وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
إن لأهمية هذا الحدث دلالة على التمكين للإسلام والمسلمين، نجده ممجَّدًا في كتاب الله، وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال تبارك وتعالى ممتنًّا على نبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الفتح: ١]، والمفسـرون على أن الآية في صُلْح الحديبية، غير أنه لما كان صُلْح الحديبية سببًا ممهدًا لـفتح مكة سُمِّي بالفتح، وذلك باعتبار المآل [التحرير والتنوير، ج٢٦، ص١٤٤]، وكذلكم نجد هذا الحدث ممجَّدًا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» [البخاري (٢٧٨٣)]، في إشارة منه عليه الصلاة والسلام إلى العزة والقـوة التي حظي بها الإسلام والمسلمون بعد فتح مكة.
وعن الزّهْرِيّ، قَالَ: افْتَتَحَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَكّةَ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، قَالُوا: وَكَانَ فَتْحُ مَكّةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِعَشْرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ. فَأَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِمَكّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمّ غَدَا يَوْمَ السّبْتِ لِسِتّ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَوّالٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى مَكّةَ عَتّابَ بْنِ أُسَيْدٍ يُصَلّي بِهِمْ، وَمُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يُعَلّمُهُمْ السّنَنَ وَالْفِقْهَ.[الواقدي، المغازي، ٣/٨٨٩].
وإذا تأملنا أحداث هذا الفتح الأكبر نستطيع أن ندرك تمامًا قيمة الجهاد والاستشهاد والمحن التي وقعت من قبله، إن شيئًا من هذا الجهاد والتعب والمحن لم يذهب بددًا، ولم ترق نقطة دم لمسلم هدرًا، ولم يتحمَّل المسلمون كلَّ ما لاقوه مما قد علمنا في هجرتهم وغزواتهم وأسفارهم، لأنَّ رياح المصادفة فاجأتهم بها، ولكن كل ذلك كان وفق قانونٍ سماوي، وبحسب سنة الله في خلقه فكل التضحيات المتقدمة كانت تؤدي أقساطًا من ثمن الفتح والنَّصر وتلك هي سنة الله في عباده… لا نصر بدون إسلامٍ صحيحٍ ولا إسلام بدون عبودية لله، ولا عبودية بدون بذل وتضحية وضراعة على بابه وجهاد في سبيله.
كان الفتح مليئًا بالدروس والعبر والفوائد وهذه لمحات من الفتح وعبره وفوائده:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ سَعْدًا حِينَ وُجِّهَ دَاخِلًا قَالَ: الْيَوْمُ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ، الْيَوْمُ تُسْتَحَلُّ الْحُرْمَةُ، فَسَمِعَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: أَدْرِكْهُ، فَخُذْ الرَّايَةَ مِنْهُ فَكُنْ أَنْتَ الَّذِي تَدْخُلُ بِهَا. [السيرة النبوية لابن هشام ٢/٤٠٧].
وذكر غير محمد بن إسحاق أن رسول الله ﷺ لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة حين مرَّ به، وقال: يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبي ﷺ «بَلْ هَذَا يَوْمٌ تُعَظَّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ» وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب له، ويقال إنها دفعت إلى ابنه قيس بن سعد، وقال موسى بن عقبة عن الزهري دفعها إلى الزبير بن العوام فالله أعلم. [البداية والنهاية لابن كثير (٤/٢٩٥)].
وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، والله ما نأمن سعدًا أن تكون منه في قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا». [مغازي الواقدي (٢/٨٢٢)].
يرى جمهور العلماء أنها فتحت عنوة، بينما الشافعي ورواية عن أحمد أنها فتحت صُلحًا، ولكل أدلته، ويرى الماوردي والإمام الحاكم في الإكليل أن بعضها فتح عنوة بسبب ما وقع من قتال بين بعض القرشيين وبين خالد بن الوليد وجيشه انهزم فيه أعداء الإسلام، وبعضها فتح صلحًا.
والصواب: أن فتحها كان عنوة وبقوة السلاح، ولو أمكن أعداء الإسلام مقاتلة الجيش الذي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لفعلوا، ولكن النبي صلوات الله وسلامه عليه تأليفًا لقلوب من لم يدخل منهم في الإسلام يوم الفتح عاملهم معاملة من فتحت بلادهم صلحًا وبأمان. [السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة للشيخ محمد محمد أبي شهبة ج٢، ص٤٩٥- ٤٦٣].
تبرز عظمة فتح مكة كواحد من أروع أحداث السيرة المطهرة.
يعدُّ فتح مكة في رمضان المبارك (سنة ٨ هـ) الفتح الأعظم في تاريخ الإسلام.
فتح مكة هو في الميزانِ العُمري والتحليلي تتويجٌ لسنواتِ الصبرِ واليقين.