف [راجع: أحمد الدردير، الشرح الكبير على الخريدة البهية في العقائد التوحيدية طبعة بصيلة، القاهرة، ص ١٠٠-١٠١].

الخلاصة

إن قضية الصلاح والأصلح كشفت عن تهافت منهج الإيجاب ومقايسة الغائب بالشاهد، حيث برهنت شواهد النقل والواقع على تنزيه الحق سبحانه عن القهر والعلل؛ لتؤول المحصلة إلى صيانة صفة الاختيار والقدرة المطلقة لله تعالى، وإثبات أن تدبيره ومواهبه في خلقه إنما تصدر عن محض الفضل والامتنان والرحمة اللائقة بجلاله.

موضوعات ذات صلة

المعتزلةُ هم أوّلُ مذهبٍ في علمِ الكلامِ الإسلاميّ، بدأ في النصفِ الأوّلِ من القرنِ الثاني الهجريّ

تتجلى الحقيقة الساطعة في أن الأشعرية والماتريدية هما حراس العقيدة الصافية

الصفات الإلهية هي الأوصاف التي يتصف بها الله عز وجل

تُعد مسألة الوعد والوعيد من أبرز القضايا العقدية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفرق الكلامية

إن الإمام الأشعري لم يبتدع في دين الله مذهبًا جديدًا؛ بل أحيا مسلك السلف بأدوات المتكلمين

موضوعات مختارة