Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

غزوة حمراء الأسد

الكاتب

هيئة التحرير

غزوة حمراء الأسد

إن المتأمل في عظمة الأنفاس المحمدية ليدرك يقينًا أن معارك سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم تكن قتالًا لكسب المساحات، بل كانت بناءً للنفوس وتطهيرًا للقلوب؛ فكيف لجيشٍ أثخنته جراحُ (أُحد) أن ينهض في صبيحة يومه ليرسم بدمائه لوحةً من العزة لا تُنسى؟

تاريخ غزوة حمراء الأسد ومكانها

  • الزمان: وقعت غزوة حمراء الأسد في صبيحة يوم الأحد، السادس عشر من شوال، في العام الثالث للهجرة، أي بعد يوم واحد فقط من معركة أحد.
  • المكان والتسمية: قال المحققون من أصحاب السير موقعها في حمراء الأسد، وهو موضع يقع على ثمانية أميال (وقيل عشرة) من المدينة المنورة، بجهة طريق العقيق متياسرة عن ذي الحليفة [أبو عبيد بن محمد البكري الأندلسي: معجم ما استعجم، ت. مصطفى السقا، عالم الكتب (بيروت – لبنان)، ط٣ ،١٤٠٣- ١٩٨٣م،٢/٤٦٨].

هذا التوقيت الفوري لم يكن عبثًا، بل كان رسالة حازمة لقريش وللمنافقين واليهود داخل المدينة، بأن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصحابته الأبرار لا يزالون يمتلكون زمام المبادرة والقدرة على المطاردة [ابن سعد، الطبقات الكبرى، ت. إحسان عباس، دار صادر - بيروت، ط١، ٢/٤٩].

أسباب غزوة حمراء الأسد

لقد تضافرت الروايات في بيان الدافع لهذه الغزوة، ويرى الإمام ابن إسحاق أن الخروج كان إرهابًا للعدو، ليبلغهم أن ما أصاب المسلمين لم يوهنهم؛ بينما ذُكر سبب آخر وهو خبرٌ يقين وصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أبا سفيان ومن معه تلاوموا بالروحاء قائلين: "لا محمدًا قتلتم، ولا الكواعب أردفتم، بئس ما صنعتم، ارجعوا نستأصل من بقي"، فسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك فندب المسلمين فانتدبوا حتى بلغ حمراء الأسد أو بئر أبي عنبة (شك سفيان بن عيينة – الراوي)، فقال المشركون نرجع قابل، فرجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت تعد غزوة فأنزل الله {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: ١٧٢]، وقد كان أبو سفيان قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - موعدكم موسم بدر حيث قتلتم أصحابنا فأما الجبان فرجع وأما الشجاع فأخذ أهبة القتال والتجارة فأتوه فلم يجدوا به أحدًا وتسوقوا فأنزل الله {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: ١٧٤] [النسائي في (السنن الكبرى) (١١٠١٧)، بدر الدين العيني: عمدة القاري شرح صحيح البخاري، ١٨/ ١٥١].

وقد أكد الخبر عبد الله بن عمرو المزني الذي شاهد قريشًا بملل وهم يأتمرون بالرجعة، بينما كان صفوان بن أمية يحذرهم بذكاء: "لا تفعلوا فإني أخاف أن يجتمع عليكم من تخلف من الخزرج"، وهنا نطق الوحي بلسان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أرشدهم صفوان وما كان برشيد، والذي نفسي بيده لقد سُوِّمت لهم الحجارة، ولو رجعوا لكانوا كأمس الذاهب" [محمد بن يوسف الصالحي الشامي: سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، دار الكتب العلمية، ط١، ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، ٤/ ٣٠٩].

الصحابة بين القرح والمدد

حين نادى منادي سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :"لا يخرج معنا إلا من شهد القتال بالأمس" أي: من شهد أُحد، تفجرت ينابيع الصدق في قلوب الصحابة، لقد كانت هذه القاعدة النبوية فرزًا روحيًا استبعد المنافقين وأبقى الصادقين.

لعل حكمة ذلك وإن كان خروج المتخلفين فيه زيادة في إرهاب الأعداء وتقوية المسلمين، أنه أراد إظهار الشدة للعدو، فيعلمون من خروجهم مع كثرة جراحاتهم أنَّهم على غاية من القوة والرسوخ في الإيمان وحب الرسول، والزيادة في تعظيم من شهد أُحد، أو أنه خاف اختلاط المنافقين بهم فيمنون عليه بعد بخروجهم معهم وهم مسلمون ظاهرًا، فلا يرد أنه كان يمنعهم دون المسلمين [محمد بن عبد الباقي: شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية للقسطلاني، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، ط١، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م، ٢/ ٤٦٥].

ومن صور الوفاء والصمود:

  • وفاء سيدنا جابر بن عبد الله: كان الاستثناء الوحيد حين عرض جابر أمره على النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيّن أن تخلفه لم يكن رغبة عن القتال، بل طاعةً لوالده وحمايةً لأخواته السبع (وفي رواية تسع، وهو الصحيح والمشهور في السير)، فجاء الإقرار النبوي تزكيةً لصدق نيته وبره بوالده، يقول سيدنا جابر - رضي الله عنه: " فأذن لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرجتُ معه، فلم يخرج معه أحد لم يشهد القتال بالأمس غيري [راجع: ابن حجر العسقلاني: فتح الباري، دار الريان للتراث،١٤٠٧هـ/ ١٩٨٦م، ٧/ ٤٣٢].
  • صمود الجرحى: وثب المسلمون إلى سلاحهم رغم الآلام؛ فهذا أسيد بن حضير به تسع جراحات لم يعرج على دوائها، وهذا الطفيل بن النعمان بثلاث عشرة جراحة، وخراش بن الصمة بعشر جراحات.
  • مشهد الأخوين من بني عبد الأشهل: وهو مشهد تذرف له العيون لعبد الله ورافع ابنا سهل؛ فقد كانا مثخنين بالجراح، فقال أحدهما: "أتفوتنا غزوة مع رسول الله؟"، فخرجا يتزاحفان، يحمل القوي منهما الضعيف عقبة (نوبة) ويمشي الآخر، حتى أدركوا الجيش عند العشاء، فدعا لهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بخير [راجع: البيهقي، دلائل النبوة، دار الكتب العلمية، ط ١ ، ١٤٠٨- ١٩٨٨، ٣/ ٣١٥].

التحرك والاستعداد لحمراء الأسد

خرج سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيته في مشهدٍ يهز الوجدان؛ فكان يجسد معنى الصبر الذي لا يلين، حيث ركب فرسه (السكب) وهو مثخن بالجراح: وجهه الشريف يقطر دمًا، ورباعيته مشظاة، وشفته مكلمة، ومنكبه الأيمن واهنٌ من ضربة ابن قمئة، وركبتاه مجحوشتان من سقوطه في الحفيرة، دعا بلوائه الذي لم يُحلّ منذ الأمس، فدفعه إلى سيدنا علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم.

تحرك الموكب النبوي، وحوله أسود الأوس والخزرج الذين لم يعرجوا على مداواة جراحهم؛ وسار الجيش حتى نزلوا حمراء الأسد على بعد ثمانية أميال من المدينة، وهناك، أمر سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمرٍ لم يسبق له مثيل في حروبه؛ وهو إيقاد خمسمائة نار في الليل، فكان كل رجل يوقد ناراً مستقلة، حتى ملأت النيران الأفق ورآها المشركون من مكان بعيد بـالروحاء، وظنوا أن المدينة قد استنفرت بكامل قوتها وزحفت لطلبهم [ابن سيد الناس، عيون الأثر، دار القلم - بيروت ط١، ١٤١٤ /١٩٩٣، ٢ / ٥٤].

إن إيقاد خمسمائة نار لم يكن مجرد إجراء عسكري، بل كان حرباً نفسية استباقية أدت مفعولها قبل التحام السيوف؛ حيث استطاع سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا التكتيك أن يوهم العدو بأن من خرجوا معه أضعاف من قاتلوا في أحد، مما جعل أبا سفيان يقرر الفرار سريعًا بمجرد رؤية ضياء النيران في الأفق.

دهاء معبد الخزاعي

لقد سخر الله لرسوله - صلى الله عليه وسلم - عقولًا ومواقف، حتى من خارج دائرة الإيمان، لتكون جندًا من جنود الحق؛ فكان (معبد الخزاعي) هو لسان الصدق الذي قذف الرعب في قلوب الباطل بسلاح الكلمة والحيلة الذكية، (وكان مشركًا وقتها)، وكانت خزاعة عَيْبةَ نُصحٍ للنبي - صلى الله عليه وسلم - (أي أهل ثقته ومودته)؛ حيث مرّ معبد بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وعزّاه فيما أصابه، ثم مضى إلى الروحاء حيث أبو سفيان، فاستخدم معبد حيلة إعلامية بارعة حين سأله أبو سفيان: "ما وراءك؟"، فقال: "محمد وأصحابه قد خرجوا في جمع لم أرَ مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقًا، واجتمع معهم من تخلف بالأمس وندموا"، فأنشد معبد أبياتًا هزت كيان قريش:

كادت تهدّ من الأصوات راحلتي * * * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

فظلت عدوًا أظن الأرض مائلة * * * لما سَمَوا برئيس غير مخذول

فأسرع أبو سفيان بالفرار نحو مكة، محاولًا تغطية هزيمته النفسية بإرسال ركب من عبد القيس ليهددوا المسلمين بالرجعة مقابل وقر زبيب، فما كان رد المسلمين إلا: "حسبنا الله ونعم الوكيل"؛ الكلمة التي زادتهم إيماناً وثباتًا [ابن هشام، السيرة، دار الصحابة للتراث، طنطا - مصر، ٣/ ٦٨-٦٩].

وهكذا تهاوت كبرياء قريش أمام زلزال الكلمات، وانقلب التهديد إلى يقينٍ يملأ صدور الصحابة؛ فكانت (حسبنا الله) هي القلعة التي احتموا بها، فخرجوا من الغزوة وقد صانوا كرامة المدينة وأعادوا للهيبة النبوية جلالها.

تأديب الخونة

لم تغفل الغزوة عن تأديب من خانوا في المدينة:

  • أبو عزة الجمحي: الشاعر الذي أُسر في بدر وعُفي عنه لبناته، فنكث عهده وحرض في أحد، ثم أُسر ثانية وطلب العفو، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدته الشهيرة: «لا والله، لا تَمْسَح عَارضَيْك بمكة، وتقول: خدعت محمدًا مرَّتين، لا يُلدغ المؤمن من جُحْر واحد مرتين» [البخاري، الصحيح كتاب الأدب، رقم ٦١٣٣]
  • معاوية بن المغيرة: جد عبد الملك بن مروان الذي لجأ لعثمان بن عفان وتجسس للمشركين، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله بعد انتهاء مهلة الأمان [ابن سعد: الطبقات الكبرى، ت. إحسان عباس، دار صادر - بيروت، ط١،٢/٤٩].

إن الناظر في صنيع سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - مع هؤلاء، ليدرك أن الرحمة المحمدية ليست عجزًا، وأن الرفق النبوي ليس غفلة؛ فبينما كان - صلى الله عليه وسلم - يضمد جراح أصحابه، كان في الوقت ذاته يبتر يد الغدر التي تحاول العبث بأمن الدولة الناشئة.

نجحت الغزوة في استعادة هيبة المسلمين ومحو شعور الهزيمة، وأثبتت أن قوة الإيمان قادرة على قهر آلام الجروح والمواجع، مما بث الرعب في قلوب المشركين وجعلهم يفرون نحو مكة خوفاً من حماس المؤمنين، كما كشفت الغزوة معادن الرجال الحقيقية ونقت المجتمع المدني من المنافقين، ليعاد بناء صفوف المسلمين على الصدق والولاء التام.

الخلاصة

لقد برهنت (حمراء الأسد) أن الانكسار العسكري ليس نهاية المطاف، بل هو بوتقةٌ تنصهر فيها الشوائب ليبقى جوهر الإيمان خالصاً، ليعود جيشُ الأنوار بنعمةٍ من الله وفضل لم يمسسهم سوء.

موضوعات ذات صلة

تمثل غزوة بني قريظة فصلًا حاسمًا في تأمين الجبهة الداخلية للدولة الإسلامية

تُعد غزوة الخندق (الأحزاب) التي وقعت في شوال من العام الخامس للهجرة

تُمثل غزوة حنين (٨هـ) المحطة التربوية الأبرز في السيرة النبوية

تُعد غزوة تبوك من أعظم المحطات في السيرة النبوية

تشكل غزوة أحد، محطة حاسمة في السيرة النبوية قدمت للأمة دروسًا عظيمة في الشورى والقيادة