يجب في حق الرسل اتصافهم بصفات كمالية تقتضيها حكمة البعثة وتشريف
الرسالة، وهي أربع صفات رئيسة:
هي حفظ الله تعالى بواطن الرسل
وظواهرهم من التلبس بـمنهي عنه، ولو كان نهي كراهة أو خلاف الأولى، ويشمل هذا
الحفظ حال طفولتهم وبناءً على هذا، فهم محفوظون باطنًا من الأدواء القلبية؛
كالحسد، والكبر، والرياء، ومحفوظون ظاهرًا من الزنا، وشرب الخمر، والكذب، وسائر
المنهيات [الدردير، أحمد، شرح الخريدة البهية، ص ١١٢]، وضد الأمانة الخيانة بالتلبس بـمعصية
أو منهي عنه.
البرهان العقلي والنقلي
لو
جاز عليهم أن يخونوا الله تعالى بفعل محرم أو مكروه، لانقلب ذلك المحرم أو المكروه
طاعة في حقهم؛ واللازم باطل، وبيان الملازمة: أن الله تعالى أمر الأمة مطلقًا وبلا
تفصيل بالاقتداء بهم في أقوالهم، وأفعالهم، وتقريراتهم إلا ما ثبت اختصاصهم به، في
مثل قوله تعالى: ﴿وَمَاۤ
ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ [الحشر: ٧]، وقوله: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی
یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]؛ وحينئذٍ
فكل ما صدر منهم فنحن مأمورون به، وكل مأمور به فهو طاعة؛ لأن الله لا يأمر
بالفحشاء بنص قوله: ﴿قُلۡ إِنَّ
ٱللَّهَ لَا یَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَاۤءِۖ﴾ [الأعراف: ٢٨]؛ فلو وقعت الخيانة
للزم الجمع بين النقيضين - أن يكون الفعل محرمًا وطاعة في آن واحد - وهو محال،
فثبتت أمانتهم وعصمتهم [السنوسي، محمد بن يوسف، أم البراهين بشرح السنوسي، القاهرة:
المكتبة التوفيقية، ١٤٢٦هـ، ص ٤١].
هذا الدليل وإن كان في صورته عقليًا،
إلا أنه دليل شرعي في حقيقته؛ لأن الملازمة شرعية، وبطلان التالي مستند إلى دليل
شرعي، وهو أن الله لا يأمر بالفحشاء [الدردير، شرح الخريدة، ص ١١٢]، وإذا وقعت منهم صورة فعل مباح أو خلاف
الأولى، فإنما تقع لقصد التشريع والتعليم للغير، فيصير الفعل واجبًا أو مندوبًا في
حقهم لعلو رتبتهم [عبد الله الشرقاوي، حاشية الشرقاوي على شرح الهدهدي
لأم البراهين، القاهرة: مطبعة مصطفى الحلبي، ١٣٥٥هـ، ص ٧٤].
هو مطابقة حكم الخبر للواقع في دعوى الرسالة وبلاغ الأحكام عن الله
تعالى [الباجوري، حاشية الباجوري على الجوهرة، ص ١٥٢]، وينقسم صدقهم إلى ثلاثة أقسام:
- الصدق في دعوى الرسالة.
- الصدق فيما يبلغونه عن الله تعالى من الأحكام الشرعية.
الصدق في حكاية الكلام المتعلق بأمور
الدنيا (كقولهم: قام زيد وقعد عمرو)، وهذا القسم الأخير يندرج أصالةً تحت عموم
دليل الأمانة؛ لأنه من المنهيات ظاهرًا [الدردير، شرح الخريدة، ص ١١٣]، وضد الصدق الكذب، وهو عدم مطابقة
الخبر للواقع.
البرهان العقلي والنقلي
لو جاز الكذب عليهم في دعوى الرسالة وفي
الأحكام، للزم الكذب في خبره تعالى، واللازم باطل قطعًا؛ وبيان الملازمة، أن الله
تعالى صدقهم بالمعجزة المقترنة بدعواهم، وتصديق الكاذب كذب محض، والكذب على الله
تعالى محال؛ لأنه نقص، وما أدى إلى المحال فهو محال [الدردير،
شرح الخريدة، ص ١١٣]، ويشهد له من النقل قوله تعالى: ﴿وَمَا یَنطِقُ عَنِ
ٱلۡهَوَىٰۤ﴾ [النجم:
٣].
إن
كل ما ورد في النقول والنصوص بحق الأنبياء وكان ظاهره يوهم الكذب، يجب حتمًا
تأويله وصرفه عن ظاهره إلى ما يليق بمقامهم الكريم؛ ومثاله واقعة سيدنا إبراهيم الخليل
- عليه السلام - مع الأصنام في قوله: ﴿بَلۡ
فَعَلَهُۥ كَبِیرُهُمۡ﴾ [الأنبياء:
٦٣]،
فإنه
كلام تهكمي، خرج مخرج التقريع والتهديد والتبكيت للخصم؛ لأنه لم يكن عند الأصنام
غيره، فما فائدة سؤال القوم: ﴿مَن فَعَلَ هَٰذَا
بِءَالِهَتِنَاۤ﴾ [الأنبياء:
٥٩]؟ فظهر أنه استدراج حجاجي لإلزامهم عجز
أصنامهم [الدردير، شرح الخريدة، ص ١١٢].
هو إيصال الأحكام التي أُمروا بتبليغها
إلى المرسل إليهم كاملة دون زيادة أو نقصان [الدردير، شرح الخريدة، ص ١١٧]، واعلم أن ما جاء به الأنبياء من الوحي
والأسرار ثلاثة أقسام:
- قسم أُمروا بتبليغه للخلق: فلم يكتموا منه حرفًا واحدًا، وهو
الذي يجب اعتقاد بلوغه كاملًا.
- قسم أُمروا بكتمانه لخصوصيته بهم
وبمقاماتهم العلية: كبعض الأسرار الإلهية المتعلقة بذاته وصفاته، فلم يبلغوا منه حرفًا.
- قسم خيروا فيه بين الكتمان والتبليغ: فبلغوا البعض وكتموا البعض، وقد يؤذن
لهم في إيصال بعض هذا القسم لأفراد مخصوصين من الأمة؛ كالخلفاء الأربعة وأبي هريرة
- رضي الله عنهم - ، وهي الأسرار المتداولة بين كبار الأولياء [الدردير، شرح الخريدة، حاشية ص ١١٧، وص ١٢٠]، وضد التبليغ الكتمان.
البرهان العقلي والنقلي
وجوب
التبليغ منبثق من استحالة الخيانة عليهم؛ إذ لو كتموا شيئًا مما أُمروا ببلاغه
لكان الكتمان معصية، والرسول لا يفعل منهيًّا عنه [الدردير،
شرح الخريدة، ص ١١٩]، كما أن كاتم العلم ملعون بنص قوله
تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡتُمُونَ مَاۤ أَنزَلۡنَا
مِنَ ٱلۡبَیِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَیَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِی
ٱلۡكِتَٰبِ أُو۟لَٰۤئِكَ یَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَیَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
ويؤيده
حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
«مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» [الترمذي، السنن، كتاب العلم، رقم ٢٦٤٩، وقال: حديث
حسن]،
ومن الأدلة الصريحة قوله تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا
ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ
فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ﴾ [المائدة:
٦٧]،
والأمر
يقتضي الوجوب قطعًا، وقوله سبحانه: ﴿رُّسُلࣰا
مُّبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ لِئَلَّا یَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ
بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ﴾ [النساء:
١٦٥]؛
ولا
يتم مقصود التبشير والإنذار إلا بالبلاغ [الدردير،
شرح الخريدة، ص ١١٧].
هي حدة العقل، وذكاؤه، وتيقظه، وقوة الإدراك التي تمكنهم من إبطال
دعاوى الخصوم وحل الشبهات وإلزام المعاندين [الدردير، شرح الخريدة، ص ١١٧]، وضدها البلادة، والغفلة، والبلاهة.
البرهان العقلي والنقلي
لا يجوز عقلًا أن يكون الرسول أو النبي
والعياذ بالله مغفلًا، أو أبله، أو بليدًا؛ لأنهم أُرسلوا أصالةً لإقامة الحجج على
الخلق وإبطال شبه المجادلين، وهذا المقصد التشريعي لا يمكن تحصيله من مغفل أو بليد
[الدردير، شرح الخريدة، ص ١١٧]،
ولأننا مأمورون شرعًا بالاقتداء المطلق بهم، والمقتدى به يستحيل أن يكون بليدًا،
ولأن البلادة صفة نقص تخل بمنصبهم الشريف وتنفر الأنفس عنهم، وهم مبرؤون من كل ما
يخل بالمروءة [الشرقاوي، حاشية الشرقاوي على الهدهدي، ص ٧٨]،
ومن ثم، لم يبعث الله نبيًّا إلا من أشرف الناس نسبًا وأكملهم خَلقًا وخُلقًا لئلا
تأنف النفس من اتباعهم [الدردير، شرح الخريدة، ص ١١٧]،
ويشهد له النقل كقوله تعالى: ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَاۤ ءَاتَیۡنَٰهَاۤ إِبۡرَٰهِیمَ
عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتࣲ مَّن نَّشَاۤءُ﴾ [الأنعام:
٨٣]، وقوله: ﴿وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِی هِیَ
أَحۡسَنُ﴾ [النحل:
١٢٥].