وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
تقفُ جبالُ الدُّنيا شواهدَ على أحداثٍ جسامٍ، غيرَ أنَّ جبلَ أُحُدٍ، الرابضَ شَمالِيَّ مدينةِ رسولِ اللهِ ﷺ بمسافةٍ تمتدُّ لسبعةِ كيلومتراتٍ وعرضٍ يبلغُ نحوِ كيلومترينِ إلى ثلاثةٍ وارتفاعٍ يناهزُ ٣٥٠ مترًا، يحملُ بينَ صخورِهِ سرًّا سماويًّا يفوقُ مجردَ احتضانِهِ لغزوةٍ كبرى سُمِّيت باسمِهِ.
فبينما تُنسبُ المعاركُ عادَةً لأماكنِها البارزةِ، يتفرَّدُ هذا الطَّودُ العظيمُ بمكانةٍ عاطفيَّةٍ وروحيَّةٍ لا مثيلَ لها؛ إذْ تكلَّلَ بشرفِ المُبادلةِ الوجدانيةِ مع سيِّدِ الخلقِ ﷺ القائلِ في الحديثِ المتَّفقِ عليهِ بكلماتٍ تفيضُ حنانًا: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»
فقد ورد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» [متفق عليه].
وفي رواية أخرى عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ، وَهَذَا أُحُدٌ، جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» [متفق عليه].
لقد حلَّقَ العلماءُ في آفاقِ هذه المحبةِ النبويَّةِ البديعةِ، وتوزَّعت أنظارُهُم حيالَها إلى مسلكينِ:
يقُولُ الحافظ ابنُ حجر رحمه الله: "قِيلَ: هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ وُقُوعٍ مِثْلِ ذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الْمَحَبَّةَ فِي بَعْضِ الْجَمَادَاتِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى الْمَجَازِ وَالْمُرَادُ أَهْلُ أُحُدٍ، عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾، وَقَالَ الشَّاعِرِ:
وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي * * * وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا"
[فتح الباري بشرح البخاري ٦/٨٧]
ويقُولُ الإمام النَّوويُّ رحمه الله: "«...قَالَ هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ» الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ أُحُدًا يُحِبُّنَا حَقِيقَةً جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ تَمْيِيزًا يُحِبُّ بِهِ كَمَا قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا یَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡیَةِ ٱللَّهِۗ﴾ [البقرة: ٧٤]، وَكَمَا حَنَّ الْجِذْعُ الْيَابِسُ وَكَمَا سَبَّحَ الْحَصَى ... وَكَمَا قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ» وَكَمَا دَعَا الشَّجَرَتَيْنِ الْمُفْتَرِقَتَيْنِ فَاجْتَمَعَا وَكَمَا رَجَفَ حِرَاءٌ فَقَالَ: «اسْكُنْ حِرَاءُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ» الْحَدِيثَ وَكَمَا كَلَّمَهُ ذِرَاعُ الشَّاةِ وَكَمَا قَالَ سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن مِّن شَیۡءٍ إِلَّا یُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِیحَهُمۡۚ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وَالصَّحِيحُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً بِحَسَبِ حَالِهِ وَلَكِنْ لَا نَفْقَهُهُ وَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ شَوَاهِدُ لِمَا اخْتَرْنَاهُ وَاخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُونَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ وَأَنَّ أُحُدًا يُحِبُّنَا حَقِيقَةً" [شرح النووي على مسلم ٩/ ١٣٩، ١٤٠]
ومما يؤكد هذا المعنى الروحي ويزيده رسوخًا أمور ثلاثة:
فقد ثبت عن أنس رضي الله عنه أن النبي ﷺ صعد أُحُدًا، ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم، فقال: «اثْبُتْ أُحُدُ؛ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ» [صحيح البخاري: ٣٦٧٥].
هذه الرجفةُ لم تكن زلزلةَ خوفٍ أو اضطرابٍ، بل هي رجفةُ طربٍ، ونشوةُ شوقٍ، واستبشارٍ بملامسةِ الأقدامِ الشريفةِ، وفرحًا بأنفاسِهِم العاطرةِ، وقد استجابَ الجبلُ لأمرِ الحبيبِ ﷺ استجابةَ العاشقِ المطيعِ، فسكنَ وثبتَ متأدبًا في حضرته.
ويُصوِّرُ لنا المُلَّا علي القاري (رحمه الله) هذا المشهدَ المهيبَ تصويرًا روحيًّا بديعًا، كاشفًا سرَّ هذه الرجفةِ ومعنى الأمرِ بالثباتِ، حيث يقول: "(عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ)، أَيْ مَعَهُ (فَرَجَفَ) أَيْ: تَحَرَّكَ (أُحُدٌ بِهِمْ)، أَيِ انْتِعَاشًا وَاهْتِزَازًا لِقُدُومِهِمْ (فَضَرَبَهُ) أَيِ: النَّبِيُّ عليه السلام (بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: «اثْبُتْ أُحُدُ»، أَيْ: وَلَا تُظْهِرْ شَيْئًا عَلَى ظَاهِرِكَ كَالْكَامِلِينَ الْوَاصِلِينَ، عَلَى مَا حُكِيَ أَنَّ الْجُنَيْدَ سُئِلَ مَا بَالُكَ عِنْدَ السَّمَاعِ ظَاهِرًا، مَعَ تَحَقُّقِ حَالِكَ بَاطِنًا فَقَرَأَ: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: ٨٨] «فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ»، أَيْ وَصُحْبَةُ أَهْلِ التَّمْكِينِ وَالْوَقَارِ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَأْثِيرٍ خَالٍ عَلَى الْإِظْهَارِ. [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٩/ ٣٩٢٨]
من أحب شيئًا أكثر من ذكره، وقد فاضت كلمات النبي ﷺ بذكر أُحُد في مواضع شتى لبيان عظم الأجر؛ منها قوله ﷺ عن ساقي ابن مسعود: «لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ» [مسند أحمد: ٣٩٩١]، وقوله في فضل صحابته الكرام: «فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ» [صحيح البخاري: ٣٦٧٣]، وقوله في فضل صلاة الجنازة: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَاتَّبَعَهَا، فَلَهُ قِيرَاطَانِ مِثْلُ أُحُدٍ» [مسند أحمد: ٧٦٩٠].
ليس جبل أُحُد بدعًا في عشقه لرسول الله ﷺ، فالحجر كان يحبه ويسلم عليه، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ» [صحيح مسلم: ٢٢٧٧]، والجذع حن له واشتاق إليه، وبكى شوقًا لسماع صوته حتى نزل ﷺ فضمه إليه لتهدأ لوعته، فعن جَابِر بْن عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قال: "كَانَ الْمَسْجِدُ مَسْقُوفًا عَلَى جُذُوعٍ مِنْ نَخْلٍ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا خَطَبَ يَقُومُ إِلَى جِذْعٍ مِنْهَا فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ وَكَانَ عَلَيْهِ فَسَمِعْنَا لِذَلِكَ الْجِذْعِ صَوْتًا كَصَوْتِ الْعِشَارِ حَتَّى جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا فَسَكَنَتْ" [صحيح البخاري: ٣٥٨٥].
إذا استقر في الوجدان أن هذا الحب حقيقي، يبرز تساؤل لطيف: لماذا اصطفى النبي ﷺ جبل أُحُد بالذات ليعلن محبته؟ الجواب يتجلى في أمرين:
اسم (أُحُد) مشتق من "الأحدية" والتوحيد، وكان نبي الرحمة ﷺ يتذوق الفأل الحسن والأسماء الجميلة، وأيضا لأن حروف كلمة (أُحُدٌ) كلها مرفوعة (الهمزة، الحاء، الدال)، فكان ﷺ يستلهم منها ارتفاع دين الله وعلوه.
قال العلامة السُّهيليُّ: "سمِّيَ بهِ لتوحُّدهِ وانقطاعهِ عن جبالٍ أخرى هناك. قال أيضًا: وهو مشتقٌّ من الأحديَّةِ، وحركاتُ حروفهِ الرَّفعُ، وذلك يشعرُ بارتفاعِ دينِ الأَحدِ وعلوِّهِ". [إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري- ط عطاءات العلم ١٣/ ٤٣١]
كأنما أراد الرسول الرحيم ﷺ بهذا الإعلان أن يمسح الذكريات الأليمة العالقة في نفوس أصحابه تجاه هذا المكان، الذي ودّعوا فيه سبعين من خيرة الشهداء، وعلى رأسهم أسد الله حمزة (رضي الله عنه)، وفيه سال الدم الزكي من وجه الحبيب ﷺ.
فأراد أن يعلمهم ألا يأسِروا أرواحهم في محطات الحزن، وأن ينفضوا عن أنفسهم دائِمًا غبار الألم، لينهضوا بقوة وأمل متجدد.
إذا كان صخرٌ أصمُّ قد فاضت جنباتُهُ بعشقِ النبيِّ ﷺ حقيقَةً وواقعًا، فإنَّ أفئدتَنا نحنُ ينبغي أن تكونَ أشدَّ ولعًا وتعلُّقًا بهِ ﷺ، فمحبَّتَهُ الصادقةَ تُترجَمُ طاعةً لأمرِهِ، واهتداءً بسنَّتِهِ، وانشغالا بذكره وكثرة الصلاة عليه؛ شكرًا عميقًا للهِ الذي منَّ علينا ببعثتِهِ ﷺ، وعرفانًا بأفضالِهِ التي غمرتِ الوجودَ بأسْرِهِ.
محبة جبل أحد للنبي ﷺ ليست مجرد معجزة تُروى، بل هي رسالة عابرة للأجيال توقظ في القلوب صدق الانتماء، فإذا كانت الحجارة الصماء تلين وتفيض عشقًا لسيد البشر، فقلوبنا وحياتنا أولى بهذا النبض، وأحق بأن تترجم هذا الحب إلى طاعة خالصة، واتباع صادق لسنته، وكثرة الصلاة عليه؛ لننال شرف محبته وشفاعته.
غزوة أحد كانت معركة حاسمة في تاريخ الإسلام، حيث واجه المسلمون تحديات كبيرة تحت قيادة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم-
تشكل غزوة أحد، التي وقعت في السابع من شوال للعام الثالث من الهجرة، محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة
خطبة منزلة الشهيد
تشكل غزوة أحد محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة
المجاز العقلي أحد أركان البيان العربي، يُظهر فطنة التعبير، ودقة الإسناد