Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الدروس المستفادة من فتح مكة

الكاتب

هيئة التحرير

الدروس المستفادة من فتح مكة

لم يكن فتح مكة مجردَ حدث عسكري عابر، بل كان "فتحًا مبينًا" تلاقت فيه سنن الأرض بوحي السماء، إن هذا النصر هو الثمرة المباركة لسنوات من الجهاد والمحن، وبرهان ساطع على أن أقساط النصر تُدفع من رصيد العبودية لله والتضحية في سبيله، ليعلن للعالم انتهاء زمن الهجرة وبدء زمن العزة والتمكين.

لمحات نبوية من فقه الفتح

إن لأهمية هذا الحدث دلالة على التمكين للإسلام والمسلمين، نجده ممجَّدًا في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال تبارك وتعالى ممتنًّا على نبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الفتح: ١]، والمفسـرون على أن الآية في صُلْح الحديبية، غير أنه لما كان صُلْح الحديبية سببًا ممهدًا لـفتح مكة سُمِّي بالفتح، وذلك باعتبار المآل [التحرير والتنوير، ج٢٦،  ص١٤٤]، وكذلكم نجد هذا الحدث ممجَّدًا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: «‌لَا ‌هِجْرَةَ ‌بَعْدَ ‌الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» [البخاري (٢٧٨٣)]، في إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى العزة والقـوة التي حظي بها الإسلام والمسلمون بعد فتح مكة.

وعن الزّهْرِيّ، قَالَ: افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، قَالُوا: وَكَانَ ‌فَتْحُ ‌مَكّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ. فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ غَدَا يَوْمَ السّبْتِ لِسِتّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوّالٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَكّةَ عَتّابَ بْنِ أُسَيْدٍ يُصَلّي بِهِمْ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُعَلّمُهُمْ السّنَنَ وَالْفِقْهَ.[الواقدي، المغازي، ٣/٨٨٩].

وإذا تأملنا أحداث هذا الفتح الأكبر نستطيع أن ندرك تمامًا قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي وقعت من قبله، إن شيئًا من هذا الجهاد والتعب والمحن لم يذهب بددًا، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدرًا، ولم يتحمَّل المسلمون كلَّ ما لاقوه مما قد علمنا في هجرتهم وغزواتهم وأسفارهم، لأنَّ رياح المصادفة فاجأتهم بها، ولكن كل ذلك كان وفق قانونٍ سماوي، وبحسب سنة الله في خلقه فكل التضحيات المتقدمة كانت تؤدي أقساطًا من ثمن الفتح والنَّصر وتلك هي سنة الله في عباده… لا نصر بدون إسلامٍ صحيحٍ ولا إسلام بدون عبودية لله، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله.

أخلاق النصر وتطهير المقدسات

كان الفتح مليئًا بالدروس والعبر والفوائد وهذه لمحات من الفتح وعبره وفوائده:

  1. بيان عاقبة نكث العهود وأنه وخيم للغاية، إذ نكثت قريش عهدها فحلت بها الهزيمة، وخسرت كيانها الذي كانت تدافع عنه وتحميه.
  2. تجلِّي النبوة المحمدية والوحي الرباني في الإخبار بالمرأة حاملة خطاب حاطب بن أبي بلتعة؛ إذ أخبر عنها وعن المكان الذي انتهت إليه في سيرها وهو (رَوْضة خاخ).[مسند الشافعي (١٧٨٦)].
  3. فضيلة إقالة عثرة الكرام، وفضل أهل بدر، وقد تجلَّى ذلك واضحًا في العفو عن حاطب بعد عتابه، واعتذاره عن ذلك، بالتوبة منه، فقد ورد عن سيدنا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «قَالَ وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ، ‌لَعَلَّ ‌اللَّهَ ‌قَدْ ‌اطَّلَعَ ‌إلَى ‌أَصْحَابِ ‌بَدْرٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَاطِبٍ: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ عَدُوِّی وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ تُلۡقُونَ إِلَیۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: ١]».[ابن هشام، السيرة النبوية، ٢/٣٩٩].
  4. مشروعية السفر في رمضان، وجواز الفطر والصيام فيه. فقد سافر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى فتح مكة في رمضان وكان في السفر الصائم والمفطر ولم يعتب على أحد، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: "سَافَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ‌عَامَ ‌الْفَتْحِ ‌فِي ‌رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَشَرِبَ نَهَارًا لِيَرَاهُ النَّاسُ، ثُمَّ أَفْطَرَ، حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، وَافْتَتَحَ مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ». [أحمد (٢٩٩٤)].
  5. مشروعية التعمية على العدو حتى يُباغت، قبل أن يكون قد جمع قواه، فتسرع إليه الهزيمة وتقل الضحايا والأموات من الجانبين حقنًا للدِّماء البشرية.
  6. بيان الكمال المحمدي في قيادة الجيوش، وتحقيق الانتصارات الباهرة.
  7. مشروعية إرهاب العدو بإظهار القوة له، وفي القرآن الكريم قال -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: ٦٠]. 
  8. إنزال الناس منازلهم، وقد تجلَّى هذا في إعطاء الرسول-صلى الله عليه وسلم- أبا سفيان كلماتٍ يقولهن، فيكون ذلك فخرًا له واعتزازًا، وهي: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، ‌وَمَنْ ‌دَخَلَ ‌الْمَسْجِدَ ‌فَهُوَ ‌آمِنٌ» ينادي بها بأعلى صوته.[ابن هشام ، السيرة النبوية، ٢/٤٠٣].
  9. بيان تواضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- لربه شكرًا له على آلائه وإنعامه عليه إذ دخل مكة وهو مطأطئ الرأس، حتى إنَّ لحيته لتمس رحلَ ناقته تواضعًا لله وخشوعًا، فلم يدخل -وهو الظافر المنتصر- دخولَ الظلمة الجبارين سفاكي الدماء البطَّاشين بالأبرياء والضعفاء.
  10. بيان العفو المحمدي الكبير إذْ عفا عن قُريشٍ العدو الألد، ولم يقتل منهم سوى أربعة رجال وامرأتين، فقال سيدنا النبي صلى الله عليه سلم: «اذهَبوا فأَنتُمُ الطُّلَقا».[البيهقي(١٨٣٢٣)].
  11. بيان الكمال المحمدي في عدله ووفائه، تجلَّى ذلك في رد مفتاح الكعبة لعثمان بن أبي طلحة، ولم يُعطه مَن طلبه منه وهو "علي بن أبي طالب" -رضي الله عنه- وهو صهره الكريم وابن عمه، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ خَالِدَةً تالدةً ‌لَا ‌يَنْزِعُهَا ‌مِنْكُمْ ‌إِلَّا ‌ظَالِمٌ» - يَعْنِي حِجَابَةَ الْكَعْبَةِ -. [الطبراني، المعجم الكبير(١١٢٣٤)].
  12. وجوب كسر الأصنام، والتماثيل، وإبعادها من المساجد بيوت الله -تعالى-، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: «دَخَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ كَانَ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿وَقُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقࣰا﴾، ﴿قُلۡ جَاۤءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا یُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا یُعِیدُ﴾» زَادَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: يَوْمَ الْفَتْحِ . [مسلم (١٧٨١)].
  13. تقرير مبدأ الجوار في الإسلام لقوله- صلى الله عليه وسلم- : «‌قَدْ ‌أَجَرْنَا ‌مَنْ ‌أَجَرْتِ ‌يَا ‌أُمَّ هَانِئٍ».[البخاري (٦١٥٨)].

نقل الراية من سعد إلى ابنه رضي الله عنهما

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا حِينَ وُجِّهَ دَاخِلًا قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ، فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَدْرِكْهُ، فَخُذْ الرَّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِهَا. [السيرة النبوية لابن هشام ٢/٤٠٧].

وذكر غير محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مرَّ به، وقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبي ﷺ «بَلْ هَذَا يَوْمٌ تُعَظَّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ» وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد، وقال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها إلى الزبير بن العوام فالله أعلم. [البداية والنهاية لابن كثير (٤/٢٩٥)].

وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، والله ما نأمن سعدًا أن تكون منه في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا». [مغازي الواقدي (٢/‏٨٢٢)].

هل كان فتح مكة صلحًا أم عنوة؟

أخيرًا يواجهنا سؤال، هل كان فتح مكة عنوة، أي قهرًا، أم صلحًا؟

يرى جمهور العلماء أنها فتحت عنوة، بينما الشافعي ورواية عن أحمد أنها فتحت صُلحًا، ولكل أدلته، ويرى الماوردي والإمام الحاكم في الإكليل أن بعضها فتح عنوة بسبب ما وقع من قتال بين بعض القرشيين وبين خالد بن الوليد وجيشه انهزم فيه أعداء الإسلام، وبعضها فتح صلحًا.

والصواب: أن فتحها كان عنوة وبقوة السلاح، ولو أمكن أعداء الإسلام مقاتلة الجيش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلوا، ولكن النبي صلوات الله وسلامه عليه تأليفًا لقلوب من لم يدخل منهم في الإسلام يوم الفتح عاملهم معاملة من فتحت بلادهم صلحًا وبأمان. [السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة للشيخ محمد محمد أبي شهبة ج٢، ص٤٩٥- ٤٦٣].

الخلاصة

سيبقى فتح مكة شاهدًا على أن عاقبة النكث وخيمة، وأن عاقبة الصبر والوفاء هي التمكين، وسواء قيل إنها فُتحت صلحًا أو عنوة، فإن النتيجة الواحدة التي لا مرية فيها هي أن قلوب أهلها فُتحت بالإسلام قبل أن تُفتح حصونها بالسلاح، لتظل مكة قلب العالم الإسلامي النابض بالتوحيد.

موضوعات ذات صلة

تبرز عظمة فتح مكة كواحد من أروع أحداث السيرة المطهرة.

يعدُّ فتح مكة في رمضان المبارك (سنة ٨ هـ) الفتح الأعظم في تاريخ الإسلام.

فتح مكة هو في الميزانِ العُمري والتحليلي تتويجٌ لسنواتِ الصبرِ واليقين.

موضوعات مختارة