في لحظة يطوي فيها الزمن ذاته، ويقف الخلق على أرض المحشر وَجِلَة القلوب، يبدأ مشهدٌ عظيم لا يُشبه سواه؛ الحشر يوم القيامة ليس مجرد حدث، بل هو بداية الفصل الأخير من رحلة الإنسان الأبدية.
في لحظة يطوي فيها الزمن ذاته، ويقف الخلق على أرض المحشر وَجِلَة القلوب، يبدأ مشهدٌ عظيم لا يُشبه سواه؛ الحشر يوم القيامة ليس مجرد حدث، بل هو بداية الفصل الأخير من رحلة الإنسان الأبدية.
المعنى اللغوي: حشرهم يحشرهم ويحشرهم حشرًا: جمعهم: ومنه يوم المحشر.
والحشر: جمع الناس يوم القيامة.
والمحشر: المجمع الذي يحشر إليه القوم، وكذلك إذا حشروا إلى بلد أو معسكر أو نحوه.
قال الجوهري: الْمَحْشِر، بكسر الشين: موضع الحشر [ابن منظور: لسان العرب مادة (حشر)].
وقال الإمام الرازي: الحشر اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، لأنه لا يتم كونهم هناك إلا بجميع هذه الأمور [التفسير الكبير جه /١٩٦].
{وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا} [الكهف: جزء من آية ٤٧].
جمعناهم للحساب، فلم نغادر منهم أحدًا، أي لم نترك من الأولين والآخرين أحدًا إلا جمعناهم لذلك اليوم [نفسه ج٢١ /١٣٣].
{يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٌ} [ق: ٤٤]
هو يوم الخروج، و(سراعًا) حال للخارجين؛ لأن قوله تعالى: (عنهم) يفيد كونهم مفعولين بالتشقق، فكان التشقق عند الخروج من القبر [نفسه ج١٩ /٢٨].
وأما يوم الحشر: قال الرازي: في قوله تعالى: {تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ} [المعارج: ٤].
هو يوم من أيام الآخرة طوله خمسون ألف سنة، وهو يوم القيامة، وهذا قول الحسن: قال: "وليس يعني أن مقدار طوله هذا فقط، إذ لو كان كذلك لحصلت له غاية، ولفنيت الجنة والنار عند تلك الغاية، وهذا غير جائز، بل المراد أن موقفهم للحساب حتى يفصل بين الناس خمسون ألف سنة من سني الدنيا؛ ثم بعد ذلك يستقر أهل النار في دركات النيران نعوذ بالله منها " [التفسير الكبير ج٣ / ١٢٣].
وأخبر سبحانه وتعالى أن يوم الحشر كألف سنة في قوله تعالى: {وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ} [الحج: جزء من آية رقم ٤٧].
ولا تعارض لأن المراد بيان طول المدة، كما أن اليوم يختلف باختلاف أحوال الناس، يقول الرازي: واعلم أن هذا الطول يكون في حق الكافر، أما في حق المؤمن فلا، والدليل عليه الآية والخبر، أما الآية فقوله تعالى: {أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا} [الفرقان: ٢٤].
واتفقوا على أن ذلك المقيل والمستقر هو الجنة، وأما الخبر فما روي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: «قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلـم -: ما أطوَلَ هذا اليومَ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ: والَّذي نفسي بيدِه إنَّه لَيُخفَّفُ على المُؤمِنِ حتّى يكونَ أخَفَّ عليه مِن صلاةٍ مكتوبةٍ يُصلِّيها في الدُّنيا» [أخرجه أحمد (١١٧١٧)].
تحشر جميع الخلائق ممن يقع عليهم الحساب، والفصل بينهم من إنس وجن وبهائم ووحوش وغير ذلك لقوله تعالى: {وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ} [التكوير: ٥].
وقوله سبحانه: {وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ} [الفرقان: جزء من آية رقم ١٧] ولقوله - صلى الله عليه وسلـم -: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» [الحديث عن أبي هريرة أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة باب تحريم الظلم، وأخرجه الترمذي، أبواب صفة القيامة، باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/٣٠١ - ٣٢٣]، والجلحاء التي لا قرن لها، والحديث دليل على حشر البهائم يوم القيامة وإعادتها يوم القيامة كما يعاد أهل التكليف من الآدميين، وكما يعاد الأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة، وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة؛ قال تعالى: {وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ} [التكوير: ٥]، وإذا ورد لفظ الشرع، ولم يمنع من إجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره، قال العلماء: وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة فإذا المجازاة بالثواب أو العقاب.
إذا أحيا الله تبارك وتعالى الناس كلهم، قاموا بمجلس ينظرون ما يراد بهم لقوله: {ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ} [الزمر: جزء من الآية رقم ٦٨] ، ثم يعرض الجميع إلى موقف العرض والحساب، وهو الساهرة، قال عز وجل: {فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٌ وَٰحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ} [النازعات: ١٣-١٤]، وجاء عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - أنه قال: «عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ، أَرْضُ المَحْشَرِ وَالمَنْشَرِ» [أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الإقامة، باب ١٩٦، ح١٤٠٧، وأخرجه الإمام أحمد في مسنده، ٢/٤٦٣ بدون لفظ المحشر]، ويقال: إن الساهرة أرض معروفة عند بيت المقدس، والساهرة عند أهل اللغة وجه الأرض، والمعنى فإذا هم قد صاروا على وجه الأرض بعد أن كانوا في جوفها. قيل: الساهرة صحراء قرب شفير جهنم، والله أعلم [الحليمي: المنهاج في شعب الإيمان ج ١ /٤٤٠– ٤٤١].
وإذا حشر الناس بعد ما نشروا حشروا حفاة عراة غرلًا، لأنهم كذلك بدأوا، والله عز وجل يقول: {كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ} [الأنبياء: جزء من الآية رقم: ١٠٤].
فلما كانوا بدأوا غرلًا بعثوا غرلًا، لئلَّا يمتد من الإعادة شيء من أخبارهم، ويحشرون حفاة عراة، لأن الملابس في الدنيا أموال، ولا مال في الآخرة [الحليمي ١/٤٤٥ - ٤٤٦].
وفي الصحيحين عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «قال النبي - صلى الله عليه وسلـم - يُحْشَرُ النّاسُ يَومَ القِيامَةِ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، النِّساءُ والرِّجالُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ! قالَ – صلى الله عليه وسلم -: يا عائِشَةُ، الأمْرُ أشَدُّ مِن أنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، وفي رواية أنه أجابها بقوله تعالى: {لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٌ يُغۡنِيهِ} [عبس: ٣٧]».
ذلك أنه في هذا المحشر {يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ} [الحج: ٢]، فيعظم الهول ويشتد الكرب، وتدنو الشمس من الرؤوس، كما ورد في الحديث عن المقداد بن الأسود - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - يقول: «تُدنى الشَّمْسُ يومَ القيامةِ من الخَلْقِ حتى تكونَ منهم على قِيدِ ميل - أو كمقدارِ ميل، قال: فيكونُ الناسُ على قدرِ أعمالِهم في العَرَق، فمنهم من يكونُ فيه إلى كَعْبَيه، ومنهم من يكونُ فيه إلى رُكْبَتَيه، ومنهم من يكونُ فيه إلى حِقْوَيْه، ومنهم من يُلْجِمُه العرقُ إلجامًا». قال: وأشار رسولُ الله - صلي الله عليه وسلم - بيدِه إلى فيه» [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب في صفة يوم القيامة].
وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - قال: «يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلاَثِ طَرَائِقَ رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ، وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ وَثَلاَثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَيَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا: وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا» [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب فناء الدنيا، وبيان الحشر يوم القيامة]
وفي جانب آخر فهناك أقوام لا يشعرون بهول ذلك اليوم وما فيه من شدة وكرب، لأن الله تعالى يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله، يوم يقوم الناس لرب العالمين وتدنو منهم الشمس، ويشتد عليهم حرها، ولا ظل هناك إلا لعرشه سبحانه، وهو من بينهم حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلـم - قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ بِعِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ، وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ يَمِينُهُ مَا تُنْفِقُ شِمَالُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ» [أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة] هكذا وردت في نسخ صحيح مسلم والصحيح المعروف حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، هكذا رواه مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه، وغيرهما من الأئمة، وهو وجه الكلام، لأن المعروف في النفقة فعلها باليمين.
وقد جاء في صفة الحشر في قول الله تعالى: {يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا * وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا} [مريم: ٨٥-٨٦]، وعن عليّ - رضي الله عنه - عن النبي- صلى الله عليه وسلـم - في قوله عز وجل: {يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا} قال: أما إنهم ما يحشرون على أقدامهم ولا يساقون سوقًا، ولكنهم يؤتون بنوق من فوق، ينظر الخلائق إلى مثلها، رحالها الذهب، وزمامها الزبرجد، فيقعدون عليها حتى يقرعوا باب الجنة، وسمَّى المتقون وفدًا لأنهم يسبقون سائر الناس إلى حيث يدعون إليه، فإنهم يكونون على نجائب تسرع بهم..... والملائكة تتلقاهم بالبشارات، كما قال عز وجل: {وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: جزء من الآية رقم ١٠٣]، فيزيدهم ذلك إسراعًا [الحليمي: المنهاج ج ١ /٤٤١].
الحشر يوم القيامة مشهدٌ عظيم تتجلّى فيه العدالة الإلهية، ويُبعث فيه الإنسان ليشهد عاقبة عمله، تتفاوت أحوال الناس في أرض المحشر وفق أعمالهم، وتُكشف الأسرار أمام ميزان الحق، إنّه الموعد الذي تتجلى فيه الحقيقة، وتبدأ رحلة المصير الأبدي نحو الجنة أو النار.
تُعد مسألة الوعد والوعيد من أبرز القضايا العقدية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفرق الكلامية،
قال القاضي عياض - رحمه الله - أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض
تُعد مسألة الوعد والوعيد من أبرز القضايا العقدية التي أثارت جدلًا واسعًا بين الفرق الكلامية