إن عقيدة البعث والنشور هي المحور الأصيل؛ لعدالة الجزاء الإلهي، وصلاح السلوك البشري في الدارين، وهو حقيقة سمعية برهنت عليها قطعيات النقل، وموجبات العقل؛ فما حقيقة النشور، وكيف تناول أئمة الكلام كيفية إعادة الأجسام دلالةً وبرهانًا؟
إن عقيدة البعث والنشور هي المحور الأصيل؛ لعدالة الجزاء الإلهي، وصلاح السلوك البشري في الدارين، وهو حقيقة سمعية برهنت عليها قطعيات النقل، وموجبات العقل؛ فما حقيقة النشور، وكيف تناول أئمة الكلام كيفية إعادة الأجسام دلالةً وبرهانًا؟
تتعدد موارد لفظ "النشور" في اللغة العربية وتدور في مجملها حول معاني: "البسط، والحياة بعد الموت":
البسط: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ﴾ [التكوير: ١٠]، ويقال: نشرت الثوب والكتاب أي: بسطته [العين، للخليل بن أحمد الفراهيدي، مادة: نشر (ص ٩٥٩)].
الحياة بعد الموت: يقال: أنشر الله الموتى فنشروا، أي: حَيُوا [تهذيب اللغة للأزهري (١١ / ٣٢٨)]، ويقال: نشر الميت ينشر نشورًا: إذا عاش بعد الموت، وأنشره الله أي: أحياه [النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (٥ / ١٢٨)].
قد أورد الراغب الأصفهاني للنشور في القرآن الكريم ثلاثة معانٍ: الأول: البسط قال تعالى: ﴿وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ﴾ [التكوير: ١٠]، والثاني: الانتشار لطلب الرزق قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورࣰا﴾ [الفرقان: ٤٧]، والثالث: تقلب الإنسان في طلب حوائجه قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِیَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الجمعة: ١٠]. [المفردات في غريب القرآن (ص ٤٩٢)].
عرفه أهل العلم بأنه: "انتشار الناس وخروجهم من قبورهم أحياءً؛ للحساب والجزاء يوم القيامة، وهو مرادف للبعث في المعنى [النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ١٢٨)، ولوامع الأنوار البهية للسفاريني (٢ / ١٥٨)].
أجمع المسلمون على أن الله تعالى يحيي الأبدان بعد موتها، ويبعث الموتى من القبور، ومن أجواف الوحوش والأسماك، ومن حوامل الطيور؛ بأن يجمع أجزاءهم الأصلية بعد إعادة ما فني منها بعينه، ويعيد الأرواح إليها، وهذا هو "النشر"، ثم يسوقهم إلى الموقف وهذا هو "الحشر" [شرح الفقه الأكبر لأبي منصور الماتريدي (ص ٨٧)].
لقد استقرت كلمة المحققين من العلماء، بل وأهل الشرائع السماوية كلها على وجوب الإيمان بالبعث والنشور للأبدان، وصرف الشكوك الفلسفية التي تأبى ذلك:
النشور حق ثابت، والإيمان به واجب، وقد دلَّ عليه القرآن الكريم دلالةً قطعية قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ یُحۡیِیهَا ٱلَّذِیۤ أَنشَأَهَاۤ أَوَّلَ مَرَّةࣲۖ﴾ [يس: ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]، وكذا قوله تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ ءَالِهَةࣰ لَّا یَخۡلُقُونَ شَیۡءࣰا وَهُمۡ یُخۡلَقُونَ وَلَا یَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرࣰّا وَلَا نَفۡعࣰا وَلَا یَمۡلِكُونَ مَوۡتࣰا وَلَا حَیَوٰةࣰ وَلَا نُشُورࣰا﴾ [الفرقان: ٣]؛ إذ لا تقدر آلهتهم على الإحياء والإماتة في زمن التكليف، ولا في زمن المجازاة [التفسير الكبير، للفخر الرازي (٢٤ / ٤٩)].
دلت أحاديث كثيرة على ثبوت ووقوع النشر يوم القيامة من ذلك: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ، إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ» [رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٥٥)]، هذا الحديث يوضح كيف يُعاد تركيب أجساد البشر يوم القيامة من عظمة صغيرة لا تفنى ولا يأكلها التراب.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما في حديث طويل يصف فيه أحوال القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «... ثُمَّ يُرْسِلُ اللهُ - أَوْ قَالَ: يُنْزِلُ اللهُ - مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ - أَوْ: الظِّلُّ - فَتَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ» [رواه مسلم في "صحيحه" رقم (٢٩٤٠)]، في هذا الحديث بيان للكيفية الكونية التي ينبت بها البشر من قبورهم بعد النفخة الثانية؛ حيث ينزل الله تعالى مطرًا ينبتون به كما ينبت البَقل في الدنيا.
أجمع العلماء قاطبة على أن الأجساد تعاد يوم القيامة كما كانت في الدنيا بأعيانها، وألوانها، وأعراضها، وأوصافها، وذلك بلا خلاف منقول بينهم [الفتاوى الحديثية لابن حجر الهيتمي (ص١٧)، والتذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة للقرطبي (ص ٢٢٨)]، كما "أجمع أهل الملل جميعًا على جواز البعث والنشور ووقوعه عقلًا ونقلًا" [المواقف لعضد الدين الإيجي (٣ / ٤٧٤)].
اختلف المتكلمون في كيفية إحياء الموتى وإعادة الأجسام على قولين شهيرين:
أن الله تعالى يُذهب العين والأثر بالكلية، فتفنى الأجسام تمامًا (ما عدا عَجْب الذَّنَب)، ثم يعيدها الله سبحانه ويوجدها بعد هذا العدم المحض، فيكون الجسم المعاد في الآخرة هو الجسم الأول الذي كان في الدنيا بعينه لا مثله [إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين مرتضى الزبيدي (٢/ ٣٧)]، هذا هو المذهب الذي عليه جمهور المحققين [شرح الخريدة البهية للدردير (ص ١٣٢)].
أن الأجسام لا تنعدم بالكلية، وإنما تتفرق أجزاؤها الأصلية تفرقًا تامًا حتى لا يبقى في الجسم جوهران فردان على اتصال، ثم يجمعها الله تعالى بعد تفرقها ويعيد الروح إليها [شرح الخريدة البهية (ص ١٣٢)، إتحاف السادة المتقين (٢ / ٣٧)].
ويرى أصحاب هذا القول إن الإعادة تقع على الأجزاء الأصلية فقط دون الأجزاء الفضلية الناتجة عن التغذي؛ ومن أدلتهم: أن الله يعيد القُلْفَة (الجلدة التي تقطع في الختان)؛ لأنها من الأجزاء الأصلية التي شأنها البقاء مع العبد حتى الموت [شرح الخريدة البهية (ص ١٣٢)].
وبين هذين الرأيين يخلص الإمام اليوسي إلى مذهب جامع يرى فيه أن الأقرب هو: إيجاد الأجسام بعد فنائها، وجمعها بعد تفريقها مع إحيائها وإخراجها من قبورها [حواشي اليوسي على شرح كبرى السنوسي للحسن بن مسعود اليوسي (٣ / ٧٠٩)].
وهذا الخلاف من دقائق المباحث الكلامية التي لا تمس أصل الاعتقاد؛ إذ اتفق الجميع على ثبوت البعث والنشور، وإنما وقع الاختلاف في تصوير كيفية الإعادة، وهي من الغيب الذي لا يدرك إلا بخبر الصادق المعصوم.
انطلاقًا من التحقيق الكلامي لعملية الإعادة، تبرز مسائل دقيقة تبرهن على طلاقة القدرة الإلهية، وهي استثناء عَجْب الذَّنَب من الفناء والعدم:
اتفق المحققون على أن جسد ابن آدم يبلى ويأكله التراب إلا جزءًا يسيرًا منه يُسمى "عَجْب الذَّنَب"؛ فمنه يركب ويُخلق الخلق يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس مِنَ الإنسانِ شَيءٌ إلَّا يَبلى إلَّا عَظمًا واحِدًا، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، ومِنه يُرَكَّبُ الخَلقُ يَومَ القيامة» [متفق عليه].
ماهية عَجْب الذَّنَب: يُقال بالباء عجب وبالميم عجم، وهو جزء لطيف في أصل الصلب (رأس العُصْعُص)، وقد سأل أبو سعيد الخدري رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عنه فقال: «مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، مِنْهُ تُنْشِئُونَ» [رواه ابن حبان في "صحيحه" رقم (٣١٤٠)، وابن أبي داود في "البعث" رقم (١٧) واللفظ له].
إذا أعاد الله الأجسام، فهل تعاد الأعراض القائمة بها (كالألوان والأوصاف)؟ في ذلك مذهبان:
والعلماء رجحوا رأي الإمام الأشعري؛ لأنهم قالوا: إن حصر قدرة الله تعالى في القواعد العقلية التي وضعها البشر فيه تضييق لطلاقة القدرة الإلهية، فالله تعالى الذي بدأ الخلق من عدمٍ قادر على إعادة الذوات (الأجسام) وإعادة صفاتها وأحوالها (الأعراض) بأعيانها دون أن يعجزه شيء قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الروم: ٢٧].
والإيمان بالنشور لا يقف عند حدود التصديق بالغيب، بل يغرس في النفس مراقبة الله تعالى، ويبعث على إتقان العمل، وصيانة الحقوق، وتحمل المسؤولية تجاه المجتمع والوطن.
هو خروج الناس أحياءً من قبورهم؛ للحساب والجزاء يوم القيامة.
البعث: هو الإحياء، والنشور: هو خروج الأحياء من القبور بعد البعث.
النشر: إحياء الموتى وخروجهم، والحشر: جمعهم وسوقهم إلى موقف الحساب.
لا، بل يكون للأرواح والأجساد معًا كما دلت نصوص القرآن الكريم والسُّنة النبوية.
عظمٌ صغير في أصل العمود الفقري، منه يُعاد تركيب الإنسان يوم القيامة.
يعيده الله تعالى بقدرته؛ بإحياء جسده وإعادة روحه إليه للحساب.
جمهور المحققين من أهل العلم يرون أن الله تعالى يعيد الأجسام وما يقوم بها من الأعراض بقدرته.
النشور حق لا مرية فيه، وهو عبارة عن إعادة الأبدان بجميع أجزائها الأصيلة وأعراضها القائمة بها بأعيانها بعد فنائها، برهانًا ساطعًا على طلاقة القدرة الإلهية المطلقة.
في لحظة يطوي فيها الزمن ذاته، ويقف الخلق على أرض المحشر وَجِلَة القلوب
لم يخلقنا الله تعالى عبثًا، ولن يتركنا سدى، بل خلقنا لغاية نبيلة
الإماتة تعني مفارقة الحياة. وأقسامها عند الصوفية: يقسم الصوفية الموت إلى عدة أقسام
يباغتنا الموت دون سابق إنذار، يقتحم حياتنا فجأة ليغلق صفحة كنا نظن أن أمامها متسعًا من الوقت
كثر في أيامنا هذه موت الفجأة في مرحلة الشباب، إيقاظًا للغافلين، وتذكيرًا للأحياء بحتمية الرحيل