Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

ثورة ٢٣ يوليو وبناء الجيش المصري القوي

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

ثورة 23 يوليو وبناء الجيش المصري القوي

شكَّلَت ثورة ٢٣ يوليو مُنْعَطَفًا تاريخيًّا قويًّا في مسيرة بناء الدولة المصرية الحديثة؛ حيث اتخذت من تأسيس جيشٍ وطنيٍّ قويٍّ ركيزةً لحماية الأمن القومي، لقد قادت الثورة نقلةً عصريَّةً شاملةً، حولت القوات المسلحة إلى درعٍ حصينٍ يصون استقلال القرار، ويقف سدًّا منيعًا لحماية مقدرات الوطن ومؤسساته العريقة.

المبدأ الخامس لثورة (٢٣) يوليو: الانطلاق نحو بناء القوة الرادعة

لقد قامت ثورة الثالث والعشرين من يوليو المجيدة على ستة مبادئ راسخة، كان من أهمها وأكثرها تأثيرًا في تشكيل مستقبل مصر الحديثة: (بناء جيشٍ وطنيٍّ قوي) [جمال عبد الناصر، كتاب "فلسفة الثورة"، دار المعارف].

لم يكن هذا المبدأ مجرد شعارٍ سياسي، بل كان إدراكًا عميقًا ويقينًا قاطعًا بأن السيادة الوطنية لا يمكن أن تكتمل أو تُصان إلا بوجود قوةٍ عسكريةٍ رادعة، قادرةٍ على حماية الأرض والعِرض، وتأمين مكتسبات الشعب.

قبل ثورة (٢٣) يوليو، كانت القوات المسلحة تعاني من قيودٍ شديدةٍ فرضها الاستعمار، وحُرمت من التسليح الحديث والتدريب المتطور عمدًا؛ لضمان بقاء مصر تابعةً وضعيفة وفقًا لملاحق معاهدة ١٩٣٦م [عبد الرحمن الرافعي، كتاب "مقدمات ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م"]، لكن الضباط الأحرار، الذين انبثقوا من رحم هذا الجيش العظيم، ومن قلب الطبقة الوطنية المصرية، أدركوا مبكرًا أن تحرير الإرادة السياسية يتطلب جيشًا حديثًا يمتلك قراره، وتكون عقيدته الوحيدة هي الولاء المطلق لتراب هذا الوطن [مذكرات محمد نجيب، "كنت رئيسًا لمصر"، بتصرف].

تنويع مصادر السلاح.. كسر الاحتكار واستقلال القرار

كانت أولى خطوات النقلة العصرية في بناء الجيش المصري القوي هي التحرر من التبعية العسكرية، وكسر احتكار السلاح، لقد أدركت قيادة الثورة أن الاعتماد على مصدرٍ واحدٍ للتسليح يضعف من استقلالية القرار السياسي، ويجعل الدولة عرضةً للابتزاز المستمر من القوى الاستعمارية [د. جمال شقرة، "ثورة يوليو والأمن القومي المصري"]، ولذلك، اتخذت مصر قرارًا تاريخيًّا شجاعًا بتنويع مصادر التسليح، وهو ما تجلى بوضوحٍ في (صفقة الأسلحة التشيكية) عام ١٩٥٥م.

شكلت هذه الخطوة زلزالًا استراتيجيًّا في موازين القوى العالمية؛ حيث مكَّنت الجيش المصري من الحصول على أحدث المعدات العسكرية، من طائراتٍ ودباباتٍ ومدفعية، دون الخضوع لشروطٍ سياسيةٍ تمس السيادة الوطنية [محمد حسنين هيكل، "حرب الثلاثين سنة: ملفات السويس"، مركز الأهرام للترجمة والنشر].

لقد كان تنويع مصادر السلاح نهجًا عبقريًّا وأساسًا متينًا سارت عليه القيادة المصرية لضمان استمرار تدفق التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، والحفاظ على جاهزية القوات المسلحة.

التصنيع الحربي الوطني قاطرة الاستقلال التكنولوجي والاقتصادي

لم تكتفِ ثورة (٢٣) يوليو باستيراد السلاح، بل وضعت حجر الأساس للصناعات العسكرية الوطنية، إيمانًا منها بأن الجيش القوي يجب أن يرتكز على قاعدةٍ صناعيةٍ صُلْبَةٍ تدعمه وتلبي احتياجاته، شهدت تلك الحقبة انطلاق شرارة التصنيع الحربي بإنشاء المصانع الحربية، وتأسيس وزارة الإنتاج الحربي عام ١٩٥٤م [السجل التاريخي، الهيئة القومية للإنتاج الحربي].

لم تقتصر مهمة هذه المصانع على إنتاج الذخائر والأسلحة الخفيفة والمتوسطة فحسب، بل امتدت لتشمل محاولاتٍ جادةً لإنتاج الطائرات والصواريخ والمدرعات، مما ساهم في نقل التكنولوجيا، وتدريب الكوادر الفنية من المهندسين والعمال المصريين. [د. جلال أمين، "قصة الاقتصاد المصري"، دار الشروق].

 لقد رسخت الثورة مفهوم الاكتفاء الذاتي كعنصرٍ فعَّال من عناصر الأمن القومي، مما مكن مؤسسات الدولة من الوقوف صامدةً في وجه التحديات.

النقلة العصرية في التدريب والتأهيل العسكري

إن المعدات والأسلحة الحديثة، مهما بلغ تطورها، لا قيمة لها دون العنصر البشري المُدَرَّب والقادر على استيعابها وتوظيفها بكفاءة، ومن هذا المنطلق، أَوْلت ثورة (٢٣) يوليو اهتمامًا بالغًا بتطوير الفرد المقاتل فكريًّا، وعلميًّا، وبدنيًّا، حيث تم إرسال البعثات العسكرية إلى الخارج للتدريب على أحدث التكتيكات والفنون القتالية، وتم تحديث المناهج في الكليات والمعاهد العسكرية المصرية [إصدارات هيئة البحوث العسكرية، السجلات الرسمية لوزارة الدفاع المصرية].

تأسست أكاديمياتٌ متخصصةٌ لرفع كفاءة الضباط والجنود، وعلى رأسها أكاديمية ناصر العسكرية العليا، التي أُنشئت عام ١٩٦٥م؛ لتخريج قادةٍ قادرين على التخطيط الاستراتيجي وإدارة الأزمات [المرجع السابق].

لقد أثمر هذا التوجه جيلًا من القادة والجنود المحترفين، الذين سطروا بدمائهم وعرقهم أروع ملاحم البطولة، وجعلوا الجندي المصري مَضْرِبًا للأمثال في الانضباط والصبر.

الجيش والشعب.. تلاحمٌ وطنيٌّ لحماية مؤسسات الدولة

منذ اللحظة الأولى لبيان الثورة، بدا واضحًا أن الجيش المصري لم يتحرك طمعًا في سلطة، بل استجابةً لنداء الشعب الذي طالما عانى من الظلم والاحتلال، لقد أسست ثورة يوليو لعلاقةٍ فريدةٍ من نوعها بين القوات المسلحة والمواطنين، علاقة قوامها الثقة المطلقة والاصطفاف الوطني الخالص، حيث تم إقرار قانون الخدمة العسكرية والوطنية الذي جعل التجنيد إلزاميًّا وشاملًا لكل فئات الشعب، مُلغيًا الفوارق الطبقية ونظام (البدلية) الذي كان سائدًا قبل الثورة [د. يونان لبيب رزق، "تاريخ الوزارات المصرية"].

هذا التلاحم هو السر وراء صلابة الدولة المصرية في مواجهة أعتى الأزمات والمؤامرات، فكلما تعرضت مؤسسات الدولة لخطرٍ داهم، كان الجيش هو الدرع الحامي، وكان الشعب هو الظهير الساند، إن العقيدة التي أرستها الثورة جعلت من الحفاظ على كيان الدولة، وهيبتها، ومؤسساتها الوطنية، أولويةً قصوى لا تقبل المساومة ولا التهاون.

العقيدة العسكرية لثورة (٢٣) يوليو وحروب الجيل الرابع

إن الرؤية الاستباقية التي تبنتها ثورة يوليو في بناء جيشٍ قويٍ عصري، هي التي تمكن مصر اليوم من مواجهة التهديدات الحديثة، وعلى رأسها حروب الجيلين الرابع والخامس.

هذه الحروب التي تعتمد على الشائعات، والحرب النفسية، ومحاولة هدم الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته، تجد سدًّا منيعًا في الوعي الجمعي الذي شكلته المبادئ الوطنية للثورة. [دراسات وإصدارات أكاديمية ناصر العسكرية العليا حول استراتيجيات الأمن القومي].

لقد أثبتت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية أنها تمتلك من الكفاءة والتطور التكنولوجي ما يؤهلها للتعامل مع هذه التهديدات غير النمطية ببراعةٍ واقتدار، فالتحديث المستمر، واليقظة الدائمة، والقدرة على جمع وتحليل المعلومات، كلها ثمارٌ لغرسٍ وطنيٍّ أصيلٍ بدأ مع ثورة يوليو، وتطور عبر العقود ليواكب تحديات العصر.

امتداد الرؤية.. من يوليو إلى إشراقة الجمهورية الجديدة

إن المتابع المُنْصِف لمسيرة الدولة المصرية يدرك بوضوحٍ أن المبادئ العظيمة لثورة (٢٣) يوليو لا تزال حيةً وفاعلةً في صميم بناء "الجمهورية الجديدة"، فاليوم، وتحت مظلة قيادةٍ سياسيةٍ حكيمةٍ وواعية، يشهد الجيش المصري طفرةً تسليحيةً وتدريبيةً غير مسبوقة، تُعد امتدادًا طبيعيًّا ومطورًا لرؤية الثورة في بناء القوة الشاملة، من إنشاء القواعد العسكرية الاستراتيجية الكبرى على مختلف الاتجاهات، كقاعدة محمد نجيب وقاعدة ٣ يوليو، إلى تحديث الأسطول البحري والقوات الجوية بأحدث المنظومات العالمية [الكتاب الوثائقي "الرؤية والإنجاز"، رئاسة مجلس الوزراء المصري].

وتواصل القوات المسلحة المصرية أداء دورها التاريخي كصمام أمانٍ للوطن، مساهمةً بقوةٍ في ملحمة البناء والتنمية الشاملة التي تشهدها مصر في كافة ربوعها.

إحصائيات موثقة.. لغة الأرقام تتحدث عن النقلة العصرية

إن بناء الدولة المصرية الحديثة لم يكن مجرد شعارات، بل تُرجم إلى أرقامٍ وإحصائياتٍ موثقةٍ تعكس حجم الجهد المبذول في إعادة بناء مؤسسات الدولة العسكرية:

  • قيود معاهدة ١٩٣٦م:

قبل الثورة، كانت بريطانيا تتحكم في حجم الجيش المصري تسليحًا وتدريبًا؛ حيث نصَّت ملاحق معاهدة ١٩٣٦م صراحةً على ألا يتجاوز عدد القوات المسلحة المصرية في أوقات السلم (١٠ آلاف) مقاتلٍ، مع حظر امتلاك طائراتٍ مقاتلةٍ حديثةٍ أو دباباتٍ ثقيلةٍ [وثائق وزارة الخارجية المصرية، السجل الرسمي للمعاهدات، نصوص معاهدة ١٩٣٦م].

  • صفقة كسر الاحتكار (١٩٥٥م):

في ضربةٍ قاصمةٍ للهيمنة الأجنبية، أتمّت مصر صفقة الأسلحة التشيكية بقيمةٍ بلغت حوالي (٨٣) مليون دولار.

وقد شملت هذه الصفقة الاستراتيجية توريد (٢٣٠) دبابةً حديثةً، و(٢٠٠) طائرة مقاتلة من طراز ميج وإليوشن، و(١٠٤) مَدَافِع ذاتية الحركة، مما أحدث انقلابًا جذريًّا في موازين القوى بالشرق الأوسط لصالح مؤسسات الدولة المصرية [محمد حسنين هيكل، كتاب "حرب الثلاثين سنة: ملفات السويس"، مركز الأهرام للترجمة والنشر].

  • انطلاق التصنيع الحربي الوطني:

إدراكًا لأهمية الاستقلال التكنولوجي، تم افتتاح أول مصنعٍ لإنتاج الذخيرة (مصنع ٢٧ الحربي) في ٢٣ أكتوبر ١٩٥٤م؛ ليكون حجر الزاوية في بناء الصناعات العسكرية، وخلال سنواتٍ قليلةٍ، توسع قطاع الإنتاج الحربي ليضم عشرات المصانع التي وفرت آلافًا من فرص العمل للمهندسين والفنيين المصريين، وبدأت في إنتاج الذخائر، والأسلحة الخفيفة، بل وتجميع وتصنيع أجزاءٍ من الطائرات والمدرعات [الهيئة القومية للإنتاج الحربي، السجل التاريخي وإنجازات الثورة].

  • ميزانية القوات المسلحة:

ارتفعت ميزانية القوات المسلحة عقب الثورة بشكلٍ غير مسبوقٍ لتواكب خطط النقلة العصرية؛ حيث تضاعف الإنفاق العسكري من أجل بناء بنيةٍ تحتيةٍ قويةٍ، وإنشاء قواعد عسكريةٍ ومطاراتٍ حربيةٍ جديدةٍ، تستوعب التسليح الحديث والتدريب الراقي الذي أقرته الثورة لحماية الأمن القومي [د. جلال أمين، كتاب "قصة الاقتصاد المصري"، دار الشروق].

التكامل الاستراتيجي: الأمن الشامل بين الوعي الديني وقوة السلاح ورؤية ٢٠٣٠

لم تقتصر رؤية الدولة المصرية الحديثة، الممتدة من جذور ثورة (٢٣) يوليو وصولًا إلى إشراقة الجمهورية الجديدة، على بناء القوة العسكرية المادية فحسب، بل أدركت أن الأمن الشامل هو جناحٌ مزدوج؛ قوامه الأول درعٌ وسيفٌ يحميان الحدود، وقوامه الثاني وعيٌ رشيدٌ يُحصِّن العقول.

في ظل تصاعد حروب الجيل الرابع والخامس التي تستهدف تزييف الوعي، وهدم الثقة في مؤسسات الدولة، يبرز التكامل الاستراتيجي العميق بين عقيدة وزارة الدفاع في حماية التراب الوطني، والدور الحيوي لـ وزارة الأوقاف والمؤسسات الدينية في حماية الأمن الفكري والروحي؛ حيث تقف المساجد والمنابر الدعوية كخط دفاع أول في معركة الوعي.

إن تفكيك الفكر المتطرف، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، ونشر قيم المواطنة والانتماء، هي الأسلحة التي تُحبط مخططات الاختراق الفكري، وتخلق جبهةً داخليةً صُلبةً لا يمكن اختراقها بالشائعات، لتشكل امتدادًا طبيعيًا للعقيدة القتالية التي رسختها الثورة.

هذا التلاحم الوثيق بين (قوة السلاح) و(قوة الفكر) هو الركيزة الأساسية التي تنطلق منها رؤية مصر ٢٠٣٠ للتنمية المستدامة؛ فالأمن ليس مجرد استقرارٍ عسكري، بل هو أمنٌ مجتمعيٌ واقتصاديٌ، فالاستثمارات الكبرى، وتوطين الصناعات، وبناء المدن الجديدة، كلها مكتسباتٌ وطنيةٌ لا يمكن أن تزدهر إلا في ظل بيئةٍ آمنةٍ ومستقرةٍ تمامًا.

إن القوات المسلحة، وهي تشيِّد القواعد الاستراتيجية الحديثة، توفر المظلة الآمنة للتنمية الاقتصادية، بينما تعمل مؤسسات بناء الوعي على توفير بيئةٍ مجتمعيةٍ متماسكةٍ وداعمةٍ للبناء، هكذا تتحول عقيدة بناء الجيش القوي من مجرد أداةٍ للردع العسكري إلى شريكٍ أساسيٍ في صناعة التنمية المستدامة، وضمانةٍ حقيقيةٍ لرفاهية المواطن المصري وازدهار وطنه.

الخلاصة

ستبقى ثورة (٢٣) يوليو المجيدة محطةً مضيئةً في تاريخ أمتنا، وعلامةً فارقةً في مسيرة بناء مؤسساتنا الوطنية القوية، لقد أثبتت الأيام، والتجارب، والتحديات، أن امتلاك جيشٍ قويٍ محترفٍ هو الضمانة الحقيقية للسلام، والأساس المتين الذي ترتكز عليه خطط التنمية المستدامة، إن الاصطفاف الدائم خلف قواتنا المسلحة وقيادتنا الوطنية ليس مجرد واجبٍ وطني، بل هو التعبير الأسمى عن حب هذا الوطن والانتماء إليه.

موضوعات ذات صلة

 في فجر ٢٣ يوليو(١٩٥٢م) كان الموعد مع القدر.

في الثلاثين من يونيو كانت مصر تكتب فصلًا جديدًا ومهمًّا في تاريخ مصر الحديث.

كيف تحولت مصر من دولة محتلة إلى دولة تنعم بالسيادة الكاملة في ١٨ يونيو ١٩٥٦م؟

أعطت ثورة يوليو الحماية الدستورية لحق التعليم.